أكثر من «طريق حرير» روسية ـ صينية

موسكو وبكين تواجهان سياسة العقوبات الأميركية بتقارب تجاري وعسكري

أكثر من «طريق حرير» روسية ـ صينية
TT

أكثر من «طريق حرير» روسية ـ صينية

أكثر من «طريق حرير» روسية ـ صينية

لم تقتصر أهمية القمة الروسية - الصينية التي انعقدت قبل أيام في مدينة فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي على البعدين التجاري والعسكري، على خلفية القفزة الكبيرة التي حققتها علاقات البلدين في هذين المجالين خلال السنوات الأخيرة. بل إن العنوان الأبرز للقمة، خلف كل الأحاديث عن تعزيز التعاون وفتح آفاق جديدة لها، كان مواجهة سياسات واشنطن التي لعبت دوراً أساسياً، في تعزيز التقارب بين موسكو وبكين، ووضعت الطرفين أمام استحقاق «الرد المشترك» على ما وصف بأنه «تهديدات معاصرة» أطلقتها تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترمب و«استراتيجية» العقوبات والحروب التجارية مع الطرفين.
مع هذا، يظل «تحالف الأمر الواقع» - كما وصفته وسائل إعلام روسية - مستنداً بالدرجة الأولى إلى المصالح الاقتصادية المتصاعدة بين روسيا والصين، من دون أن يصل إلى مستوى التحالف العسكري، وهذا، على الرغم من أن الجانبين وجّها رسائل «عسكرية» عبر المشاركة أخيراً في أوسع مناورات حربية تجرى في روسيا منذ أربعة عقود.

حملت أجواء القمة الروسية – الصينية، وما تبعها من تصريحات وتعليقات، تأكيداً من جانب موسكو وبكين على دفع مسار التقارب خياراً استراتيجياً. ولم تكد القمة تنفض حتى أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيزور بكين العام المقبل، في إشارة إلى اعتزام الطرفين مواصلة الاتصالات على أرفع مستوى.
سيشارك بوتين بناءً على دعوة من نظيره الصيني شي جينبينغ في فعاليات منتدى «حزام واحد - طريق واحد». وستكون هذه المرة الأولى التي يحضر فيها الرئيس الروسي أعمال المنتدى الذي بات يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الصين وهو النسخة المعاصرة لـ«طريق الحرير» التاريخي، ويشتمل على دراسة وإطلاق مشروعات استراتيجية تتضمن عدداً كبيراً من البرامج الاقتصادية الدولية في آسيا، ولا سيما، في مجال النقل والبنى التحتية.
بيد أن خريطة طريق تعزيز التعاون الاقتصادي التجاري تبدو أبعد من طموحات «طريق الحرير»، وهذا ما دلت إليه الاتفاقات التي رافقت تلت القمة الروسية الصينية. إذ شملت تفاهمات وعقوداً بين الشركات الروسية والصينية تتصل بتطوير التعاون التجاري والاقتصادي، وكذلك زيادة الاستثمارات المتبادلة. وفي هذا الإطار تجري دراسة 73 مشروعاً بقيمة إجمالية تزيد على 100 مليار دولار، وفقاً لبيان صدر عن صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي، على هامش فعاليات «منتدى الشرق الاقتصادي الروسي».
والمشروعات المطروحة تتولى دراستها اللجنة الاستشارية التجارية المشتركة بين البلدين، وتطال مجالات الإنتاج الصناعي، والبنية التحتية، والتنقيب ومعالجة المعادن، والزراعة وغيرها.، ناهيك من سبعة مشروعات بقيمة إجمالية تصل إلى 4.6 مليار دولار نُفّذت بالفعل نتيجةً للعمل المشترك بين روسيا والصين. وقال رئيس الصندوق الروسي، كيريل ديميترييف، إنه «بفضل النمو الاقتصادي المستقر في روسيا والصين، هناك الكثير من الفرص الاستثمارية المربحة في الأسواق المحلية، لكننا نعتقد أن الصفقات الواعدة ستظهر بفضل العلاقات الثنائية».
وهنا، نشير إلى أن الصين باتت خلال العامين الأخيرين أكبر شركاء روسيا التجاريين، محتلة بذلك مكان الاتحاد الأوروبي. إذ استحوذت خلال العام الماضي على 15 في المائة من تجارة روسيا الخارجية. وارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2017 بنسبة 31.5 في المائة مقارنة بعام 2016. وبلغ 87.4 مليار دولار، منها 39 مليار دولار هي صادرات روسيا إلى الصين، مقابل واردات بقيمة 48.4 مليار دولار.
ويتوقع الجانبان أن يتجاوز حجم التبادل التجاري عتبة الـ100 مليار مع حلول نهاية العام الحالي، وفقاً لخطة طموحة تسعى إلى دفع التبادل بنسبة 150 في المائة خلال السنوات العشر المقبلة. في حين أعرب بوتين عن ارتياح لأن حجم التجارة الثنائية بين الدولتين يرتفع بنسبة 30 في المائة سنوياً. وحقاً، دخل التعاون مجالات جديدة خلال الفترة الأخيرة، بينها قطاع الاتصال والإنترنت، لم تكن مدرجة سابقاً على جدول أعمال التعاون الثنائي. وتوصلت مجموعة شركات روسية تنشط في مجال الاتصالات والإنترنت، إلى اتفاقية قبل أيام مع مجموعة «علي بابا» الصينية، لإنشاء شركة عملاقة للتجارة الإلكترونية تعمل في روسيا ورابطة الدول المستقلة. وأبرمت الاتفاقية بين «علي بابا» و«ميغافون»، و«مايل رو» وصندوق الاستثمارات المباشرة الروسي، وجرى التوقيع عليها على هامش «منتدى الشرق الاقتصادي» في فلاديفوستوك. ومن المفترض، استكمال الصفقة، التي تعد الأولى من نوعها في قطاع التجزئة في روسيا، خلال الربع الأول من العام المقبل. ويعد هذا مؤشراً إلى أن موسكو بدأت تنفذ عملياً سياسة تبديل شركائها في مجال التقنيات الرقمية ووسائل الاتصال لتحل الصين مكان الشركات الغربية التي انسحبت من الأسواق الروسية أو جمّدت نشاطاتها بسبب العقوبات المفروضة على موسكو.

- جهود لـ«طرد الدولار»
من جانب آخر، ثمة مقولة شعبية روسية شائعة مفادها أن «كل مزحة تخفي شيئاً من حقيقة جدية»، وقد تنطبق هذه المقولة على المزحة التي أطلقها الرئيس بوتين مع ضيفه الصيني وهو يقدم له هدية. إذ قال بوتين لشي وهو يهديه آنية مصنوعة يدوياً وتحتوي على العسل الطبيعي، إن عليه أن يدفع ثمنها بالعملة الصينية. والفكرة ذاتها لمعت في ذهن الرئيسين وهما يتبادلان المزاح؛ إذ قال الزعيم الصيني إنه لا يحمل معه في تلك اللحظة روبلات روسية ليدفع ثمن الآنية، فأجابه الرئيس الروسي سيكون عليك إذن الدفع بالعملة الصينية.
لقد حمل مزاح الرئيسين إشارة مباشرة إلى النقاشات الجدية الجارية بين البلدين للتحول تدريجياً نحو التعامل بالعملات الوطنية. ويرى خبراء أن الهدف الأساسي هو الحد من تأثير التعامل بالدولار الأميركي على التبادل الاقتصادي للبلدين. ناهيك من أن هذه هي «خطوة البداية للحد من هيمنة الدولار على العالم»... كما علقت صحف قريبة من الكرملين.
في هذا السياق، الرئيس بوتين قال في أعقاب المحادثات، إن «الجانبين الروسي والصيني أكدا اهتمامهما بتعزيز استخدام العملات الوطنية في الحسابات التجارية؛ ما سيؤمّن استقرار الخدمات المصرفية التي تقدم لعمليات التصدير والاستيراد، في ظل تنامي المخاطر بالأسواق العالمية». ومع أن خبراء لدى الجانبين يرون أن ثمة صعوبات كبرى ما زالت تعترض هذا السبيل، لكن اتفاق العملاقين الروسي والصيني على إطلاق الجهد في هذا الاتجاه، يعكس توجهاً جدياً لحشد تأييد واسع من جانب بلدان أخرى ترى أن هذا التطوّر بات حتمياً رغم أنه حتماً لن يكون سريعاً. والمرجح، على هذا الصعيد، تعوّل الصين وروسيا بالدرجة الأولى على حلفائهما في «منظمة شانغهاي للتعاون» وعلى بعض المجموعات الإقليمية الأخرى، وأيضاً البلدان التي تعاني كذلك من تأثيرات سياسات العقوبات الأميركية.

- تعاون عسكري دون التحالف
في الوقت نفسه، حملت المناورات الروسية الضخمة التي أجريت بالتزامن مع القمة الروسية – الصينية، وفي منطقة أقصى الشرق الروسي... على بعد كيلومترات معدودة من مكان انعقاد القمة، إشارات مهمة موجهة إلى الغرب، وخصوصاً إلى الولايات المتحدة. وفضلاً عن كون هذه المناورات الأضخم منذ أربعة عقود، وتشارك فيها للمرة الأولى أساطيل كاملة ووحدات من قطعات البر والجو والبحر، فإن العنصر المهم فيها أن الصين شاركت في المناورات بقوات عسكرية قوامها 3000 جندي معهم مئات الآليات والطائرات.
هذه المشاركة كانت لها رمزية خاصة لكون منطقة المناورات قرب بحر اليابان، وتجري في أجواء توتر العلاقات مع الغرب بالنسبة إلى روسيا والصين معاً. ولقد كتبت صحيفة تابعة لوزارة الدفاع الروسية بعد انطلاق المناورات، إنه «ينبغي التفكير مرة أخرى في اتجاه التعاون الاستراتيجي الروسي - الصيني». وأشارت الصحيفة إلى أن مثل هذه التدريبات تدل على مستوى عالٍ من ثقة القيادة العسكرية والاستعداد لتقاسم التقييمات (والطرائق) فيما يتعلق بالأسلحة الاستراتيجية، وإن كانت محض دفاعية.
ومن ثم، رأت أنه يمكن للصين أن تلعب دوراً إيجابياً في التأثير على الخلافات الروسية - الأميركية في مجال الحد من التسلح. وعلى سبيل المثال، خلال التعبير عن دعمها الأنظمة الاستراتيجية الحالية للحد من الأسلحة الهجومية «ستارت – 3»، والتخلص من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى.
وللعلم، تعد الصين خلال السنوات الأخيرة أحد الشركاء الأساسيين لروسيا في مجال مبيعات السلاح، والصناعات المشتركة لبعض الطرازات، لكن المشاركة في مناورات على هذا المستوى يدل على رغبة مشتركة إلى نقل التعاون العسكري إلى مرحلة جديدة في إطار ما وصف بأنه مسعى مشترك لمواجهة التحديات المعاصرة. ومقابل ذلك، ما زال خبراء في روسيا يتحفظون عن إطلاق صفة «الشراكة الاستراتيجية» على العلاقات العسكرية بين موسكو وبكين، بمعنى أن الشراكة الاقتصادية لا يمكن من وجهة نظرهم أن تنسحب على مجالات عسكرية، أو أن يقوم بشكل أو بآخر تحالف عسكري استراتيجي كامل بين روسيا والصين؛ لأن لدى البلدين مشكلات جغرافية وسياسية مختلفة في أوروبا وآسيا. والمعروف، أن بكين تتبنى موقفاً حذراً تجاه الأزمة الأوكرانية، وتتعاون موسكو بما في ذلك المجالات العسكرية وفي مجالات الطاقة مع المعارضين الإقليميين للتطلعات الصينية في بحر الصين الجنوبي، ناهيك عن علاقات خاصة في المثلث الذي يشمل الهند. ويرى معلّق في صحيفة رسمية روسية، أن «الاقتصار في المناورة على صيغ التحالف، أمر خطير في الظروف الحالية؛ إذ يكفي أن تضمن كل من روسيا والصين إحداهما للأخرى (خلفية هادئة)، سواءً من الناحية الجغرافية أو ضمن المشهد العسكري السياسي العالمي... وهو ما يحصل حتى الآن».
هذا المنطق يبدو قريباً من القناعة الأميركية بأن روسيا والصين ليستا قادرتين على التوصل إلى مرحلة من التحالف العسكري، وبالفعل، قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أخيراً، إنه ليس لدى روسيا والصين على الصعيد العسكري الكثير الذي يجمعهما على المدى الطويل. ورداً على سؤال عما إذا كان قلقا أم لا من احتمال تشكيل تحالف عسكري بين روسيا والصين على خلفية مشاركة العسكريين الصينيين في مناورات «الشرق» بروسيا، أجاب قائلاً «أعتقد أن هاتين الدولتين تعملان في إطار مصالحهما الخاصة، لكن على المدى البعيد لا أرى ما يمكن أن يوحِّدهما».

- معاً ضد «استراتيجية العقوبات»
على الرغم مما تقدم، بدا بوتين مرتاحاً بعد القمة وهو يتحدث عن مستوى التعاون مع الصين في المجالين العسكري والأمني. بل أكثر من هذا، ذهب الطرفان شوطاً بعيداً في تأكيد عزمهما على تقليص مساحات الخلاف في مسائل عدة ظلت معلقة طويلاً، مثل مسألة الاستخدام المشترك للجزر على حدود البلدين، التي كانت في السابق موضوع نزاع إقليمي. ولاحظ بوتين أنه «ليس غريباً أن يكون لدينا نزاعات حول الأراضي مع جمهورية الصين الشعبية، ولقد تفاوضنا حول هذه القضية لمدة 40 سنة، ومع ذلك، وجدنا حلولاً مقبولة وتم إنهاء هذه المشكلات بالكامل».
وأضاف الرئيس الروسي «علاوة على ذلك، يمكنني القول إن ممثلي الأعمال من الصين يخرجون حتى باقتراحات للاستخدام المشترك لهذه الجزر، وبشكل كامل، ويقترحون ببساطة تفعيل الأنشطة، سواءً أنشطة البنية التحتية أو السياحة على هذه الجزر». وعموماً، يرى خبراء أن النتيجة الرئيسية للقمة أن موسكو وبكين أظهرتا بوضوح قدرتيهما على دفع العمل المشترك لزيادة المنافسة العالمية، خصوصاً في وجه الولايات المتحدة. وعليه، يبدو العنوان الاقتصادي الأبرز على طاولة البحث خلال كل اللقاءات، غير أن العلاقات بدأت تتخذ أشكالاً أبعد من تعامل الشركاء الاقتصاديين، فالرئيس الصيني دعا خلال أعمال «منتدى الشرق الاقتصادي»، للعمل على مواجهة «الممارسات الاقتصادية المعادية»، في إشارة واضحة إلى الحرب التجارية التي تخوضها بكين مع واشنطن، وروسيا تهدف من جانبها إلى إثبات أن الولايات المتحدة «عدو محتمل»، بينما تظهر الصين «حليفاً محتملاً».
أما الرسالة الأهم، وفقاً للخبراء، فتفيد بأن الولايات المتحدة إذا ما تمادت في ضغوطها على الطرفين فإنهما سيزدادان تقارباً. كذلك رأى محللون أن «التوترات المتزايدة بين الصين وواشنطن رفعت، من وجهة نظر بكين، قيمة التكنولوجيا والخبرة العسكرية الروسية. أما بالنسبة لبوتين فقد جعلت العقوبات الغربية قوة الاقتصاد الصيني الهائلة أكثر جاذبية له وهو في مسعاه للعثور على حلفاء جدد».
اللافت، في هذه الأثناء، أن واشنطن وجهت بعد القمة مباشرة إشارة إضافية تدخل في إطار دفع الجانبين إلى تعزيز التقارب أكثر؛ إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على شركتين، إحداهما روسية والأخرى صينية بسبب دعمهما برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية. وذكرت وزارة الخزانة الأميركية على موقعها الإلكتروني، أن العقوبات الجديدة تستهدف شركة «فولاسيس سيلفر ستار» في روسيا و« يانبيان سيلفرستار نتوورك تكنولوجي» ومقرها الصين. وقال معلق روسي، إن هذا يشكل مؤشراً إضافياً إلى أن موسكو وبكين تريان أن التقارب في المجالات المختلفة بات محكوماً بتطورات الموقف الدولي وبسياسات واشنطن التي اتخذت منحى «التهديدات والعقوبات» ضد كل من روسيا والصين.
أيضاً، ما كاد يجف حبر رزمة العقوبات الجديدة التي جمعت في استهدافها روسيا والصين حتى أطلقت واشنطن موجة عقابية جديدة طالت هذه المرة مؤسسات عسكرية في الصين بسبب إقدام بكين على شراء مقاتلات روسية من طراز «سوخوي 25»، وأنظمة صاروخية متطورة من طراز «إس400». واعتبرت واشنطن أن شراء إدارة تطوير المعدات في وزارة الدفاع الصينية الأسلحة الروسية ينتهك العقوبات الأميركية على روسيا، كما قال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، إن الإجراء «يهدف إلى فرض كلفة على روسيا رداً على أنشطتها الخبيثة». أمام هذا الوضع يعتقد خبراء روس أن من شأن الضغوط المتزايدة من جانب واشنطن دفع كل من موسكو وبكين إلى تجاوز النقاط التي ما زالت لم تجد طريقها إلى الحل في العلاقة بين البلدين، وتعزيز نهج التقارب الذي بات يشكل «عنصر مواجهة مشتركة للتهديدات الجديدة»، وفقاً لتعبير صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الرسمية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.