أول اتصال دبلوماسي بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة عام 1213.. أصله وتأثيره

لندن تحتفل في فبراير 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا» في المكتبة البريطانية

الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
TT

أول اتصال دبلوماسي بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة عام 1213.. أصله وتأثيره

الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية

تظل المملكة المغربية الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتعت - وما زالت - بعلاقات واسعة ومتنوعة مع المملكة المتحدة على نحو يفوق الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية. تتميز هذه العلاقات بتشكيل تحالفات استراتيجية، بالإضافة إلى التبادل التجاري والثقافي الذي أسهم، بطريق مباشر أو غير مباشر، في تشكيل الهوية الخاصة بكل من المملكتين، بالإضافة إلى شعور شعبيهما القوي بالانتماء.
إن المملكتين فخورتان بالحفاظ على علاقات دبلوماسية تعد من أقدم العلاقات في تاريخ العلاقات الدولية. إذ تحل في عام 2013 الذكرى رقم 800 لإقامة هذه العلاقات، التي بدأت في مراكش عندما أعد حاكم دولة الموحدين محمد الناصر استقبالا دبلوماسيا لمبعوثي الملك جون، ملك إنجلترا. وأود هنا تقديم محاولة لشرح الظروف التي أدت إلى أول اتصال دبلوماسي بين حاكمين لم يسبق لهما قط الالتقاء، ورغم ذلك فإن كلا منهما كان يعلم بوجود وأهمية الآخر.
وسأحاول أيضا تحليل التداعيات السياسية والتاريخية التي نتجت عن هذا الاتصال، وتسليط الأضواء على الآثار غير المباشرة الناتجة عنه، وعلى وجه التحديد الـ«ماغنا كارتا»، التي تعرف أيضا بالميثاق العظيم للحريات في إنجلترا، وهي وثيقة فتحت الباب أمام عملية طويلة لترسيخ الديمقراطية وسيادة القانون في بريطانيا العظمى.

أثناء العصور الوسطى، كانت الجزر البريطانية معروفة لدى المغاربة من خلال الوصف الذي قدمه عالم الجغرافيا المغربي عبد الله محمد الإدريسي (الذي ولد في سبتة عام 1100). ورسم في عام 1154 واحدة من أشمل خرائط الكرة الأرضية المعروفة في ذلك الوقت. وفي ذلك الوقت، وصف الإدريسي الجزر البريطانية كالتالي: «أرض غامضة تقع في شمال أوروبا تسمى (إنجلترا)، وهي جزيرة كبيرة تشبه رأس النعامة. ولأهلها جلادة وعزم وحزم، وفصل الشتاء بها دائم».
وذكر الإدريسي أن «شهرة إنجلترا بأرض الضباب والأمطار قديمة وليست وليدة اليوم!».
في عام 1213، أرسل ملك إنجلترا، جون لاكلاند، بعثة إلى ديوان الحاكم الموحدي (الدولة الموحدية المغربية) محمد الناصر، (1199 - 1213)، في مراكش. ترأس البعثة الفارس توماس هاردينغتون والفارس رالف فيتز - نيكولاس، وبصحبتهما رجل الدين الكاثوليكي القس روبرت.
ويعد هذا الاستقبال، الذي خص به الحاكم المسلم لأقوى إمبراطورية في غرب البحر المتوسط، سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الدبلوماسية لإنجلترا مع الدول الأخرى، خاصة مع الدول الإسلامية. وتوضيحا لهذه العبارة، أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين إنجلترا وفرنسا في عام 1315؛ أي بعد مرور أكثر من مائة عام على الاتصال الدبلوماسي الذي جرى بين المغرب وإنجلترا عام 1213.
حكم الملك جون، الذي ينتمي إلى العائلة الأنجوية - بلانتاجينية، ما بين عام 1199 وعام 1216، مساحة شاسعة من الأراضي، تضمنت إنجلترا بالإضافة إلى أجزاء من فرنسا وآيرلندا. كانت رعيته تصفه بالطاغية والخليفة غير المستحق لشقيقه الأكثر احتراما ونبلا الملك ريتشارد (قلب الأسد) الذي اشتهر بقيادته الحملة الصليبية الثالثة التي اتجهت إلى القدس.
حتى الوقت الحاضر، يقرأ معلمو المدارس البريطانية على طلابهم القصيدة التالية التي تصف الملك جون بأنه الأكثر افتقادا للشعبية:
«لم يكن الملك جون ملكا صالحا
كانت وسائله تافهة
ولم يكن أحد يحدثه في بعض الأوقات
لمدة أيام وأيام وأيام».
ووفقا لما قاله المؤرخ نورمان دافيز، كان الملك جون «عبقريا في فن اكتساب أعداء لنفسه». بالفعل، كانت شرعيته محل هجوم من طرف العائلات الأرستقراطية الإنجليزية، وكذلك عامة شعبه الذين كرهوه جميعا بسبب طغيانه وانعدام الرحمة والشفقة من قلبه، كما عكست ذلك أسطورة روبن هود. وتعرضت شرعيته الدينية للشك أيضا من لدن البابا إينوسنت الثالث  الذي عزله كنسيا في عام 1209. وعاش الملك جون تحت تهديد مزدوج بغزو مملكته على يد جيوش فيليب أغسطس (أول حاكم يحمل لقب «ملك فرنسا»)، وتمرد داخلي يقوده النبلاء الإنجليز الذين ادعوا تبني ميثاق الـ«ماغنا كارتا» من أجل إقامة أول برلمان منتخب في إنجلترا.
كان الهدف الرئيس من إرسال أول بعثة دبلوماسية إنجليزية إلى المغرب هو الحصول، باسم الملك جون، على اعتراف دولي بشرعيته كملك من خلال الدعم السياسي والعسكري من إمبراطورية دولة الموحدين. وهدف جون من خلال ذلك الحفاظ على عرش إنجلترا من دون أن يكون ملتزما التوقيع على الـ«ماغنا كارتا» وتنفيذه. ورغب الملك جون أيضا في أن يضع نفسه تحت حماية القوات المسلحة المغربية أملا في نشرها في ربوع الجزر البريطانية للدفاع عنه ضد النبلاء وضد أي غزو محتمل من ملك فرنسا الذي يباركه البابا.
وفي مقابل الحماية المغربية، عرض الملك جون على محمد الناصر الموحدي الاتفاق التالي:
إن الملك جون سوف «يسلم إليه (محمد الناصر) نفسه ومملكته طواعية، وإذا شاء فسوف تصبح تابعة له؛ وسوف يتخلى أيضا عن الدين المسيحي الذي عده زائفا، ويعتنق دين النبي محمد (الإسلام)». أي إن الملك جون عرض على الحاكم الموحدي أن يكون ملكا مسلما على إنجلترا «مسلمة» خاضعة لنفوذ دولة الموحدين.
نقل أخبار هذا العرض رجل الدين في لندن القس روبرت (المذكور آنفا) إلى معاصره الراهب البنديكتي ماثيو باريس (1200 - 1259) في دير سانت ألبانز بإنجلترا. ثم كتبه الراهب باريس باللغة اللاتينية، وأضافه إلى سجلاته عن تاريخ العالم التي تحمل اسم «كرونيكا ماجورا».
تجدر الإشارة إلى أن عرض الملك جون تناوله الكثير من المؤلفين مثل بي جي روجرز «تاريخ العلاقات الأنجلو - مغربية حتى عام 1900»، الصادر عن وزارة الخارجية ومكتب الكومنولث، في لندن أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي، من صفحة 1 إلى 5، وريتشارد تومسون «مقال تاريخي عن الـ(ماغنا كارتا)»، الصادر في لندن عام 1829. صفحات 10 و483 و484، ومقال غراهام ستيوارت «الملك الذي أراد الشريعة في إنجلترا» المنشور في جريدة «التايمز» اللندنية بتاريخ 16 فبراير (شباط) 200. ومقال جون ديربيشاير «الولايات المتحدة الإسلامية»، المنشور في «ناشيونال ريفيو أونلاين» بتاريخ 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. وفي الموقع الإلكتروني للسيد روبرت سويل (www.robertsewel.ca).
ومرة أخرى، وفقا لما ذكره الراهب باريس، وما رواه جون ديربيشاير المذكور آنفا، كان الحكم على عرض الملك جون، الذي نطق به محمد الناصر شخصيا، وأبلغه إلى المبعوثين الإنجليز كالتالي: «لم أقرأ أو أسمع قط أن ملكا يمتلك مثل هذه البلاد المزدهرة، الخاضعة والمطيعة له، يقوم عن طواعية بجعل بلده الحر يدفع الجزية لغريب. قرأت وسمعت عن كثيرين يفضلون السعي إلى الحرية ولو على حساب الدماء، وهو عمل جدير بالثناء؛ ولكني الآن أسمع من ملككم البائس الكسول الجبان.. يرجو من رجل حر أن يصبح عبدا فيصبح أكثر البشر بؤسا».
واختتم الناصر، وفقا لديربيشاير، رده بالتساؤل عن سبب سماح الإنجليز لمثل هذا الرجل بأن يحكمهم. وخلص إلى القول: «إن الملك جون غير جدير بالتحالف مع حاكم مسلم مثله». وهكذا، صرف المبعوثين محذرا إياهم من رؤيتهم مرة أخرى بسبب العمل المشين الذي أقدم عليه سيدهم.
وبينما لاقى عرض الملك جون وطلبه المساعدة المغربية رفضا من محمد الناصر، لم ير الحاكم الموحدي في الجزر البريطانية أي قيمة جغرافية استراتيجية إيجابية نظرا للوضع السياسي والعسكري الاستثنائي الصعب الذي كانت تواجهه آنذاك الدولة الموحدية، ذلك أن الموحدين كانوا قد خسروا معركة العقاب (لاس نافاس دي تولوسا) في إسبانيا قبل أشهر قليلة من هذه الواقعة، وذلك في 16 يوليو (تموز) 1212 (الصورتان 8 و9).
كانت هذه الهزيمة الثقيلة نتيجة لحملة صليبية أعلنها البابا إينوسنت الثالث، وقادها تحالف من الملوك الكاثوليك في قشتالة ونافارة وأراغون والبرتغال، بالإضافة إلى تعزيزات عسكرية جاءتهم من مناطق أخرى من أوروبا، أبرزها فرنسا.
وشكلت نتيجة هذه المعركة عاملا فاصلا في تاريخ إسبانيا خلال العصور الوسطى. وكانت الأجراس تقرع إيذانا ببداية نهاية الهيمنة الإسلامية على الأندلس والانسحاب إلى غير رجعة لإمبراطورية الموحدين من شبه الجزيرة الأيبيرية وبقية شمال أفريقيا. ونتيجة لذلك، لم يكن خوض معركة عسكرية مغربية جديدة على الأراضي الإنجليزية خيارا مطروحا أمام الناصر، الذي توفي عام 1213، وربما تكون الهزيمة العسكرية التي لحقت به في معركة العقاب سببا غير مباشر لذلك.
لقد كان للموقف المغربي غير الداعم للملك جون نتائج مهمة غير مباشرة بالنسبة لمستقبل إنجلترا السياسي. إذ وجد الملك جون من دون أي دعم، سواء من داخل مملكته أو من الخارج. لذلك، لم يكن لديه خيار، في العام ذاته (1213)، سوى أن يصلح أخطاءه، ويرضخ لرغبة البابا الذي أعاد ضمه إلى الكنيسة الكاثوليكية في مقابل حصول هذه الأخيرة على تعويض مادي كبير.
وأجبر الملك الإنجليزي، في آخر المطاف، على التوقيع على ميثاق الـ«ماغنا كارتا» في 15 يونيو (حزيران) 1215، بيد أنه تنمر لتوقيعه بعد مرور عشرة أسابيع فقط؛ لسبب أساسي هو أن أحد بنود الميثاق يهدد الملك بمصادرة جميع أراضيه وممتلكاته إذا ما تجاوز سلطاته المنصوص عليها في الميثاق. وناشد الملك جون البابا من أجل مساعدته، مما أدى إلى صدور البيان الباباوي، الذي نشر في نهاية صيف 1215، الذي عد توقيع الـ«ماغنا كارتا» باطلا وغير معترف به. وفي شتاء العام ذاته، اندلعت الحرب الأهلية في جميع أنحاء إنجلترا. وظل الملك جون هدفا لهجوم العائلات الأرستقراطية حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1216 عندما توفي إثر إصابته بمرض الدوسنتاريا (الجهاز الهضمي).
وأخيرا، حافظت وفاة الملك جون على مستقبل الـ«ماغنا كارتا»، الذي مر بعملية طويلة من الإصلاحات السياسية والمؤسسية. وهكذا، جرت مراجعة هذا الميثاق في أعوام 1216 و1217 و1225، قبل أن يخرج الميثاق في صورة نهائية عام 1297. وتشكل أول برلمان منتخب في إنجلترا في عام 1265 بقصر ويستمنستر في لندن. وفي عام 1341، أقر البرلمان إجبارية أداء القسم من لدن جميع الموظفين والمديرين العموميين، لجهة طاعة نص وروح الـ«ماغنا كارتا».
وخرج شعب مملكة إنجلترا من هذه المجموعة الأولى من الإصلاحات بشعور عميق بالانتماء والطبيعة المتفردة والانفصال العقلي عن القارة الأوروبية، وخاصة مع الأراضي التي تقع في دولة فرنسا اليوم، والتي كانت متصلة تاريخيا بدولة بلانتاجينت. ولكن هذا الشعور الجديد بالهوية لم يمنع إنجلترا، المعاد تشكيلها، من القيام بمحاولة فاشلة لانتزاع هذه الأراضي من مملكة فرنسا التي عدتها من ممتلكاتها أثناء القرنين الرابع عشر والخامس عشر (حرب المائة عام التي دامت ما بين 1337 و1453).
وخلال هذين القرنين، تمسكت دولة المرينيين المغربية بالأندلس من دون فائدة لتسقط فريسة لما يعرف الآن بحروب الاسترداد. إذ خسر المرينيون الأندلس نهائيا في 30 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1340، عندما هزموا في معركة ريو سالادو (بالقرب من طريفة) ضد قوات مشتركة بقيادة ألفونسو الحادي عشر ملك إسبانيا، وألفونسو الرابع ملك البرتغال.
وكما كان موقف إنجلترا تجاه أراضيها التي خسرتها أمام فرنسا، وتأثير ذلك على هويتها القومية، ساهم فقدان الأندلس في تشكيل شخصية جديدة للأمة المغربية، بدأت منذ ذلك الحين في النظر إلى عميق دواخلها، والعودة إلى القيم الجوهرية لأعماق الدولة. ونتيجة لذلك، اكتسبت البلاد شعورا بوجود شعب متماسك يملك حسا وهوية مغربية قحة، شعب متفرد في طبيعته ومنفصل عن شبه الجزيرة الأيبيرية، وأيضا عن أوروبا. وشكل هذا الانفصال نقطة مهمة في إعادة النظر في شأن المرجعية التاريخية للشعب المغربي، ورفضه في هذا النطاق وحدة روما روحيا ومعنويا. وانطلاقا من هذا الانفصال الذهني والثقافي، أصبح «الآخر» هو «الروم» في الوجدان المغربي. كما أن دولة المغرب عزلت ذاتها اقتصاديا عن أوروبا، مفضلة الاعتماد على الذات وخضوع تجارتها الخارجية لرقابة حكومتها المركزية.
ومن خلال هذه التحولات، ظهر نظام فكر مغربي محدد، نتجت عنه موجة ثقافية عبرت عن ذاتها باللغة العربية المنتصرة النامية من جامعة القرويين في مدينة فاس، بالإضافة إلى شبكة من المدارس المرينية المنشأة آنذاك. كما انتشرت روح الصوفية بين طوائف أصحاب الحرف التقليدية في المدن، بالإضافة إلى المزارعين وسكان البادية. وبدأت الزوايا الحث على الجهاد في البر والبحر. وتبلورت دواليب نظام المخزن، أسلوب الحكم المغربي، مع صعود الحاكم السعدي أحمد المنصور الذهبي الذي رعى تنظيم دولة شريفة ملكية مركزية.
حافظ نظام المخزن على ذاته بمراقبة التجارة الخارجية، مستعينا بالمواهب التجارية والمهارات اللغوية الأجنبية التي تميز بها الوافدون من الأندلس، من أصول مسلمة ويهودية، على حد سواء، ومنح حكومته وشعبه شعورا قويا بالانتماء إلى الدولة.
وتعززت سياسة المنصور الذهبي الخارجية بسلطاته المالية والعسكرية التي اكتسبها حديثا وبمعرفته الكبيرة بالجغرافيا السياسية. وأعرب عن ذلك من خلال جهاز دبلوماسي نشيط ذي طابع حديث يشبه نظراءه الأجانب المعاصرين.
وجد نموذج المخزن جذوره الأساسية داخل المغرب، وكان يستلهم من النموذج المؤسسي العثماني ما يتعلق بمسائل الدفاع والعسكرية. وترجع أصول المخزن أيضا إلى التراث الإسلامي، حيث حاول الالتزام بالمبدأ التالي «لا يوجد عدل من دون أمن، ولا يوجد أمن من دون مال، ولا يوجد مال من دون عدل».
سمحت هذه التحولات الكبيرة للمغرب بالحفاظ على وحدته وهويته واستقلاله، بجمع نقاط القوة السياسية والعسكرية والدينية حول قيادة وتوجيه الحكام «الأشراف» الجدد، الذين تغلبوا على القبلية وتمتعوا بالشرعية الدينية، بالإضافة إلى التفوق السياسي على نظام الإقطاعيات القبلية والإقليمية. كما سمح ذلك للمغرب باكتساب مرونة كبيرة في احتواء تهديدات الغزو والاحتلال من قبل القوى الإمبريالية الأوروبية والعثمانية، وذلك لفترة طويلة للغاية امتدت من عام 1415 إلى 1956.
وهكذا، استطاعت الأمة المغربية التغلب على حروب كبرى وأزمات وصعوبات مما حدد مصيرها؛ الانتصار في معركة الملوك الثلاثة عام 1578؛ غزو السودان ودولة صنغاي الأفريقية في عام 1591؛ احتلال موانئها ومدنها الساحلية من قبل البرتغال وإسبانيا، ولفترات متقطعة من قبل إنجلترا؛ مخاطر وجود الإمبراطورية العثمانية على سواحلها الشرقية؛ الأزمات السياسية الناتجة عن احتلال فرنسا للجزائر عام 1830؛ تمزيق أوصال البلاد والانقسام الاجتماعي والقبلي الذي نتج عن المحميات الفرنسية والإسبانية من عام 1912 إلى عام 1956.
في إنجلترا، اتخذت عملية الإصلاحات الديمقراطية منحنى أكثر حسما في القرن السابع عشر مع إدوارد كوك (1552 - 1634،  13) الذي تولى منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاة في عهد دولة ستيوارت. آنذاك، أعاد كوك تفسير الـ«ماغنا كارتا» ليصبح إعلانا يضمن الحقوق الفردية ويكون أصل مبدأ الحكم الذي يتخذه القاضي.
اعتمد كوك في إعادة التفسير على المادتين 39 و40 من نص عام 1225 للـ«ماغنا كارتا». وكان نص هاتين المادتين كالتالي:
المادة 39 «لا يجوز القبض على رجل حر، أو سجنه، أو انتزاع ملكه، أو خروجه من حماية القانون، أو نفيه، أو تعرضه لأي نوع من الإيذاء.. إلا بناء على محاكمة قانونية أمام أقرانه وبمقتضى قانون البلاد».
المادة 40: «لن نبيع العدالة أو حقا من حقوق الإنسان ولن نحرم منها إنسانا ما».
جعلت هاتان المادتان الـ«ماغنا كارتا» أحد أهم النصوص والتشريعات الأساسية في التاريخ الإنساني، وعد الميثاق من أكثر الوثائق تأثيرا. ويحتل الميثاق المكانة ذاتها التي تمثلها ثلاثة نصوص أخرى ذات وضع مشابه؛ وهي تحديدا أسطوانة الإمبراطور الفارسي قورش البابلية (539 ق.م) والتعاليم المنقوشة على أعمدة الإمبراطور أشوكا من السلالة الماورية الهندية في القرن الثالث قبل الميلاد وأخيرا وليس آخرا، «حلف الفضول» الذي جرى في حضور النبي محمد عليه الصلاة والسلام والخليفة أبي بكر الصديق، إذ جرى هذا الحلف بين عشائر من قبيلة قريش في نحو عام 590 الميلادي، ويعد من أول التحالفات في العالم التي تعنى بحماية حقوق الإنسان.
وتعد الـ«ماغنا كارتا» اليوم جزءا لا يتجزأ من الوثائق القانونية المؤسسة للقانون الدستوري الإنجليزي، التي ساهمت بإلهامها طوال فترة امتدت من عام 1628 إلى عام 1949 في التماسات قانونية ومشروعات القوانين والقوانين مثل:
* التماس الحقوق لعام 1628، الذي أكد مبدأ امتلاك البرلمان السلطة الوحيدة والحصرية للتصويت على قوانين فرض الضرائب وإلغاء الأحكام العرفية في فترة السلام، وحق المعتقلين في السؤال عن شرعية اعتقالهم بما يتفق مع قرار المثول أمام القضاء.
* وثيقة الحريات لعام 1689 التي تعرف مبادئ النظام الملكي البرلماني في إنجلترا، وتضع قائمة من الحقوق التي تحترم الشعب بالطريقة التي يجري بها تمثيله في البرلمان. وشكل هذا الإعلان تقدما كبيرا فيما يتعلق بحرية التعبير.
* مرسوم التولية لعام 1701، الذي يضمن تولي المذهب البروتستانتي عرش إنجلترا، ويؤكد الفصل بين السلطات.
* القوانين البرلمانية المكونة من قانونين جرى التصويت عليهما في عامي 1911 و1949 اللذين وضعا قيودا على سلطة مجلس اللوردات في منع إقرار القوانين.
وتبعا لذلك، انعكست روح الـ«ماغنا كارتا» والوثائق والقوانين والتشريعات البرلمانية الأساسية لفترة طويلة، وبقوة، على الحياة السياسية في المملكة المتحدة، حتى إنها أصبحت أحد أهم أعمدة الهوية الوطنية التي أضفت شعورا عميقا بالعدالة وحقوق الإنسان في الجزر البريطانية.  وضع ميثاق الـ«ماغنا كارتا» والوثائق القانونية المرتبطة به أيضا تعريفا للعلاقة بين الشعب والسلطة، بين الحاكم والمحكوم. ونصت على أنه لا أحد فوق القانون، وأن أي شخص بغض النظر عن مركزه يظل خاضعا للمساءلة ويجب أن يتحمل المسؤولية. في سياق ذلك، أعرب الفيلسوف والمفكر الفرنسي فولتير، (1694 - 1778)، عن إعجابه بحرية التعبير التي كانت متوافرة في إنجلترا في عصره، ذلك أنها كانت مكفولة منذ عام 1695. ووصف في كتاباته ملك إنجلترا بأنه «الحكم الأعلى بين السلطات» في البلاد.
إضافة إلى ذلك، أصبحت روح الـ«ماغنا كارتا» أيضا ذات تأثير كبير على القوانين الدستورية التي حكمت معظم الدول الأنغلو - سكسونية إلى جانب الدول الجديدة التي خرجت من معطف الإمبراطورية البريطانية. وترجع أصول الدستور الأميركي إليها أيضا، كما هو الحال مع القوانين الأساسية في دول مثل أستراليا ونيوزيلندا وكندا (فيما عدا إقليم الكيبك)، واتحاد جنوب أفريقيا. وفي عام 1948، كان ميثاق الـ«ماغنا كارتا» مصدر إلهام لواضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
ووفقا لصحيفة «فايننشيال تايمز» في عددها الصادر في 12 يوليو 2013، ستحتفل المملكة المتحدة في فبراير (شباط) عام 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا»، في المكتبة البريطانية بلندن. وسوف يجري جمع النسخ الأربع التي ما زالت موجودة، وعرضها لأول مرة في التاريخ على مدار ثلاثة أيام فقط.
وفي لفتة رمزية، سوف يجري اختيار 1215 شخصا عن طريق القرعة ليحظوا بشرف الحضور ومشاهدتها. وبعد كل ذلك، سوف تعاد كل نسخة من النسخ الأربع إلى مكان عرضها الأصلي والدائم، وهي تحديدا كاتدرائيتا مدينتي لينكولن وسالسبري، والمكتبة البريطانية التي تملك اثنتين من النسخ الأربع الأصلية.
بالتزامن مع الذكرى الخمسين على إلقاء مارتن لوثر كنغ خطابه الشهير «يراودني حلم» في واشنطن العاصمة في ذروة كفاحه من أجل الحصول على الحقوق المدنية للأميركيين من أصل أفريقي، أصدر مغني الراب الشهير «دجي زي» أسطوانة جديدة في اليوم الرابع من يوليو عام 2013، الموافق لذكرى إعلان استقلال الولايات المتحدة، تحت عنوان «ماغنا كارتا.. السيف المقدس» ( 16). أراد المغني بهذه الطريقة أن يعرب عن التقدير لهذا الميثاق القديم، الذي فتح الأبواب أمام الحريات الفردية واحترام الكرامة الإنسانية. وأعرب فيه عن أمله أن تستمر روح الميثاق في تحقيق تغيير إيجابي، وتصل إلى حياة السكان الفقراء والمهمشين من الشباب في أحياء أميركا المحرومة التي تنحدر أصول هذا المغني منها، وأصبح رمزا فيها.
وفي لفتة غير مسبوقة وذات رمزية لتأييد رسالة الأمل التي يحملها هذا المغني، يخطط الرؤساء الروحيون لكاتدرائية سالسبري في إنجلترا عرض غلاف أسطوانة «دجي زي» إلى جوار النسخة الأصلية من الـ«ماغنا كارتا»، في أثناء الاحتفالات المقبلة في عام 2015 بمناسبة الذكرى رقم 800. وبهذه المناسبة، يمكن أن تستغل المؤسسة الشقيقة للمكتبة البريطانية في الرباط، المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، هذه المناسبة لتستضيف في الرباط حدثا إضافيا بعرض نسخة من الـ«ماغنا كارتا» التي ترجع بعض الأسباب غير المباشرة في وجودها إلى التداعيات السياسية والتاريخية لاتصال مراكش الدبلوماسي الأول في عام 1213 بين المغرب وإنجلترا. ونأمل أن تنظم إلى هذا الحدث سلسلة من المؤتمرات والنشرات التوضيحية التي تخاطب الأطفال وطلاب المدارس الثانوية والجامعات، وتستهدف أيضا عامة الشعب، وبذلك يصبح الجمهور على دراية أكبر بدور المغرب البارز في هذه المرحلة من تاريخ العالم، وهو الدور الذي يجري تجاهله كثيرا في الوقت الحالي.
ربما تكون الرسالة الرئيسة الأخرى التي تحملها هذه الفعاليات الإضافية للشعب المغربي عامة، هي أن الطريق إلى الديمقراطية غالبا ما يكون طويلا وشاقا، كما تمثله التجربة الإنجليزية التي تحدثنا عنها، ولكنه ما زال الطريق الوحيد الذي يجب السير فيه.

* سفير المغرب لدى المملكة المتحدة (1999 - 2009)



هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».


المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني. لكن خلف هذا التصعيد المتبادل، تبدو معادلة الردع التي حكمت الحدود طوال السنوات التي أعقبت حرب 2006 أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع رقعة العمليات ووصولها إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج دائرة الخطر المباشر.

فالغارات التي باتت تلامس الزهراني، والاشتباكات الدائرة في محيط زوطر الشرقية، والتقدّم الإسرائيلي التدريجي نحو تخوم النبطية، كلها مؤشرات، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، على أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المسيّرات قادرة وحدها على فرض توازن ردع، فيما تعتمد إسرائيل سياسة ضغط ميداني متصاعد هدفها تغيير الوقائع على الأرض قبل أي تسوية أو تفاوض محتمل.

المسيّرات لا تصنع ردعاً

في السياق، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد د. هشام جابر أن المسيّرات التي يستخدمها «حزب الله» لا تحقق ردعاً فعلياً في مواجهة التوسع المستمر في الغارات والعمليات الإسرائيلية، قائلاً: «المسيّرات لا تشكّل ردعاً. قد تُربك إسرائيل وتكبّدها خسائر، لكنها لا تمنعها من متابعة عملياتها العسكرية».

ورأى جابر أن استمرار إسرائيل في الغارات والتوغلات البرية يعني أن معادلة الردع لم تعد قائمة، مضيفاً: «لو كان الردع موجوداً لما كانت إسرائيل تواصل عملياتها بهذا الشكل. ما نراه اليوم أن إسرائيل تغيّر تكتيكاتها وتتابع تقدّمها رغم الخسائر التي تتكبدها في الجنوب».

تصاعُد الدخان من بلدات جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية كما بدا من مدينة النبطية (رويترز)

كما ربط أيضاً بين هذا المسار الميداني وتراجع الردع الذي كان قائماً بعد حرب عام 2006، معتبراً أن «الردع الذي استمر من 2006 إلى 2023 كان فعلياً موجوداً»، لكنه رأى أن دخول «حزب الله» في حرب استنزاف منذ فتح جبهة الإسناد المرتبطة بغزة أدى إلى سقوط هذه المعادلة. وقال: «منذ دخول (حزب الله) في حرب الإسناد عام 2023، اكتشفت إسرائيل الحقيقة العسكرية للحزب، ومنذ تلك اللحظة بدأ الردع يزول». وحذر جابر من أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على زوطر أو محيطها، بل قد يتوسع وصولاً إلى جنوب الزهراني، قائلاً: «أخشى ما أخشاه أن نكون أمام مرحلة لا تكتفي بجنوب الليطاني، بل تمتد إلى جنوب الزهراني».

سياسة تفريغ واستنزاف طويل

وأشار جابر إلى أن سياسة الإنذارات والإخلاءات التي تعتمدها إسرائيل تهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها، موضحاً: «كلما أخلت إسرائيل منطقة من سكانها، باتت قادرة على ضرب أي حركة داخلها. عندها يصبح أي شخص يتحرك بسيارة أو دراجة هدفاً محتملاً».

وأضاف: «أخشى ما أخشاه أن يكون جنوب لبنان قد دخل فعلاً في حرب استنزاف طويلة، لأن المؤشرات الميدانية الحالية لا توحي بوجود أفق سريع لوقف هذا التصعيد أو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة».

وفي قراءته للمشهد الميداني والسياسي، رأى جابر «أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يوقف الحرب على لبنان في الوقت الراهن مهما تكبّد من خسائر»، لافتاً إلى أن إسرائيل «لم تحقق حتى الآن أياً من أهدافها العسكرية أو السياسية المعلنة».

وأضاف أن «تل أبيب لم تتمكن من نزع سلاح (حزب الله)، كما لم تستطع فرض الشروط التي تريدها على لبنان».

وأشار جابر إلى أن المعطيات الحالية تدل على أن «الأمور لن تعود كما كانت في السابق»، معتبراً أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة ستنعكس على واقع الجنوب اللبناني والتوازنات القائمة فيه.

وفيما يتعلق بـ«حزب الله»، رأى جابر أن الحزب أيضاً «لا يستطيع وقف الحرب في منتصفها، في ظل تعقيدات الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية».

لا وجود لتوازن ردع

بدوره، رأى العميد المتقاعد خليل الحلو أن «المسيّرات التي يستخدمها (حزب الله) لا تنجح في فرض توازن ردع مقابل الغارات الإسرائيلية المكثفة»، مؤكداً أن «إسرائيل تُوقع أضراراً وخسائر أكبر بكثير مما تتلقاه».

رجل يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح الحلو أن «المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية (FPV) تعاني من محدودية تقنية تتعلق بالمدى والحمولة»، قائلاً: «مدى هذه المسيّرات يتراوح عملياً بين 3 و15 كيلومتراً، وقد يصل إلى نحو 20 كيلومتراً كحد منطقي، لأن الكابل الذي يربط المسيّرة يضيف وزناً عليها ويؤثر على قدرتها التشغيلية». معتبراً «أن الحديث عن استخدامها لمسافات تصل إلى 60 كيلومتراً غير واقعي عسكرياً».

وأشار إلى أن «(حزب الله) يستخدم هذه المسيّرات لاستهداف القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات، لكن ذلك لم يغيّر في الواقع الميداني».

وقال: «إذا نظرنا إلى الخريطة نرى أن الإسرائيليين باتوا قريبين جداً من النبطية، فيما تتوسع الغارات والإنذارات والإخلاءات حتى شمال الزهراني، وهذا بحد ذاته دليل على غياب توازن الردع».

وأضاف الحلو أن «(حزب الله) يحاول تحقيق إصابات وتأثير ميداني عبر المسيّرات، لكن ما يحصل على الأرض يُظهر أن إسرائيل تُنزل بالحزب وبلبنان أضراراً أكبر بكثير».


كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
TT

كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار

تكفي قصة مثيرة لاستدراج الصحافي إلى البحث عن حاملها. ويزداد إلحاح البحث حين يكون الرجل حاملاً لقصتين مثيرتين. هذا ما حصل قبل سنوات طويلة. بدأت البحث عن أنيس النقاش. باكراً انتسب هذا الشاب اللبناني إلى «الكتيبة الطلابية» في حركة «فتح» وعمل لاحقاً تحت رعاية خليل الوزير «أبو جهاد» عضو اللجنة المركزية في الحركة.

شعرت بالفضول حين عرفت أن النقاش كان مساعد الفنزويلي الشهير كارلوس في عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1975. لم يسبق أن شهد العالم عملية من هذا النوع. تحول كارلوس نجماً عالمياً ما أثار غضب معلمه الذي أرسله في المهمة (وأقصد وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»). وراودني شعور أن التحدث إلى النقاش سيسهل أيضاً الوصول إلى كارلوس، وهذا ما حصل.

لم يكتف النقاش بدوره في عملية فيينا. حين اندلعت التظاهرات المعارضة في إيران في 1978 حصل من «أبو جهاد» على إذن بتدريب إيرانيين معارضين لنظام الشاه في مراكز أقامتها «فتح» في لبنان. سيذهب النقاش أبعد من ذلك. قال في الحوار الذي أجريته معه إن فكرة إنشاء «الحرس الثوري» ولدت في لقاء جمعه في شقة في بيروت بحفنة من الأشخاص، وأن الفكرة نقلت إلى قادة الثورة فتبنوها على قاعدة «عدم الوثوق بالجيوش النظامية».

بعد انتصار الثورة ذهب النقاش إلى طهران. ذات يوم وفي حلقة ضيقة ناقش المشاركون خطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه شهبور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه من منفاه. تحدث مشاركون عن احتمال لجوء جهات معادية للثورة إلى دعم بختيار لزعزعة النظام الجديد أو إطاحته. روى النقاش أن فكرة التخلص من بختيار طُرحت. وكشف أن محكمة كانت قضت بإعدامه وأن الخميني أقر حكم المحكمة من دون إعلان ذلك، ما جعل الحكم شبيها بفتوى تبيح القتل.

كان بختيار مقيماً في فرنسا ويحظى بحراسة وحماية. ولم تكن طهران في تلك الأيام استكملت إعداد فرق للعمليات الخارجية. يقول النقاش إنه تطوع للقيام بالمهمة مع فريق صغير. حصل النقاش على رقم مقر إقامة بختيار وزعم أنه صحافي يريد إجراء مقابلة وفوجئ بإعطائه موعداً. ذهب إلى العنوان وأجرى الحوار الصحافي واستطلع المكان ونقاط ضعف الحراسات.

رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار يصل إلى وزارة الخارجية في باريس غداة محاولة اغتياله في 1980 (أ.ف.ب)

في 18 يوليو (تموز) 1980، توجه النقاش مع فريقه لاغتيال بختيار. حال الباب المصفح دون مقتل بختيار وأدت العملية إلى مقتل شرطيين وسيدة فرنسية وإصابة النقاش واعتقاله.

وفي عقد الثمانينات ستتداخل مطالبة إيران بالإفراج عن النقاش بإقدام «منظمات مجهولة» على خطف فرنسيين في لبنان بغرض مقايضتهم بالنقاش. وبعد عشر سنوات أمضاها في السجن ستبرم فرنسا صفقة يفرج بموجبها عن النقاش.

سألت النقاش يومها عمن كان يعرف في إيران بخطة الاغتيال، فأجاب: «أطلعت محسن رفيق دوست مسؤول الأركان الإداري في الحرس ومحسن رضائي عضو الأركان».

التداخل اللبناني - الفلسطيني - الإيراني سيظهر في حالات أخرى. فعماد مغنية المكنى «الحاج رضوان» الذي اتهم بالضلوع في هجمات ضد الإسرائيليين والأميركيين وجهات عربية مر لفترة في حراسة ياسر عرفات قبل أن ينتقل إلى «حزب الله»، صلب البرنامج الإيراني في لبنان والمنطقة. ويقول النقاش إنه تولى تدريب مغنية بناء على طلب الأخير.

كان النقاش يتحدث بانبهار وثقة عن المشروع الإيراني وكنت مهتماً بالاستماع إلى شهادة هذا الرجل. قال إن المنطقة ستشهد تغييرات كبرى وإن إيران الثورة تعتبر أن مسؤوليتها تبدأ بـ«تحرير الشرق الأوسط من الاحتلال الأميركي صريحاً كان أم مقنعاً». قال إن «قادة الحرس يعتقدون أن الخيط الأميركي هو الذي يضمن استقرار واستمرار كثير من أنظمة المنطقة، وأن قطع هذا الخيط سيغير ملامح المنطقة وتوازناتها».

سألته إن كان الجنرال قاسم سليماني من هؤلاء فأجاب بأنه في طليعتهم وهو يعمل على تقويض الحضور الأميركي في المنطقة. استوقفني قوله إن الثورة الإيرانية لم تخف رغبتها في طرد أميركا من إيران والمنطقة وإن «الرسالة الأولى كانت احتجاز الأميركيين في سفارة بلادهم في طهران. أما الرسالة الثانية فكانت تفجير مقر المارينز في بيروت، وساهم الحاج عماد (مغنية) في إيصال رسائل أخرى».

قال النقاش وقتها أيضاً إن برنامج الأنفاق والصواريخ والمسيّرات يرمي إلى «خفض القيمة الاستراتيجية لحلفاء أميركا في المنطقة بإظهار أن خرائطهم مهددة وأن التحالف مع أميركا لا يكفي لإنقاذها، بل هو السبب في تعرضها للأخطار». وأضاف: «إذا كانت إسرائيل حاملة طائرات أميركية فماذا يبقى من هيبتها حين يتبين أن كل شبر منها يمكن أن تصل إليه صواريخ محور المقاومة؟».

فلسطنيون في خان يونس أعلى مركبة عسكرية إسرائيلية تم الإستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)

وأشار إلى أن «شخصية حسن نصر الله أكسبته ثقة المرشد علي خامنئي وأعطته دور الشريك في رسم سياسات إيران حيال العرب، خصوصاً في الدول المتاخمة لفلسطين... نصر الله وسليماني هما الأقرب إلى قلب المرشد».

ولعل أهم ما سمعته من النقاش هو أن «الضربة الكبرى آتية مهما تأخرت. ستنهمر الصواريخ على إسرائيل من كل الجهات وسيندم عدد من الذين هاجروا إليها على قرارهم، وهذه الشكوك ستفتح الباب لنهاية هذا الكيان».

الكلام الذي سمعته من النقاش كان أكثر صراحة من الذي سمعته في مكاتب زعماء «الجهاد الإسلامي» و«حماس» و«حزب الله»، وإن كان يصب في الاتجاه نفسه. رمضان شلح الأمين العام لـ«الجهاد» كان واثقاً أن الضربة آتية، في حين كان خالد مشعل أكثر تحفظاً في الحديث عن الدور الإيراني. أما حسن نصر الله فلم يكن يشعر بالحاجة إلى إخفاء أن إيران هي مصدر تسليح «حزب الله» وتمويله وهي وسادته المضمونة.

إيران الثورة والهاجس الفلسطيني

كانت إيران الخميني تتطلع إلى الامساك بملفات عدة في المنطقة وكان الملف الفلسطيني هاجسها الأول.

لم يكن ياسر عرفات في وارد وضع القضية الفلسطينية في عهدة نظام الثورة الإيرانية. ولم يكن في وارد تسليم القرار الفلسطيني لأي قوة على وجه الأرض. من أجل إنقاذ استقلالية هذا القرار كان يحالف ويخاصم ويهاجر من عاصمة إلى أخرى هرباً من وطأة الذين يحاولون تحويل القضية الفلسطينية ورقة في مفاوضاتهم مع القوى الكبرى. معركته الطويلة مع الرئيس حافظ الأسد تندرج تحت هذا العنوان. وهو كان يردد: «فلسطين عندي قضية. أما عند الأسد فهي ورقة للاستخدام».

ياسر عرفات أول زائر رسمي لطهران بعد الثورة إلى جانب الخميني أمام حشد في جامعة طهران (غيتي)

لم يتأخر عرفات في إدراك أن الثورة الإيرانية تفتقر إلى «الواقعية والحسابات الدقيقة والكوابح»، على حد ما قال لبعض مساعديه. شعر أن أحلام بعض قادتها من قماشة الأوهام، خصوصاً لجهة إساءة تقدير قوة أميركا والاتحاد السوفياتي معاً. ولم يكن عرفات في وارد وضع «الثورة الفلسطينية» في عهدة «ثورة الخميني» لأنه شعر أن إيران الجديدة لن تتأخر في الاصطدام بجيرانها وبدول أبعد.

إطلالة عرفات من طهران بعد ستة أيام من انتصار ثورة الخميني كانت تاريخية، لكنها لن تدفع القائد الفلسطيني إلى مبايعة الخميني على غرار ما فعل آخرون. ابتعد عرفات عن التطابق. وحين احتجز الإيرانيون الأميركيين رهائن في سفارة بلادهم في طهران استكشف الزعيم الفلسطيني محاولات التوسط، لكن طهران لم توافق على دور له من هذا النوع. تماماً كما كان موقفها حين حاول التوسط بعد اندلاع الحرب مع العراق. ولهذا ستبحث إيران عن أصدقاء فلسطينيين آخرين وستقدم مساهمتها في تقويض سلطة عرفات.

لاحقاً كان المشهد أكبر من قدرة إيران الخمينية على الاحتمال. في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 وقع اتفاق أوسلو وصافح ياسر عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في حديقة البيت الأبيض وبرعاية الرئيس بيل كلينتون.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

أطلق عرفات الزلزال الثاني وكان الرئيس أنور السادات أطلق الأول. كانت شرعية ياسر عرفات كاملة وصورته مرتبطة بالرصاصة الأولى التي أطلقتها «فتح» في منتصف الستينات معيدة إيقاظ القضية الفلسطينية.

شعرت إيران بتهديد جدي للجسر الذي كانت تراهن عليه لمخاطبة الشارع السني وتأليبه ضد «الشيطان الأكبر» وليس فقط ضد إسرائيل. ولهذا ضاعفت طهران رهانها على «الجهاد الإسلامي» و«حماس». افترقت حسابات عرفات عن حسابات أهل «الصمود والتصدي» وعن حسابات طهران أيضاً. بلغ الحقد على عرفات حد الرغبة العلنية في شطبه. كنت أحاور الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل في دمشق حين اتهم عرفات بالخيانة. سألته هل أرسلت أحداً لاغتياله فأجاب: «لا لكنني أفتح الإذاعة كل صباح آملاً أن تعلن ولادة إسلامبولي فلسطيني»، في إشارة إلى خالد الإسلامبولي الذي اغتال الرئيس المصري أنور السادات.

«عشت أكثر مما تصورت»

لم تستطع الثورة الإيرانية استدراج عرفات للإقامة تحت عباءتها لكنها لن تعدم فرصة العثور على حلفاء في وسط الإسلاميين الفلسطينيين. كان الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي» في فلسطين أول من فتح النافذة. جاء جاهزاً إلى طهران التي احتاجت إلى جهود لإقناع «حماس» بالاندراج في برنامج الأنفاق والمسيّرات والصواريخ الذي هندسه قاسم سليماني.

كانوا حفنة طلاب في جامعة الزقازيق في مصر وكانوا يقيمون داخل تيار «الإخوان» أو على أطرافه. في 1978 راحت إيران تغلي بالتظاهرات والشعارات. تمنى أفراد المجموعة على الرجل الأبرز بينهم، أي الشقاقي، أن يعد عرضاً من عشر صفحات عن الثورة في إيران. استهوت المهمة الشقاقي فغاص في المراجع الإسلامية وتعاليم الخميني والفكر «الإخواني». عاد الشقاقي من بحثه باستنتاج قاطع مفاده أن الثورة في إيران ثورة إسلامية وليست شيعية. وهكذا بدلاً من ملخص من عشر صفحات طلبه رفاقه منه عاد الشقاقي بكتيب عنوانه «الخميني... الحل الإسلامي والبديل».

نزل الكتيب إلى الاسواق بعيد انتصار الثورة الإيرانية فاستدعى الأمن المصري الشقاقي وأدخله السجن. وسيدخل الشقاقي السجن المصري مرة أخرى، وفي 1981 سيغادر مصر سراً بعدما كان مطلوباً مجدداً. وسيعتقل الشقاقي هذه المرة في غزة في 1983 ومرة أخرى في 1986 قبل أن تبعده السلطات الإسرائيلية إلى خارج فلسطين في أول أغسطس (آب) 1988.

غاب عن بال أجهزة الأمن الإسرائيلية أن إبعاد الشقاقي من فلسطين سيمكنه من الذهاب أبعد في العلاقة مع إيران و«حزب الله» اللبناني. ولم تبخل طهران على الشقاقي بالاهتمام، فقد استقبله الخميني في 1988 وأبلغه التزاماً بدعم «الجهاد» تسليحاً وتمويلاً. وهكذا شكلت «الجهاد الإسلامي» أول اختراق إيراني فعلي للحالة الفلسطينية.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل خلال إحدى مقابلاته مع قائد «الجهاد الإسلامي» الراحل رمضان شلح في ديسمبر 2002 (الشرق الأوسط)

إثر مشهد عرفات ورابين حصل تواصل بين الشقاقي ورمضان عبد الله شلح الذي سيتولى قيادة التنظيم بعد مقتله. كان شلح في أميركا مرتدياً ثوب الأكاديمي وفهم من اتصال الشقاقي أن «الوقت قد حان». شرح لي العبارة بأنها تعبير عن قرار «بالذهاب أبعد في العمل الجهادي». وستدوي لاحقاً أصداء العمليات الانتحارية.

في 21 يناير (كانون الثاني) 1995 وجهت «الجهاد الإسلامي» بقيادة أمينها العام الشقاقي ضربة موجعة إلى إسرائيل. نفذت عملية انتحارية مزدوجة في بيت ليد قرب تل أبيب أسفرت عن مقتل 20 جندياً إسرائيلياً. ورداً على العملية تعهد رئيس الوزراء إسحق رابين بمعاقبة من يقف وراء العملية حتى وإن كان وراء الحدود. ولم يكن سراً أن رابين أمر باغتيال الشقاقي. بعد أيام فقط دخلت مكتب الشقاقي في شقة متواضعة في دمشق. سارع إلى القول: «أنا ما زلت شاباً ولم يحن وقتي بعد لسلسلة يتذكر. أمامنا الكثير من العمل».

سألت الشقاقي عن تهديدات رابين فأجاب: «على المستوى الشخصي لا تهمني هذه التهديدات. أنا اعتقدت بأنني عشت أكثر مما أتصور. دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعد المواجهة ضد الاحتلال. لذلك نحن لسنا قلقين من مثل هذه التهديدات. وأقول في النهاية ما قاله الإمام علي، كرم الله وجهه، حارس العمر الأجل».

سألت الشقاقي عن التمويل الإيراني للحركة فأجاب: «هناك مساعدة من أصدقاء من أكثر من جهة ولا داعي لتحديد الجهات». كررت السؤال فقال: «قبل نحو أربع سنوات أصدر مجلس الشورى الإيراني قراراً بنصرة الانتفاضة الفلسطينية وتقديم مساعدة إليها وإلى شهدائها».

استوقفتني عبارة «عشت أكثر مما تصورت»، ومثلها عبارة «حارس العمر الأجل». خالجني شعور أن الحوار الأول مع الشقاقي قد يكون الأخير. فإسرائيل لا تغفر لمن يستهدف جنودها ويد «الموساد» طويلة ورابين لن يفرط بصورته وأوسمته.

في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1995، سيتمكن رابين من تصفية حسابه مع الشقاقي. اصطاد «الموساد» الشقاقي في مالطا وخلال عودته من ليبيا التي دعته إلى مؤتمر وتمنت عليه تمديد إقامته. وقد سمعت لاحقاً من رمضان شلح أن الشقاقي اغتيل بسبب اختراق إسرائيلي للأجهزة الليبية أتاح لـ«الموساد» معرفة الاسم الذي يستخدمه، وهو إبراهيم الشاوش، الذي كان سراً مغلقاً بين الشقاقي وشلح.

«إذا عاش فسيكون خميني العرب»

في بيروت عرف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله باغتيال الشقاقي فسارع إلى دمشق. التقى شلح «ونصحنا أن نختار أميناً عاماً كما فعل الحزب حين اغتالت إسرائيل أمينه العام عباس الموسوي وأن يعلن الاسم الجديد في بيان نعي الأمين العام السابق. وكانت حجة نصر الله المحافظة على معنويات بيئة المقاومة». لكن نصر الله «لم يتدخل في عملية الاختيار فهذه مسألة تخص (الجهاد)، وحلفاء الحركة يثقون بخياراتها».

حسن نصر الله إلى جانب علي خامنئي (مكتب المرشد الإيراني)

وروى شلح أن الشقاقي كان معجباً بنصر الله. يقول: «كنت في زيارة لبيروت في نهاية 1989، وكان الدكتور فتحي، رحمه الله، عائداً من احتفال لحزب الله خطب فيه نصر الله. كان الدكتور فتحي يتحدث عنه بانبهار شديد ولم يكن نصر الله يومها أميناً عاماً بل مسؤولاً في المقاومة. أبديت للشقاقي استغرابي لفرط إعجابه بنصر الله فقال وبحضور عدد من الإخوة إن هذا الرجل إذا قدر له أن يعيش فسيكون خميني العرب».

سألت شلح عن النموذج الذي استوحته الفصائل الفلسطينية حين بدأت تنفيذ عمليات انتحارية فأجاب أنها استوحت النموذج الذي بدأته المقاومة اللبنانية حين نفذ «أبو زينب» عملية تفجير مقر المارينز في بيروت.

«حماس» وطريق طهران

لكن رغم هذه الاختراقات في الملف الفلسطيني، لا مبالغة في القول إن النجاح الكبير الذي حققته إيران تمثل في اجتذابها حركة «حماس» إلى برنامجها الإقليمي مستفيدة من حاجة الحركة إلى التسليح والتمويل.

كانت إيران تبحث عن فرصة لبناء علاقة مع «حماس» وسترتكب إسرائيل خطأ يسهل مهمة طهران. في الشهر الأخير من عام 1992 وإثر قيام عناصر من «كتائب القسام» بخطف ضابط إسرائيلي وقتله، نفذت إسرائيل عملية إبعاد جماعي لناشطين فلسطينيين من غزة والضفة. شملت عملية الإبعاد نحو 415 شخصاً أكثريتهم الساحقة من «حماس» وبينهم أسماء ستتولى لاحقاً مناصب قيادية مثل عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية.

رفضت السلطات اللبنانية بالتنسيق مع «حماس» استقبال المبعدين فأقاموا طويلاً في منطقة مرج الزهور الحدودية وحولوا خيامهم إلى أماكن للندوات والصلوات واستقبال المتضامنين.

مبعدو مرج الزهور بينهم إسماعيل هنية (المركز الوطني الفلسطيني للإعلام)

سارع «الحرس الثوري» الإيراني إلى التقاط الفرصة بالتعاون مع «حزب الله» وأمّن للمبعدين أغذية وأدوية وخياماً. وبعد بناء جسور التعارف تولى «الحرس» و«الحزب» تدريب عدد من المبعدين على صناعة المتفجرات والاتصالات الآمنة وتكتيكات قتالية.

في سبتمبر (أيلول) 1992 أعدت إيران استقبالاً لائقاً وعلى أرفع المستويات لوفد من المكتب السياسي لحركة «حماس» برئاسة موسى أبو مرزوق. رأى «الحرس الثوري» أن «حماس» تشكل فرصة لأن تمثيلها الشعبي أوسع بكثير من تمثيل «الجهاد». شابت العلاقة في البداية شكوك وحساسيات. لم تغب حساسيات سنية - شيعية عن ذهن أطراف في «حماس». وترددت «حماس» في البداية في قبول الدعم المالي خوفاً من أن يلزمها ذلك بالاندراج في البرنامج الإيراني الوافد من القاموس الشيعي. تراجعت الشكوك لاحقاً وانتظم الدعم الإيراني.

في 14 يونيو (حزيران) 2007 سيطرت «حماس» على قطاع غزة وطردت السلطة الفلسطينية منه. طرفان سيلتقطان الفرصة. إيران وتحديداً قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني و«حزب الله» اللبناني بقيادة حسن نصر الله. استقلال غزة عن «سلطة أوسلو» فرصة لإدماج «حماس» في «وحدة الساحات» والرهان على إشراكها في «الضربة الكبرى» ساعة حدوثها.

ستمر علاقة «حماس» مع إيران باختبارات ليست بسيطة خصوصاً بعدما فضلت قيادة الحركة مغادرة سوريا على التجاوب مع ضغوط نظام الأسد الابن لاتخاذ موقف معاد للثورة. وحملت أوساط إيرانية وسورية في تلك المرحلة على رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل واتهمته بالسعي إلى الخروج من خط المقاومة الممانعة. خفضت إيران المساعدات لكنها لم تقطعها تماماً عن «كتائب القسام».

ظهر تباين آخر هو الدور الإيراني في اليمن وما قيل عن عمليات التشيع هناك. لكن حرص سليماني ونصر الله على الضلع الفلسطيني في «محور المقاومة» ساهم في عودة المياه إلى مجاريها. وكافأ سليماني الحركة ببرنامج تمويل وتسليح تضمن تصنيع أسلحة في قطاع غزة وعمليات تدريب مكثفة.

إيرانية تحمل ملصقاً يتصدره إسماعيل هنية خلال تشييعه في طهران وإلى جانبه قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وفي طرفيه الأمين العام الراحل لـ«الجهاد الإسلامي» فتحي الشقاقي ومؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين إضافة إلى القيادي الراحل في «حزب الله» عماد مغنية والعالم النووي الإيراني الراحل محسن فخري زاده (أ.ف.ب)

في 2012 انتخب يحيى السنوار الذي خرج قبل عام من السجن الإسرائيلي عضواً في القيادة السياسية في غزة. وبعد خمسة أعوام سيتولى رئاسة المكتب السياسي للحركة في القطاع. وفي العام نفسه (2017) تولى إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي للحركة خلفاً لخالد مشعل الذي تولى هذا المنصب على مدى 21 عاماً. رجحت كفة الجناح العسكري خصوصاً في ضوء العلاقة التي ربطت السنوار بـ«كتائب القسام» وقائدها محمد الضيف.

«طوفان السنوار»

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 سيحقق السنوار والضيف حلمهما. أطلقا ما سمياه «طوفان الأقصى». وفي اليوم التالي لم يجد زعيم «حزب الله» اللبناني خياراً غير التجاوب مع رسالة «قادة الطوفان» فانضم إلى «إسناد غزة». فوجئ العالم بهشاشة إسرائيل في الساعات الأولى خصوصاً بعدما تبين أن الهجوم أدى إلى سقوط أكثر من ألف قتيل إسرائيلي واحتجاز عدد من الرهائن.

لكن بعد ساعات من الضياع استيقظت آلة القتل الإسرائيلية لإطلاق حرب على جبهات متعددة. اعتبر بنيامين نتنياهو أن «الطوفان» يحمل بصمات إيرانية ولهذا كان الثأر شديداً من «حزب الله» اللبناني وصولاً إلى المرشد الإيراني نفسه.

غيرّ «طوفان السنوار» ملامح غزة ولبنان، وتسبب أيضاً في اقتلاع نظام بشار الأسد. وللمرة الأولى انهالت القذائف الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية وسيطرت الطائرات الإسرائيلية على أجواء طهران فيما سقطت الصواريخ الإيرانية على أهداف في الدولة العبرية. تجمع الهدير الإيراني وتحول حرباً أقلقت المنطقة والاقتصاد العالمي ولا تزال ذيولها مفتوحة.