الصورة السلبية للعربي في الذهنية الثقافية الإيرانية

الشعوبيَّة القديمة شهدت ركوداً حتى انبعثت في العصر الحديث

أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية
أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية
TT

الصورة السلبية للعربي في الذهنية الثقافية الإيرانية

أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية
أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية

صدر حديثاً عن المعهد الدولي للدراسات الإيرانيَّة كتاب «الآخر العربي في الفكر الإيراني الحديث... دراسة في ضوء الاستشراق الإيرانيّ»، لأحد أهمّ خبراء الفكر السياسي الإيراني في العالم العربيّ، الدكتور محمد بن صقر السُّلمي، رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانيَّة، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة ليدن الهولندية العريقة في تخصص الدراسات الإيرانية.
اشتمل الكتاب على ثمانية فصول، تمحورت حول الآخر وبناء الهُوِيَّة، ومكوناتها وتكوينها، وتعقيدات الوعي بالذات الإيرانيَّة، ونشوء الآخر العربي، والسلسلة الزرادشتية في إيران وموقفها منه، وإضفاء الطابع المؤسَّساتي على مفهوم الآخر العربي، والحركات القوميَّة خلال حكم البهلويين، وموقف إيران بعد الثورة الخمينية من الآخر العربي.
وتكمن أهمِّيَّة هذا الكتاب في ندرة موضوعه؛ لأنّ الدراسات المتخصصة في بحث الصورة السلبية للعرب في الذهنية الثقافية تبدو غائبة، ولا سيما أن دراسة هذه الصورة تتخطى نطاق الأعمال الروائية لتطال الدراسات الأكاديمية والكتابات التاريخيَّة. كما أنّ هذا الكتاب استطاع لملمة شتات مصادر القوميَّة الإيرانيَّة في مرجع واحد، فركَّز على النزعة القوميَّة الإيرانيَّة في القرنين التاسع عشر والعشرين، التي تولى كِبَرها علمانيو إيران ومفكروها وأدباؤها الذين أرجعوا التخلُّفَ الإيراني إلى الإسلام والعرب أصحاب البلدان المتوحّشة كما سموهم، غير أنّ البيئة الإيرانيَّة عامّة لم تسمح بمسايرة ومجاراة أولئك المفكرين، لعوامل كثيرة، أهمُّها أنّ الحوزة والمؤسَّسة الدينية هي السُّلطة المهيمنة في إيران بعد توطيد ثنائية «الفقيه والسلطان» في عهد الصفويين، بالإضافة إلى أنّ خطاب الهُوِيَّة القوميَّة كان نخبويّاً في مفرداته وأدبياته، ولم يكُن له حواضن شعبية تجعله مقبولاً لدى العامّة، وهذا طرح يخالف ما ذهب إليه بعضُ الباحثين من أنّ الجماهير تلقَّفت الخطاب القومي العلمانيّ، ولكن هذا غير واردٍ منهجياً؛ لأنّ تأثير الأدب الفارسي الحديث في المجتمع الإيراني محدود جدّاً، ولم ينتشر إلا بين مجموعات صغيرة من الكُتَّاب والمفكرين، علاوة على ذلك أنّ الأمَّة الإيرانيَّة كانت متشظية إلى قوميات وإثنيات مختلفة تحكمها القبائلية ولم تكُن السُّلْطة السياسية مركزية بالصورة المعهودة في الدولة الحديثة، ففي نظام سياسي واجتماعي كهذا لا يُمكن للأدباء والمفكرين القوميين أن يؤثّروا في العامَّة.
ويُمكن قراءة محاور الكتاب من خلال العناصر التالية:
أولاً: بناء الهُوِيَّة الإيرانيَّة
ركَّز الباحث على مكوِّنات بناء الهُوِيَّة الإيرانيَّة التي يمكن رصدها في:
أ- المواطنة: وهي أداة يمكن بواسطتها تشكّل الهويات، وعناصرها: اللغة والتاريخ والثقافة، فعملية تكوين الهُوِيَّة تُحدّد العناصر التي ينبغي الإبقاء عليها، أو استبعادها؛ في سبيل أن نصبح ما قد نكون عليه بدلاً من أن نكون من نحن!
ب- الذاتيَّة: وهنا تبرز الذات نقيضاً للآخَر، من حيث الاختلافات اللغوية والعرقية ونحو ذلك.
ج- الثنائية: أي تقسيم العالم إلى خير وشرّ، أو أبيض وأسود، حتى يسهل حشد الناس تجاه القوميَّة المبتغاة.
ويُمكن تطبيقها على النموذج الإيراني - ما بعد الدولة الحديثة - والحكم من خلالها على مدى ترسيخ الهُوِيَّة الإيرانيَّة من عدمه، ومدى مطابقة الأدوات لهذه العناصر.
ثانياً: الصراع الإيراني - العربي
في نهاية القرن التاسع عشر حاول مفكِّرو الفرس، ممن يُتقِنون العربية ويُعادُونها في آن، ويتبنَّون الشعوبية، أن يستحدثوا هُويَّة فارسيَّة جديدة. واختِيرَ الآخر العربي تحديداً لإبراز ذاتية الحضارة الفارسيَّة، وترسيخ هُوّيتها.
ويطرح الباحثُ سؤالاً مُهِمّاً: لماذا اختِيرَ الآخر العربي عدوّاً للقوميَّة الإيرانيَّة ومُحفّزاً للانكفاء؟ أو لماذا تُحَدَّد بإزاء الآخر العربي؟ وهل لذلك علاقة بالحركة الشعوبيَّة القديمة في عهد الأمويين والعباسيين؟
والحقّ أنّ الشعوبيَّة القديمة شهدت ركوداً، حتى انبعثت في العصر الحديث على أيدي أدباء ومفكرين إيرانيين، مما يمكن تسميتها «الشعوبيَّة الجديدة»، واحتاج هذا الانبعاث إلى قاعدة جماهيريَّة تنطلق من خلالها، وتخلق عدوّاً لها وإن كان متوهَّماً؛ هو الآخر العربي ذلك أنّهم «دمَّروا الحضارة الفارسيَّة وقضوا على أحلام الإمبراطورية»، ومن ثمّ تُبرمج العقول الإيرانيّة على عودة ذلك الزمان.
فكيف التفت المفكرون والأدباء إلى النموذج القومي الإيراني بعيداً عن العروبة والإسلام مع خفوت هذا النموذج الشعوبي لقرون ممتدة؟ يُجيب الكتابُ على هذا الطرح بأنّ المجتمع الإيراني شهد ما يُسمِّيه محمد توكلي ترقي «أزمة هُوِيَّة»، وبعبارة أخرى: بعد اكتشاف الأوروبيين عائلة اللغات الهندو أوروبية وأوجه التشابه بين عدد من اللغات التي تشمل اللغة الفارسيَّة، إلى جانب ظهور النظريات العرقية خلال القرن التاسع عشر، بدأت عملية استكشاف ثقافة الفرس وتاريخهم في مرحلة ما قبل الإسلام مرة أخرى، واتخاذ العرب خصماً مناقضاً للذات الإيرانيَّة.
ويمكن القول إنه قبل الثورة الدستورية لم تكُن القوميَّة المبنية على أساس الدولة القُطريَّة معروفة تقريباً، في حين كانت المشاعر الوطنية نادرة الوجود باستثناء كونها شعوراً دينيّاً، بل إن مظاهرات أنصار الحركة الدستورية كانت موجَّهة ضدّ انتهاك الأجانب لبلاد الإسلام والمسلمين ليست لكونها بلاد فارس. ونشب صراع بين أنماط ثلاثة إبّان الثورة الدستورية: النموذج الإسلاميّ، والفارسيّ، والغربيّ. لكن القوميين الإيرانيين حاولوا إخفاء مواقفهم المناهضة للإسلام والعرب، ولا سيما في أولى سنوات الثورة الدستورية إذ انصبّ جهدهم على مناهضة النفوذ السياسي والاقتصادي الأجنبي، ثمّ انفضّ التحالف واشتدَّ العداء بين رجال الدين والعلمانيين، وبدأ يطفو على السطح أرق «العربوفوبيا».
ثالثاً: التطرف القومي
بدأ التطرف القومي ضدّ الآخر العربي على يد قِلَّة من الأدباء والمفكرين، وقد تَجَلَّت هذه النزعة عند فتح علي أخوند زاده، وآقا خان كرماني خاصّة، اللذين كانا من أوائل الكُتَّاب الراكبين موجة اتّهام العرب برجعيَّة إيران. وقد وصف كرماني العرب بأنّهم «لصوص وعراة، وآكلو الجرذان، وأكثر دونية حتى من الحيوانات»، كما يعزو فساد الأخلاق الإيرانيَّة وتَعفُّنها إلى الاختلاط الطويل بالعرب، وإلى السلطتين: الحكومة والدين، اللتين تحكَّمتا في طبيعة الناس وأنتجتا أخلاقهم وآدابهم.
وقد هاجمَ كرماني محمد باقر مجلسي، وغيره من رجال الدين ممن أفسدوا عقليّة الإيرانيين بالخرافات من أجل تطبيق أهداف الحركة الصفويّة. واتَهم الصفويين بأنّهم لم يكونوا قوميين تماماً، ذلك أنهم مذهبيّون، في حين أن كرماني المحسوب على العلمانية القوميَّة المتطرفة، يسعى للفارسيَّة القديمة البعيدة عن المذاهب والأديان! في حين أن علي شريعتي القريب مِن خطّ الدستورية «العلمانية المؤمنة» يعدّ الصفويين متطرّفين.
وهناك لمحتان مهمَّتان أبرزهما الكتاب: الأولى، وهي الصهر القومي. وقد نوّه الكتابُ بهذه الصبغة، مشيراً إلى أنّ الأفكار المتعلقة بإيران والهُوِيَّة الإيرانيَّة إبان حكم «الصفاريّة» قد اصطبغت بصبغة شيعية إسلامية ميزتها عن باقي العالم الإسلاميّ. فهذا الاصطباغ أو الانصهار بين الشيعية والقوميَّة خلال حكم «الصفويين» ومن بعدهم، لم يرقَ للمفكرين القوميين الإيرانيين من أمثال أخوند زاده، وكرماني، وذلك لسببين رئيسيين: أنهم عدّوه انصهاراً وظيفياً لشرعنة النِّظام، وزجّ المؤسَّسة الدينية في حياة الإيرانيين. إن نشأة المذهب الشيعي عربية، فأي مزج له في حياة الإيرانيين مرفوض؛ لأنّه كمونٌ عربي في الهُويَّة الإيرانيَّة.
لكن للنِّظام السياسي رؤية مختلفة، بعيدة عن الطوباويَّة الفارسيَّة، فتبنّي القوميَّة لن يوفر الغطاء الذي يوفره المزج بين الفارسي والشيعيّ؛ مِن ثَمّ، صار الفصل بين الإيرانيَّة والشيعية أمراً عسيراً، حسب فرنسوا تويال. وهذا لا ينفي أنّ السُّلْطة السياسية تؤمن بالتطرُّف القومي محاولة تطبيع الهُويَّة القوميَّة، باستحضار النموذج النازي، حين رفض الشاه محمد رضا بهلوي في أوائل الستينات الاحتفال بذكرى إنشاء الإمبراطورية الفارسيَّة على يد كورش الكبير؛ وبعد ذلك أحياها بشكلٍ سنوي، والهدف «حشد الأمَّة الإيرانيَّة وتوعيتها باسترداد هُويتها».
أما اللمحة الثانية فهي النموذج النازي، إذا كان رضا شاه يرى أن ألمانيا قوة بديلة عن بريطانيا العظمى والاتِّحاد السوفياتي، وقد نشطت ألمانيا في إيران لدرجة الترويج للآيديولوجيا النازية الآرية، وقد جمع التفوّق الآري بين القوميتين المتطرفتين؛ الألمانية النازية والإيرانيَّة، وغُيّرت اسم الدولة إلى إيران وِفْقاً لتوصيات الألمان للسفير الإيراني في برلين؛ بأن «إيران مهد العرق الآري».
رابعاً: ما بعد التأسيس
بعدما أحيا الأدباء والمفكرون الأوائل القوميَّة الفارسيَّة - التي اندثرت لقرون بعد ظهور الدولة الحديثة - بدأت الحركة القوميَّة تجد صداها عند البهلويين، فعندما تُوج رضا خان نفسه ليُصبح رضا شاه في عام 1925م، ألقى رئيس وزرائه محمد فروغي (1877 - 1942م) خطاباً مجّد فيه التاريخ الإيراني قبل ظهور الإسلام، مصرّحاً أنّ الأمة الإيرانيَّة اليوم استولى عليها شاه ينحدر من العرق الإيراني الخالص، ثمّ أخذت تعود ملامح إيران القديمة حتى في تسمية الكثير من الأماكن والمدن.
وعلى صعيد الأدب والفكر برز على السطح مجموعة من المفكرين والأدباء حملوا لواء التنظير الُهوياتي الفارسيّ، وكان من أبرزهم المؤرخ عبد الحسين زرين كوب (1923 - 1999م)، من أعماله: «الاحتلال العربي لإيران وآثاره»، و«قرنان من الصمت»، و«لا شرقي ولا غربي... بل إنساني».
وبحسب الباحث فإنّه يمكن بلورة أفكار زرين كوب من كتابه «قرنان من الصمت»، روَّج فيه أثر الإيرانيين على الخلافة الإسلامية بعد الفتوحات العربية. في المقابل يزعم أن العرب لا حضارة لهم، ولا يملكون شيئا من السُّلْطة أو التهذيب.
المآخذ التي رصدها الباحث، أنَّ المنهج الذي اعتمده زرين كوب برفضه روايات الطبري وابن الأثير انتقائي، واعتمد على ثناء الفرس أو الحطّ من شأن العرب في رواياته دون أي معايير علمية ومنهجية، إلا أن الكاتب عاد إلى التحليل الواقعي والمحايد للتاريخ بعد تراجع الموجة القومية فكتب كتاب «تاريخ إيران بعد الإسلام»، ثم «كارنامه إسلام».
- الهُوِيَّة الإيرانيَّة ما بعد الثورة
لم يكن النِّظام ما بعد ثورة 1979م معارضا لمفهوم القوميَّة بمعناها الواسع، فأحد أكبر منظّريها من تلامذة الخمينيّ، مرتضى مطهري، يرى أنّ القوميَّة مفيدة في بناء الاستقلاليَّة، لكنّه في الوقت نفسه اعترض على القوميَّة المطلقة التي تزدري الآخر ثقافياً وعرقياً.
يعدّ نظام ما بعد الثورة براغماتيّاً، ناصَب العرب والأقلِّيَّات العداء بواسطة الدستور وأظهر إعلاميّاً فلسفة التعايش، وعدم الجهر بإهانة مقدَّسات الآخرين، وهو مدركٌ أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي، فمن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية، ولجأ إلى النزعة العنصرية بين الفينة والأخرى لاستنهاض الدعم الشعبي وتصدير المشكلات، والعزف على وتر القومية الاستعلائية في مقابل الآخر العربي.
يُعدّ الكتاب عمدة في بابِه، ومرجعاً لكلّ الباحثين الذين ينشدون دراسة القوميَّة الإيرانيَّة وتشظيَّاتها الطائفية والهُوياتية، وأبعادها السياسية والمذهبية والمجتمعية، وسائر مفرداتها وسرديَّاتها في بنية الدولة الإيرانيَّة، والمغزى الذي ينشده النِّظامُ من إثارتها، ووضع العرب موضع الآخر المناقض لها، بعيداً عن التمظهرات السياسية.


مقالات ذات صلة

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع.

شوقي بزيع

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
TT

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، كما جرت العادة، «النادي الثقافي العربي». لكن هذه المرة، النادي وبعد سنوات من الانقسامات، يعود للتعاون مع «نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين»، وينضم إليهما «المعهد الفرنسي» ببرنامج وازن، وتشاركها «الجامعة الأميركية» في بيروت، التي كانت قد شهدت في حرمها انعقاد أول معرض لبناني في أبريل (نيسان) عام 1956، بل كان أول معرض عربي للكتاب، حقق نجاحات مشجعة. من يومها صارت المناسبة سنوية، وانطلقت في منطقتنا معارض الكتب. لهذا استحق لقب: «عميد معارض الكتب العربية».

بعد خلافات وسجالات طوال، ها هي بيروت تنعم بمعرض موحد للكتاب، يجتمع فيه المختلفون، على مشاربهم، بمبادرة من وزير الثقافة غسان سلامة. هؤلاء فرقتهم قضايا كثيرة لكن الكتاب جمعهم تحت سقف «سيسايد أرينا» على الواجهة البحرية للعاصمة، وذلك من التاسع حتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية، ويحتفي بشخصيات مثل كمال جنبلاط، وأحمد قعبور، وصبحي الصالح، وغسان تويني، وشوشو، وآخرين. تخصص مساحات للشباب، والرسم وفن الغرافيتي، والموسيقى التي تعود إلى رحابه. من بين أبرز المشاركين العرب في المعرض: الروائي واسيني الأعرج الذي يوقع «الريميتي... أناشيد الجمر والنار»، ورشيد الضعيف، ونجوى بركات توقّع «غيبة مي»، وتتحدث عن «كيف تكتب الرواية؟»، والحبيب السالمي يوقّع «أيتها القبرّة».

بالتزامن مع انعقاد المعرض فإن عشرات المؤلفات ابصرت النور، وستشهد الأجنحة حفلات توقيع بالجملة، في أجواء احتفالية جامعة، حيث تنشط كل دار، لتنظيم برنامجها الخاص، بالتوازي مع البرنامج العام للمعرض.

وتشهد هذه الدورة مشاركة واسعة تتجاوز مائة وثلاثة وستين دارَ نشرٍ، بينها ثلاث وعشرون داراً عربيةً. وهي المرة الأولى منذ عدة سنوات التي يجتمع فيها الكتاب الفرنسي مع العربي في معرض واحد.

الناشرة رشا الأمير صاحبة «دار الجديد» التي لا تزال تجد أن الاشتراك في معرض بيروت مكلف نسبةً إلى المبيع المحتمل، وجدت الحل الأنسب بالاشتراك مع مكتبة صديقة هي «الحلبي»، للتخفيف من الأعباء. وهي ليست الوحيدة التي لجأت إلى هذه الوسيلة.

وتقول الأمير إنها سعيدة بتأمين رعاة لهذا المعرض، وإن كل الجهات اتفقت أخيراً واجتمعت في معرض واحد. وتضيف: «نحن منذ زمن بعيد ندعو لمعرض يتحاور فيه المختلفون، وتتمثل فيه إلى جانب العربية، كل اللغات، الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والكردية، ولغات أخرى». بالنسبة لصاحبة «دار الجديد» حين يكون البلد متعدداً يجب أن يكون معرض الكتاب على مثاله. «كنا ذات يوم قد دعونا كل الأطراف المنظمة لمعارض الكتب إلى ما سميناه (المقرأ). وهو اجتماع طالبنا خلاله بمعرض مختلف عن كل المعارض الأخرى، لأن بيروت لديها إمكانات كبرى وتعددية في اللغات والنشر والطباعة والصحافة. هذا هو دور بيروت الفعلي، لأنها منفتحة على العالم وفيها حرية. ما يتحقق الآن، هو جزء مما حلمنا به».

وتختم: «جيد أن يكون هناك معرض واحد له صدى وتأثير، بدل معارض ضعيفة. وهناك ندوات وأغانٍ، وموسيقى. أما المشهد العام فهو (كوكتيل) مفتوح، يلتقي فيه الناس. هذا شيء مفيد بحد ذاته، وربما اشترى الرواد بهذه المناسبة كتباً يقرأونها أو لا، لسنا ندري».

برنامج المعرض حافل، فيه الموسيقى، حيث تغني في حفل الافتتاح ريما خشيش، يرافقها على البيانو خوان رودريغيز. وفي اليوم التالي تُعقد ندوة عن «الرؤيوي كمال جنبلاط» بمشاركة نخبة من الباحثين، إلى جانب ندوات عن «شغف» للموسيقار عابد عازرية بحوار مع الإعلامي زاهي وهبي، وعن كتاب «رئيس الجمهورية اللبنانية: الموقع والدور»، و«عن الكتابة الإبداعية وأدب الغد» مع الكاتب عبد الرحمن جاسم. ويضم اليوم كذلك لقاءً بالفرنسية حول كتاب عن غزة.

وضمن البرنامج جلسة حول «ثلاثية رشيد الضعيف الأخيرة وإعادة تشكيل الأسطورة»، وندوة عن «رؤية موريس الجميل وتنميته»، وجلسة مع الروائي واسيني الأعرج بعنوان «التاريخ والحكاية»، وأخرى عن مذكرات مروان حمادة «لبنان عسل ودم... رحلتي في الصحافة والسياسة». وثمة محاضرة للدكتور جورج حداد عنوانها «الطب يقرأ الفن: جولة طبيب في قاعات المتاحف»، وحوار مع الفنان عادل كرم. وتُطرح أسئلة عن الجوائز وأثرها في الأدب بمشاركة واسيني الأعرج وجلال برجس. وتُستحضر ذاكرة بيروت عبر «مقهى الهورس شو» في شارع الحمراء، وجلسة عن تاريخ «دار الآداب» تتحدث فيها رنا إدريس بوصفها ناشرة، بمناسبة مرور 70 سنة على تأسيسها. وضمن البرنامج أمسيات شعرية عديدة. وميزة البرنامج أنه متنوع؛ يطول الطب والموسيقى والسير والتاريخ والنشر، كما الرواية والسياسة والاقتصاد.

والجديد هذه السنة هو انضمام «المعهد الثقافي الفرنسي» إلى معرض الكتاب العربي واضعاً إمكانات كبيرة، من أجل إنجاح المناسبة. وتحل المكتبات بدل دور النشر الفرنسية التي لم تعد تحضر إلى بيروت، كما كان الحال سابقاً. إنما تحاول المكتبات أن تعرض أحدث الإنتاجات وأهمها.

وعمل «المعهد الفرنسي» على تنظيم برنامج ثري واستقدم أدباء وفنانين ضمن برنامجه الذي كان يحتفي فيه إما في معرض خاص أو بما سماه، منذ أربع سنوات بعد تغيير الصيغة، «بيروت كتب»، حيث يحاول أن يجعل أنشطته موزعة في مناطق عدة. وتذهب الكتب والأنشطة إلى القراء حيث هم، من خلال شبكة فروع المعهد الفرنسي في لبنان. وتنظم هذه السنة لقاءات وورش عمل في جونية ودير القمر وطرابلس وزحلة إضافةً إلى بيروت.

ويحتل الشباب مكانة أساسية على امتداد الأيام العشرة، من خلال ورش للكتابة والرسم، وقراءات تفاعلية، ولقاءات مع الكتّاب والرسامين، وأنشطة حول القصص المصوّرة، وألعاب ومواعيد صُمّمت خصيصاً للقرّاء. ويشكّل الجناح المشترك للمعهد الفرنسي في لبنان والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، مساحة نابضة باللقاءات والنقاشات وحفلات توقيع الكتب.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية

يستضيف البرنامج الفرنسي أكثر من 40 كاتباً ورسّاماً وفناناً من تسعة بلدان، بينهم ريوكو سيكيغوشي وجمانة حداد ودومينيك إدّه وشارل بيربيريان، في لقاءات وطاولات مستديرة وحفلات توقيع وأمسيات شعرية وعروض موسيقية، بالفرنسية والعربية والإنجليزية. وتأتي الدورة بروح متوسطية، ضمن «موسم المتوسط» الذي تنظّمه فرنسا خلال عام 2026.

في الثامن من أكتوبر صباحاً، تُخصص «ربع ساعة وطنية للقراءة» في مختلف أنحاء لبنان بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم العالي تمهيداً للمعرض. ويوم الافتتاح عرض بعنوان «الاسم الضائع» (موسيقى وشعر وسرد) مع ديالا لطيف، وفريد نيفشيه، في المكتبة الشرقية بجامعة القديس يوسف، ويقام النشاط نفسه في طرابلس في معرض رشيد كرامي الدولي في اليوم التالي. وهناك أمسية شعرية مفتوحة بعنوان «حالات النفس» في مقهى-مكتبة «كافيبرايري» في بيروت، بمشاركة ريما عبد المالك وريتا باسيل وغراسيا بجاني وباميلا شرابيه وجمانة حداد ومالينا قاضي وبلانديان رينكل ومحمود وهبة. وفي البرنامج، لقاء حول الترجمة الفرنسية لكتاب «أنا حرّيتي» لناصر أبو سرور، مع رنا إدريس وستيفاني دوجول، بالشراكة مع «المنظمة الدولية للفرنكوفونية» و«مكتبة ستيفان»، في جناح المعهد الفرنسي داخل المعرض. وكذلك يُعرض عمل تركيبي فوتوغرافي بعنوان «أطوي الأرض» للفنانة كاترين كاتاروتسا، يترافق مع قراءة لريوكو سيكيغوشي، في بيت بيروت، وسط العاصمة. «ماذا يستطيع الأدب؟»، عنوان أمسية أدبية وفنية في متحف سرسق، وهناك لقاء مع ألكسندر لينو، الفائز بجائزة القارات الخمس للفرنكوفونية 2026، في المعرض. أما حفل الختام، فموسيقي-تشكيلي بعنوان «وأنت، كيف حالك؟» مع شارل بيربيريان وميشيل ستاندجوفسكي وموسيقى شيفو كيفو، في مدرّج مونتين بالمعهد الفرنسي في بيروت.


الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية
TT

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية؛ إذ تجاوزت مبيعاته 160 ألف نسخة في ظرف 3 أسابيع، وفق أرقام نشرتها مصادر صحافية. غير أن نجاح كنّافو، مهما بدا لافتاً، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حالة منفردة. فخلال الأشهر الأخيرة، غزت واجهات المكتبات الفرنسية مجموعة من المؤلفات السياسية التي وقّعتها شخصيات تنتمي إلى اليمين المتطرف أو تتحرك في مداره الآيديولوجي، محققة أرقام مبيعات لا تُستهان بها في سوق الكتاب، التي تشهد تنافساً محتدماً.

ولفهم دلالة هذه الظاهرة، لا بد من استحضار المسار التاريخي للكتاب السياسي اليميني. فقد كان في نشأته الأولى أقرب إلى المنشور السياسي الموجه إلى النخبة، يُكتب بلغة رصينة، ويُطبع في نسخ محدودة، ويهدف إلى إقناع قارئ مثقف أو إلى تبرير موقف سياسي أمام دائرة ضيقة من المتلقين. لكن مع تحول المشهد الثقافي والإعلامي، وازدياد تأثير وسائل الاتصال الجماهيري، خضع الكتاب السياسي لتحولات عميقة، جعلته ينتقل من كونه أداة إقناع نخبوية إلى كونه منتجاً ثقافياً يُصمَّم بعناية، ويُسوَّق بمنهجية، ويُوزَّع عبر شبكات تجارية واسعة. ويرى باحثون أن هذه التحولات لم تعد تنتمي إلى الزمن الأدبي الطويل، بل إلى إيقاع صحافي سريع؛ فالكتاب السياسي أصبح «يُكتب ويُنشر ويُسوَّق في أسابيع قليلة»، ثم تتعاقب عليه العناوين الجديدة، فلا يبقى منه إلا أثر عابر في الذاكرة الثقافية. فرانسوا أنييك، المسؤول في الاتحاد المهني للناشرين والكتاب، ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً إياه بأنه «كتاب ذو استهلاك سريع، غالباً ما يكتبه آخرون، ويختفي بعد 6 أشهر».

وفي صدارة هذه الشخصيات التي تسجل كتبها إقبالاً جماهيرياً يأتي جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني، الذي حقق كتاباه نحو 320 ألف نسخة مجتمعين. فكتابه الأول «ما أبحث عنه» تجاوز 200 ألف نسخة، فيما اقترب كتابه الثاني «ما يريده الفرنسيون» من 100 ألف نسخة في أسابيع قليلة من صدوره. أما فيليب دو فيلييه، مؤسس حزب «الحركة من أجل فرنسا»، وأحد أبرز وجوه اليمين السيادي والمحافظ في فرنسا، فقد واصل ترسيخ حضوره في سوق الكتاب السياسي؛ إذ تجاوزت مبيعات كتابيه الأخيرين «إبادة الشعب» و«إبادة الذاكرة» 400 ألف نسخة مجتمعين، وفق تقديرات «منصة إدستات» لإحصاءات النشر. ولا يغيب إريك زيمور، الزعيم الحالي لحزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، عن هذه الصورة، فكتابه الأخير «القدّاس لم ينته بعد» حقّق نحو 70 ألف نسخة. وعلى الرغم من أن نيكولا ساركوزي لا ينتمي رسمياً إلى اليمين المتطرف، فإن مواقفه الأخيرة قاربته من خطاب اليمين المتشّدد. وكتابه «يوميات سجين»، الذي صدر في خريف 2025، حقق مبيعات تجاوزت 140 ألف نسخة.

ولعل أحد أسرار الإقبال على هذه الكتب يكمن في قدرتها على تحويل الحجّة السياسية إلى حكاية إنسانية قابلة للتداول. فالعناوين نفسها تؤدي وظيفة درامية واضحة: «نهب القرن»، «إبادة الشعب»، «إبادة الذاكرة»، «يوميات سجين». كلها عناوين لا تقدم فكرة بقدر ما تفتح مشهداً صراعياً، ففي هذه الكتب هناك ظالم وضحية، ومتهمون، ومحكمة، وشعب مهدد بالاختفاء. وفي حالة سارة كنّافو، لا يُقدّم الكتاب برنامجاً اقتصادياً تقنياً، بل تحقيقاً قضائياً في نهب الدولة للمواطن. فالراتب، والضرائب، والتقاعد، وأوروبا، تتحول جميعاً إلى عناصر في ملف اتهام. وتزداد فاعلية هذا الأسلوب حين تُترجم الأرقام المجردة إلى شخصية روائية، حيث نجد في فصول الكتاب شخصية «نيكولا»، الموظف المتوسط الذي يُقال إنه خسر أكثر من مليون يورو على امتداد مساره المهني. وهذه الشخصية الوهمية تمنح الحجّة الاقتصادية جسداً ووجهاً وسيرة.

لكن ما يمنح هذه الكتب وحدتها الثقافية ليست العناوين فقط، بل المعجم الذي تبنيه، والموضوعات التي تتكرر فيها عبر الحدود الوطنية. فإذا أمعنا النظر في قاموس هذه المؤلفات، وجدنا أنها تدور حول مفردات قليلة، لكنها تتميز بكثافة عاطفية شديدة: الشعب، الخيانة، الذاكرة، الحدود، الغزو، النهضة، الانحطاط، الاستعادة. كلمة «الشعب» لا تُستعمل هنا باعتبارها مفهوماً اجتماعياً متنوعاً، بل بوصفها كتلة أخلاقية متجانسة تُقابل بـ«النخبة» أو «الطبقة الحاكمة». و«الذاكرة» لا تشير إلى التاريخ فقط، بل تتحول إلى سلاح ضد الحاضر، كما في كتاب فيليب دو فيلييه «إبادة الذاكرة»، الذي يصوّر فرنسا بوصفها أمة فقدت جذورها. أما «النهب» و«الخيانة» فتضفيان على الخلاف السياسي طابعاً قضائياً وأخلاقياً، بحيث يتحول الخصم من منافس فكري إلى متهم، ويتحول القارئ من متلقٍ إلى شاهد أو ضحية.

تتقاطع هذه المفردات مع موضوعات متكررة تجعل من هذه الكتب نصوصاً ثقافية أكثر منها برامج سياسية. فأولاً، ثمة هوس بالضرائب والإنفاق العام، كما في كتاب كنّافو الذي يحول الدولة إلى جهاز جشع يستنزف جهد المواطن. ثانياً، الهجرة والهوية والحدود، التي تظهر في كتاب رونو كامو «الاستبدال العظيم» وإريك زيمور «الانتحار الفرنسي». ثم الذاكرة الوطنية والخوف من محو التاريخ، وهو موضوع يجمع دو فيلييه وبارديلا في تصويرهما لفرنسا كأمة مهدّدة بالذوبان. وهناك أيضاً الهجوم على النخب والمؤسسات. ثم التركيز على فقدان الأمن وانتشار الجريمة، اللذين يتحولان إلى علامات على فقدان السيطرة والدفاع عن الأسرة التقليدية والقيم المحافظة. وأخيراً بناء صورة الزعيم بوصفه ضحية أو منقذاً، كما في «يوميات سجين» لساركوزي، أو في صورة بارديلا الشاب الذي يستعد حسب كتاباته لإنقاذ الأمة.

بهذا المعنى، لا تعمل اللغة في هذه الكتب بوصفها وسيلة نقل للأفكار فقط، بل بوصفها جهازاً لتكوين جماعة ثقافية تتقاسم الإحساس بالخطر والحنين إلى ماضٍ متخيل. فالقارئ لا يشتري نصاً سياسياً فحسب، بل ينخرط في عالم رمزي كامل: تاريخ وطني مهدد، شعب مسلوب، نخبة خائنة، زعيم مضطهد، عودة موعودة إلى زمن يُقدَّم باعتباره أكثر صفاءً واستقراراً.

ولا يمكن فهم هذه المبيعات الاستثنائية رغم أزمة قطاع النشر من دون النظر إلى البنية الاقتصادية والإعلامية التي تحملها. فعدد كبير من هذه الكتب صدر عن دار فايار، التابعة لمجموعة يتحكم فيها رجل الأعمال فنسان بولوريه، الذي تثير توجهاته الإعلامية والسياسية جدلاً واسعاً. وترتبط هذه المنظومة بوسائل إعلام كثيرة. هنا لا يعود الكتاب منتجاً منفصلاً عن بقية السوق، بل يصبح جزءاً من سلسلة متكاملة: دار نشر، وتوزيع، وواجهات بيع، وبرامج تلفزيونية، وإذاعات، ومقالات، ومقاطع على شبكات التواصل. وقد لخّصت إذاعة فرنسا الدولية الآلية بالقول إن الكتاب المنشور لدى مجموعة كبرى يحظى بتوزيع أوسع وترويج أكبر، ما يؤدي بالتالي إلى مبيعات أعلى. ويذهب مؤرخ الإعلام ألكسيس لوفرييه إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن نجاح هذه النوعية من الكتب السياسية مدعوم باستخدام علامات إعلامية معروفة بوصفها منصات لتطبيع أفكار اليمين المتطرف.

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا. ففي الولايات المتحدة، يتصدر فيكتور ديفيس هانسون قائمة «نيويورك تايمز» لأكثر الكتب غير الروائية مبيعاً بكتابه «الثورة المضادة: سقوط وصعود دونالد ترمب وحركة ماغا»، الذي يقدمه كرواية ثقافية عن «ثورة مضادة» ضد الهيمنة الليبرالية على المؤسسات الأميركية. وفي إيطاليا، حقق الجنرال المتقاعد روبرتو فانّاتشي نجاحاً استثنائياً بكتابه «العالم بالمقلوب»، الذي صدر عام 2023، وبيع منه نحو 240 ألف نسخة في بضعة أشهر، ليتحول إلى منصة إطلاق سياسي لصاحبه الذي ترشح لاحقاً للانتخابات الأوروبية على قائمة حزب «الرابطة» اليميني المتطرف.

الأهم في هذه الظاهرة ليس الرواج التجاري والشعبي فقط، بل الكشف عن حقيقة مقلقة، وهي أن خطاب اليمين المتطرف لم يعد هامشياً في سوق الكتاب الفرنسي، وأنه نجح في الانتقال من منشورات حزبية محدودة التوزيع إلى منتجات ثقافية واسعة الانتشار، مدعومة بشبكات إعلامية وتجارية قادرة على تحويل السياسي إلى نجم، والكتاب إلى حدث، والجدل إلى مبيعات.


«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

بدأ دياب العمل على مشروع الرواية منذ 2005 (الشرق الأوسط)

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

يوقّع دياب روايته في الـ16 من الشهر الجاري في معرض بيروت للكتاب (إنستغرام)

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.