إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»

تركيا ماضية بالمفاوضات... وروسيا تستمهل النظام لحسم «معقّد»

إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»
TT

إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»

إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»

قلّص وجود العناصر المتشدّدة في محافظة إدلب، بشمال غربي سوريا، فرص تجنيب المحافظة معركة عسكرية يتأهب لها نظام دمشق وداعموه، وعلى رأسهم موسكو. وفي حين يستمهل الروس بانتظار مبادرة تركية لتجنيب المحافظة المتاخمة لأراضي تركيا معركة عسكرية يرى المعارضون أنها ستكون قاسية، يرغب الطرف الروسي في تجنبها عبر التوصل إلى تسويات «تهندسها» أنقرة، وسط مخاوف الأتراك من أن يتسبب أي هجوم في موجة جديدة من اللاجئين إليها.
طبول الحرب التي يحسم موعدها وسقفها اجتماع طهران الثلاثي، بدأت تُقرع أواخر شهر يوليو (تموز) إثر فشل الجهود لاحتواء تنظيم «جبهة النصرة» الذي ينقسم قياديوه بين جناح مؤيد للانفكاك عن تنظيم «القاعدة» وإعادة التموضع تحت مسميات أقل تشدّداً، وبين جناح آخر مصرّ على التحالف مع «التنظيم الأم». وهذا الواقع منح النظام وداعميه ذرائع إضافية للتحضير لمعركة، على الرغم من أن كل التقديرات تشير إلى أن حل معضلة إدلب لن يكون عسكرياً أو سياسياً، بل عبر المقاربتين معاً.
ووفق المتابعين، تمثل حالة «النصرة»، العقدة الأبلغ في ملف التوصل إلى تسوية في إدلب، لسببين: الأول، يجسده فشل الجهود لتحييدها عن «القاعدة» على ضوء الانقسامات الداخلية بين المقاتلين السوريين وآخرين ينتمون عضوياً إلى «القاعدة» ويؤتمرون منها. والآخر، يتمثل في الفشل بإدخال العناصر ضمن تنظيم جديد أقل تشدّداً غير مرتبط بـ«القاعدة»، هو «الجبهة الوطنية للتحرير» التي انضمت إليها فصائل من «الجيش السوري الحر»، وهنا يقول خبراء إن تركيا أنشأت هذه «الجبهة» بالذات لفصل المقاتلين المتشدّدين عن المقاتلين المعتدلين.

يمضي النظام السوري في الاستعداد لمعركة محدودة في ريف محافظة إدلب في شمال غربي سوريا. ولقد تمكن النظام من إعادة فتح طريق حمص – حلب الدولية، وتأمين مناطق حيوية للنظام في محافظتي حماة واللاذقية، وسط تقديرات بأن يكون «الجيش السوري الحر» هو المتضرّر الأكبر من العملية التي تتضارب المعلومات حول موعد انطلاقتها، والتي لن تؤثر على «جبهة النصرة» الموجود ثقله في شمال المحافظة.
محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها هي آخر منطقة كبيرة خاضعة للمعارضة المسلحة. وتُعد معركة إدلب آخر أكبر معارك النزاع السوري، بعدما انحصر وجود مسلحي المعارضة في محافظة إدلب ومناطق محدودة محاذية لها، وعلى ريف محافظة حلب الشمالي، حيث تنتشر قوات تركية. ويقدر عدد المسلحين المعارضين في إدلب بأكثر من 30 ألف مقاتل، يتصدرهم «النصرة» وحلفاؤه بنحو 10 آلاف مقاتل، في حين يتبع الآخرون فصائل المعارضة السورية، وهم بمعظمهم معتدلون، كانوا موجودين في أرياف حلب وحماه وإدلب، قبل أن ينقل النظام السوري آلافاً آخرين إلى إدلب من الجنوب وريف دمشق وحمص إلى المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا.
بيد أن الحل لمعضلة إدلب، الذي سيأتي على مراحل، لن يكون – على الأرجح – حلاً عسكرياً أو أمنياً على غرار المقاربة التي اتبعتها روسيا أو التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تجاه «داعش». والسبب أن إمكانية احتواء «النصرة» وإعادة تأهيله، تعد أكثر سهولة، ذلك أن معظم المقاتلين في صفوف «النصرة» هم من السوريين، وتتراوح نسبتهم بين 70 و80 في المائة، بحسب ما يقوله الدكتور هشام جابر، رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» في العاصمة اللبنانية بيروت.
جابر قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه، إن «الغالبية العظمى من (داعش) هم أجانب؛ ما صعّب عملية احتوائهم، خلافاً لمقاتلي (النصرة) الذين سيعمل على إعادة تأهيلهم، بينما سيجري ترحيل الأجانب منهم خارج البلاد». ويلفت جابر – وهو عميد ركن متقاعد من الجيش اللبناني – إلى أن العناصر التي سيُعمل على إعادة تأهيلهم «سيُدمجون، وفي النهاية بعد تفكيكهم عن تنظيم القاعدة، سيصار إلى منحهم مقعداً في المفاوضات الأخيرة على مستقبل سوريا». وتابع «حتى الآن، لا يمكن القول إنهم غير إرهابيين، بانتظار تفكيك علاقتهم بالقاعدة، وعندها سيجري حل الملف بأقل الخسائر الممكنة»، مستنداً إلى اعتقاد بأن حل مسألة إدلب «لن يكون عسكرياً أو سياسيا فحسب، بل سيكون بمقاربة تتبع الاثنين في وقت واحد».

- معركة معقّدة
تنظر مصادر عسكرية في المعارضة السورية إلى معركة الشمال على أنها ستكون معقّدة. وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» شارحة «الحسم خلال شهر أو اثنين سيكون مستحيلاً، ذلك أن المعركة ستكون عسيرة، وهي مفتوحة على احتمالات عسكرية أكثر تعقيداً مرتبطة بالوجود الجغرافي للعناصر المتشدّدة في ريف اللاذقية غرباً التي يمكن أن تهدد جبل العلويين، كما أنها يمكن أن تهدّد، في ظل قوتها الحالية، مناطق تواجد النظام شرقاَ وجنوباً».
واضح أن النظام السوري يستعجل المعركة، ويسعى لحملة واسعة النطاق، بهدف منع المعارضين من الحصول على أي فرصة «لفرض شروط معينة أو انتزاع امتيازات» يمكن أن يأخذوها بالمفاوضات، كما حصل – وفق النظام – في ريف محافظة حمص الشمالي أو في بعض مناطق محافظة ريف دمشق. وفي المقابل، تستمهل روسيا المعركة بانتظار انتهاء المفاوضات الجارية مع تركيا، التي تعمل من جانبها على خط التسويات وتجنيب المنطقة معركة قاسية. وفي الحالتين، يتوقع أن يكون حسم الاجتماع الثلاثي التركي – الروسي – الإيراني الذي استضافته العاصمة الإيرانية طهران، أمس (الجمعة)، ملف معركة إدلب.
وفي ظل التقديرات بأن «النصرة» يعد العقبة الأكبر؛ إذ تعمل تركيا منذ فترة على تفكيك «النصرة» وفض علاقة هذا التنظيم بتنظيم القاعدة، بحسب مصادر بارزة في المعارضة السورية في الشمال لـ«الشرق الأوسط». وتشير هذه المصادر إلى تشكيل «الجبهة الوطنية للتحرير»، التي تعد أكبر كيان عسكري معارض للنظام في محافظتي حماة (وسط) وإدلب (شمال غرب) وتضم هذه «الجبهة» آلاف المقاتلين. ولقد تضاعف عددها بشكل كبير في مطلع «أغسطس (آب) الماضي، إثر انضمام فصائل «جبهة تحرير سوريا» و«جيش الأحرار» و«صقور الشام» إلى التشكيل الجديد.
ولا ينفي مصدر بارز في الشمال السوري أن تركيا «قطعت شوطاً كبيراً في جهود تفكيك (النصرة) وإعادة دمج عناصره»، بيد أنه أكد لـ«الشرق الأوسط»، أنها «لم تستطع إنهاؤه بعد». وتابع المصدر «نحن أمام وضع جديد لـ(النصرة)، بعد انسحابه من أكثر من 400 قرية في وقت سابق، وتركز وجوده في شمال المحافظة... لكن الوضع ليس الوضع المثالي بعد، بالنظر إلى أن عملية تكييفه ودمج عناصره هي الحلقة الأصعب؛ كونه مرتبطاً بملف (المسلحين) الأجانب وحل التنظيم نهائياً»، واستطرد مشيراً إلى أن التنظيم المتشدد «لن يحل كيانه إلا إذا أحس بأنه معرّض للفناء بالكامل». ثم أردف «إنجاز عملية كاملة في هذا الوقت غير متاح وغير ممكن؛ ما يعني أن (النصرة) ستكون لديه القدرة على البقاء، حتى أشهر إلى الأمام على الأقل، ولن يكون معرّضاً لهجمات؛ كون عملية النظام بعيدة عن مواقع وجوده في الشمال، بينما سيكون (الجيش الحر)، وتحديداً (جيش العزة) هو الأكثر تضرراً من العملية المزمع القيام بها؛ لأنه موجود في مناطق جنوب المحافظة».
بدوره، يقول العميد الركن الدكتور جابر، إن تركيا «ترفض الخيار العسكري من جانب واحد، وهي التزمت التوصل إلى الحل السياسي عبر فكفكة «هيئة تحرير الشام» وسحب الفصائل عن (الجبهة) لتبقى وحدها، بالنظر إلى أن (النصرة) هو الفصيل الوحيد الرافض لحل سياسي». ويشير إلى أن تركيا «اقترحت حلولاً عدة، بينها استحداث (الجبهة الوطنية) على أمل أن يفك عناصر (النصرة) ارتباطهم بـ(القاعدة)، والانضمام إلى فصيل سوري معتدل يمكن ضبطه».

- لا إدلب ثانية
جدير بالذكر، أن محافظة إدلب شكّلت لسنوات ملجأ لنازحين فروا من المعارك والقصف، ولمقاتلين معارضين أجبروا على الانتقال إليها بعد رفضهم «اتفاقات تسوية» مع النظام السوري في مناطق كانوا يسيطرون عليها. وبمرور الوقت، ازدادت الكثافة السكانية في المحافظة تدريجياً، وبات يعيش فيها، بالإضافة إلى مناطق سيطرة المعارضة المحدودة في محافظات حلب وحماة واللاذقية المحاذية لها، نحو ثلاثة ملايين شخص نصفهم من النازحين. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، حذر مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا من أن «إدلب ستصبح حلب أخرى». وفي هذه الإطار، أطلقت تركيا مفاوضات مع «هيئة تحرير الشام» – التي ضمت فصائل عدة، بينها «النصرة» – يهدف إلى تفكيك الأخيرة، وفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان». ومن ثم، طالب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بدوره بألا تعمد الدول الغربية إلى «عرقلة عملية مكافحة الإرهاب» في إدلب.
في هذه الساعات الحرجة، بعد اجتماع طهران، ينتظر الجميع جهود حل المعضلة من دون شن عملية عسكرية تترك تداعيات إنسانية، أنه لا توجد «إدلب ثانية» يمكن ترحيل المقاتلين الرافضين للتسويات إليها. وهنا نذكر أنه في ظل المساعي التركية، تراجعت العمليات العسكرية لنحو ثلاثة أسابيع عملاً باتفاق هدنة روسي – تركي، مع أن روسيا بعد ثلاثة أسابيع عادت فاستأنفت غاراتها الجوية التي قالت استهدفت مقرات عسكرية للمعارضة في الشمال، وحقق النظام وداعموه تقدماً طفيفاً بريف حماة الشمالي الغربي «للإيحاء بأن الحل العسكري قائم وممكن، وهي مقدمة لمعركة واسعة النطاق». ووفق جابر «عملية تقاسم الأدوار الروسية – السورية – والتركية تتمثل في أن يتابع النظام نشاطه الميداني في ريف محافظة حماة الشمالي، وبينما تتولى تركيا فتح طريف حمص – حلب الدولية، وتواصل مفاوضاتها مع القوات المعارضة لإبعادها عن (النصرة)، توفر روسيا ضمانات بالتسويات إلى جانب تأمين الدعم العسكري الجوي لقوات النظام في حال حازت على ضوء أخضر للانطلاق بالمعركة». ويؤكد جابر، أن روسيا باتت «المايسترو الوحيد في الميدان السوري» من خلال علاقتها مع تركيا وإيران والأكراد وإسرائيل والنظام، بجانب التواصل مع الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن معضلة إدلب «تتعاطى معها بجدية استناداً إلى تصريحات وزير خارجيتها سيرغي لافروف... وما يظهر أنه بعد نهاية العام لن تكون هناك طلقة واحدة في سوريا».

- معركة على مراحل
غير أن سياق المعركة، لن يكون واسعاً، بل سيأتي على مراحل، كما يرى المعارضون. إذ يقول هؤلاء إنه «إذا ما باشر النظام بالمعركة الآن، فإنه لن يذهب إلى اجتياح كامل، بل ستكون المعركة محدودة بالسيطرة على طريق حمص – حلب الدولية، وستطال جنوب محافظة إدلب المرتبط بشمال محافظة حماة؛ وذلك بغرض تأمين منطقة وسط سوريا الخاضعة لسيطرته، إضافة إلى السيطرة على بلدة جسر الشغور ومحيطها بهدف إبعاد المعارضة عن اللاذقية وتأمين المحافظة الحيوية». والمعروف أن محافظة اللاذقية هي مسقط رأس الأسد، وتوجد فيها قاعدة حميميم، قاعدة روسيا العسكرية الأكبر في سوريا.
وفي ظل «التجاذب» حول «النصرة»، والتمهيد للعمليات العسكرية، تواصلت «التصفيات الداخلية في شمال سوريا بين فصائل الفصائل ومجموعات متطرّفة»، بحسب تعبير مصادر معارضة في الشمال. إذ أفادت هذه الأخيرة بأن موجة الاغتيالات المستمرة «طالت قادة في الفصائل ومسؤولين نافذين في التنظيمات المتطرفة ضمن إطار التصفيات الداخلية ومعارك بسط النفوذ والسيطرة»، لافتة إلى أن المدنيين «يقتلون ضمن هذه الحرب الأمنية».
ويواصل الفلتان الأمني متصاعد الوتيرة منذ 26 أبريل (نيسان) الماضي عبر عمليات اغتيال بعبوات ناسفة وبإطلاق الرصاص، وعن طريق الخطف ورمي الجثث. وحصدت هذه العمليات 294 شخصاً على الأقل ممن اغتيلوا في أرياف محافظات إدلب حلب وحماة. ويوم 20 أغسطس الماضي، قتل ثلاثة عناصر من «الجبهة الوطنية للتحرير» أيضاً، جرّاء إطلاق النار عليهم من قبل مجهولين في بلدة سراقب بريف إدلب الشرقي. كذلك، استهدفت سيارة مفخخة مقراً يتبع لـ«الجبهة الوطنية» في جبل الأربعين بمدينة أريحا؛ ما أدى إلى مقتل عنصر وجرح عدد من المقاتلين. ولم تتبن أي جهة حوادث الاغتيالات أو التفجيرات في اليومين الماضيين.

- مؤشرات لاقتراب المعركة
هذا، وبينما مهد النظام للمعركة المرتقبة بقصف استهدف مناطق واسعة في إدلب، فرّ مئات المدنيين مساء الأربعاء وصباح الخميس من المقيمين في المحافظة باتجاه ريف حلب الغربي وبلدة عفرين الواقعة بأقصى شمال غربي على الحدود مع تركيا؛ وذلك خشية هجوم وشيك لجيش النظام السوري. فلقد فر مئات المدنيين من جنوب شرقي إدلب «بحثاً عن ملاذ في الشمال خوفاً من هجوم وشيك للنظام السوري»، بحسب ما أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان». وأفاد «المرصد» عن حدوث نزوح ليل الأربعاء وصباح أمس من ريف إدلب الجنوبي الشرقي باتجاه ريف حلب الغربي وعفرين الواقعة شمال البلاد على الحدود مع تركيا. وتأتي حركة النزوح بعد استهداف قوات النظام صباح الخميس جنوب شرقي إدلب بقصف مدفعي؛ ما أسفر عن إصابة ستة أشخاص.
من جهة ثانية، أفادت مصادر سورية معارضة لـ«الشرق الأوسط»، بأن النظام أكمل نشر قواته على تخوم الجبهات العسكرية التي ينوي إطلاق الهجوم نحو إدلب منها، وقالت إن «النظام، كما علمنا، أتم استعداداته في ريف اللاذقية الشرقي للهجوم على مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة، يصل منها إلى جسر الشغور»، إحدى أكبر البلدات في ريف إدلب الغربي. ونقلت معلومات تفيد بأن قوات النظام «تنتظر الأوامر الرئاسية لإطلاق الهجوم»، مشيرة إلى أن النظام «حشد على الجبهات كافة في الشرق والغرب والجنوب وسهل الغاب للانطلاق بهجوم نحو مناطق محررة (خاضعة لسيطرة المعارضة) في أرياف حماة الجنوبي الغربي، وإدلب الشرقي والغربي، وحلب الغربي والجنوبي».
وكانت المعلومات تحدثت عن عمليات تحشيد غير مسبوقة لمعركة من المرجح أن تشارك فيها معظم القوى العسكرية النظامية العاملة على الأرض السورية، بعد استقدام النظام لتعزيزات عسكرية ضخمة، تمثلت بالدفع بعشرات آلاف العناصر من قوات جيشها ومن المسلحين الموالين لها، بمواكبة نحو ألفي مدرعة.

- تحذيرات دولية للروس والنظام... من منطلقات «إنسانية»
حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرئيس السوري بشار الأسد وحليفتيه إيران وروسيا، مطلع الأسبوع الماضي، من شنّ «هجوم متهوّر» على محافظة إدلب؛ متخوفاً من مقتل مئات الآلاف من السكان والمحليين والنازحين اللاجئين إلى المحافظة. وتابع ترمب في تغريدة على موقع «تويتر»، «سيرتكب الروس والإيرانيون خطأً إنسانياً جسيماً بالمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة. مئات الآلاف من الأشخاص ربما يُقتلون. لا تسمحوا بحدوث هذا!».
وقبل الرئيس الأميركي، كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قد حذّر في 29 أغسطس الفائت من «الخطر المتنامي بحدوث كارثة إنسانية في حال حصول عملية عسكرية واسعة النطاق في محافظة إدلب». والواقع أن الأمم المتحدة تخشى أن تجبر العملية العسكرية في إدلب 800 ألف شخص على النزوح. ويذكر، أنه خلال زيارة لوزير خارجية النظام السوري وليد المعلم إلى العاصمة الروسي موسكو أواخر الشهر الماضي، قال المعلم مهدداً، إن «سوريا في المرحلة الأخيرة لتحرير كامل أراضيها من الإرهاب». وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في اليوم التالي، أن بلاده تجري مباحثات من أجل إقامة «ممرات إنسانية» لخروج المدنيين في محافظة إدلب. وقبل ذلك، يوم 24 أغسطس، حذّر وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو من أن «الحل العسكري سيسبب كارثة ليس فقط لمنطقة إدلب، وإنما أيضا لمستقبل سوريا»، مضيفاً في الوقت ذاته، أنه من «المهم جداً أن تصبح هذه الجماعات المتطرفة، والإرهابية، غير قادرة على أن تشكل تهديداً». وتطالب روسيا تركيا، صاحبة النفوذ في إدلب، بإيجاد حل لتنظيم «هيئة تحرير الشام» من الممكن أن تتفادى من خلاله هجوماً واسعاً على المحافظة.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.