بريطانيا تعرض أدلتها على تورط روسيا في تسميم سكريبال

موسكو ترفض اتهامات لندن وتدعو إلى «عدم التلاعب بالتحقيقات»

بريطانيا تعرض أدلتها على تورط روسيا في تسميم سكريبال
TT

بريطانيا تعرض أدلتها على تورط روسيا في تسميم سكريبال

بريطانيا تعرض أدلتها على تورط روسيا في تسميم سكريبال

اتّهمت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أمس، ضابطين في الاستخبارات العسكرية الروسية بتنفيذ عملية تسميم الجاسوس السابق المزدوج سيرغي سكريبال وابنته بغاز نوفيتشوك على الأراضي البريطانية، في حين أصدرت الشرطة البريطانية مذكرتي توقيف بحقهما.
وعرفت الشرطة البريطانية عن الرجلين الروسيين على أنهما الكسندر بتروف ورسلان بوشيروف. ويُشتبه بأنهما قاما بتسميم سيرغي سكريبال وابنته يوليا في الرابع من في سالزبري في جنوب غرب بريطانيا. وقالت ماي إنه استناداً إلى معلومات أجهزة الاستخبارات البريطانية، «خلصت الحكومة إلى أن هذين الشخصين (...) هما ضابطان في مديرية الاستخبارات العسكرية الروسية». وكانت ماي قد اتهمت موسكو بالوقوف خلف التسميم لكن دون أن تورد معلومات محددة، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وأكدت رئيسة الوزراء المحافظة في كلمة لها أمام النواب البريطانيين العثور على آثار نوفيتشوك في غرفة فندق الروسيين المشتبه بهما. وأضافت أن العملية «تمت الموافقة عليها بالطبع خارج مديرية الاستخبارات الرئيسية، على مستوى رفيع في جهاز الدولة الروسي».
وطلبت بريطانيا اجتماعا طارئا لمجلس الأمن. وقالت السفيرة البريطانية، كارن بيرس، إن الاجتماع الذي يتوقع أن يُعقد اليوم، مخصص لاطلاع أعضاء المجلس على تطورات قضية تسميم سيرغي سكريبال وابنته يوليا. ونقلت وكالة «رويترز» عن متحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية إن لندن ستقدم دليلها على واقعة التسميم بغاز الأعصاب في الاجتماع. وقال المتحدث أيضاً للصحافيين إن المسؤولين البريطانيين أكدوا في اجتماع مع القائم بالأعمال الروسي في لندن، الذي تم استدعاؤه، أمس، أن بريطانيا تريد أن يمثل المسؤولون عن تسميم الجاسوس الروسي السابق وابنته أمام العدالة.
من جهته، صرّح رئيس شعبة مكافحة الإرهاب نيل باسو خلال لقاء مع الصحافيين بأن اسمي الشخصين المطلوبين، ألكسندر بتروف ورسلان بوشيروف، ليسا حقيقيين، داعياً الجمهور إلى الإدلاء بأي معلومات عنهما.
وقال في مؤتمر صحافي: «يرجح أنهما يتنقلان باسمين مستعارين وأن هذين ليسا اسميهما. لديهما جوازا سفر روسيان بهذين الاسمين». وعرض صورتي الرجلين، موجها السؤال إلى الجميع «عبر العالم... هل تعرفونهما؟!».
وأشارت ماي أمام البرلمان إلى أن لندن لن تطلب تسليم المشتبهين، لعدم إمكانية التأكد من أن موسكو ستنسق معها بشكل كافٍ. وقالت: «كما استنتجنا من (قضية) مقتل ألكسندر ليتفينينكو، كل طلب تسليم رسمي في هذه القضية سيكون خائباً»، في إشارة إلى مقتل العميل السابق ألكسندر ليتفينينكو بمادة إشعاعية عام 2006 في لندن. وقد اتهم قاضٍ بريطاني موسكو بالوقوف خلف العملية.
وفي بيان، أوضحت النيابة البريطانية أنها وجهت إلى الرجلين تهمة التآمر لارتكاب جريمة قتل، ومحاولة قتل سكريبال وشرطي بريطاني أصيب بالسم بعد أن أسعف سكريبال وابنته في سالزبري في مارس (آذار)، وباستخدام وحيازة نوفيتشوك وهو غاز أعصاب ذو مفعول قوي، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال باسو إن المشتبه بهما وصلا «إلى لندن يوم الجمعة 2 مارس (آذار) إلى مطار غاتويك عبر الرحلة رقم (إي يو 2588)، وأمضيا الليلة في فندق قبل التوجه في 3 مارس إلى سالزبري للقيام (برحلة استطلاع)». وأضاف باسو أنه في 4 مارس «نعتقد أنهما لوّثا باب مدخل (منزل سيرغي سكريبال) بنوفيتشوك»، قبل أن يغادرا البلاد عبر مطار هيثرو في اليوم نفسه. وتعرض الجاسوس الروسي السابق المزدوج سيرغي سكريبال الذي يقيم في سالزبري وابنته يوليا التي كانت تزوره، للتسميم في بداية مارس في سالزبري بغاز نوفيتشوك، وهو غاز أعصاب فتاك طوّره الاتحاد السوفياتي السابق خلال الحرب الباردة. وحملت لندن موسكو مسؤولية ما حصل لكن روسيا نفت أي ضلوع لها.
ورداً على هذا التسميم، فرضت بريطانيا وحلفاؤها سلسلة عقوبات بحق روسيا، ثم فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا دخلت حيز التنفيذ في 27 أغسطس (آب)، وتشمل خصوصاً تصدير بعض المنتجات التكنولوجية مثل أجهزة أو معدات إلكترونية، ومبيعات الأسلحة إلى روسيا. لكن واشنطن استثنت من اللائحة عددا من السلع وما له علاقة بالتعاون الفضائي، حماية لـ«مصالح الأمن القومي».
وبعد ثلاثة أشهر على تسميم سيرغي سكريبال وابنته، أصيب بريطانيان بعوارض المرض في إيمزبري القريبة من سالزبري بعد تعرضهما لغاز نوفيتشوك، وتوفي أحدهما. ونُقل تشارلي راولي (45 عاما) وصديقته دون ستورغيس (44 عاما) إلى مستشفى سالزبري، في 30 يونيو (حزيران). وقد أُصيبا بعد أن لمسا زجاجة اعتقدا أن بداخلها عطراً، لكنها كانت تحتوي على غاز نوفيتشوك الفتاك.
وتوفيت ستورغيس وهي أم لثلاثة أطفال، في الثامن من يوليو (تموز). وقد غادر راولي المستشفى بعد ثلاثة أسابيع من الحادثة، لكن في أواخر أغسطس أعيد إدخاله بسبب مشكلات في النظر، حسبما أعلن شقيقه.
وردّت موسكو بقوة على ما وصفتها بـ«محاولة للتلاعب بالتحقيقات» من جانب الأجهزة البريطانية. وقال مساعد الرئيس الروسي للشؤون الدولية، يوري أوشاكوف، إن الكرملين «لا يفهم ماذا أرادت الشرطة البريطانية قوله عبر نشر تقريرها». وقلل أوشاكوف من أهمية المعلومات التي قدمتها الشرطة البريطانية، وقال: «لقد سمعنا اسمين، لكنهما لا يعنيان شيئا بالنسبة لي، كما أنني على ثقة بأنهما لا يقولان لكم شيئاً أيضاً، فضلا عن أن (سكوتلانديارد) أشارت في تعليقها إلى أن هذين الاسمين غير حقيقيين على الأرجح».
وأضاف: «لا أفهم لماذا فعلوا ذلك، وما الرسالة التي يريد توجيهها الجانب البريطاني، فهذا الأمر يستعصي فهمه»، مشيراً إلى أن «المعلومات المزعومة التي تضمنها التقرير ليست بمعلومات وإنما شيء يصعب وصفه. طيب، رأيت هذين الاسمين أنا أيضاً، وماذا بعد؟».
وكان الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، استبق أمس صدور الاتهام البريطاني، وقال إن موسكو تنتظر من لندن «معلومات واضحة ومفهومة على الأقل حول القضية». وأضاف: «لدينا توقعاتنا ونأمل أن نسمع على الأقل شيئاً مفهوماً في هذا الموضوع»، مؤكداً أن «موقف الكرملين لم يتغير، ولا يمكن أن تكون لدينا أي معلومات جديدة، لأن الجانب البريطاني رفض مشاركتنا والتعاون معنا في التحقيق في هذا الحادث».
وكررت الخارجية الروسية أمس موقفاً مماثلاً، وقالت الناطقة باسمها ماريا زاخاروفا للصحافيين: «ظهرت في وسائل الإعلام تصريحات لمسؤولين بريطانيين فيما يتعلق بالمشتبه بهما في قضية سالزبري وإيمزبري، مع ربطهما بروسيا... الأسماء التي نشرت في وسائل الإعلام والصور أيضاً لا تعني لنا شيئاً». وأكدت أن «التحقيق في الجرائم الخطيرة التي تتحدث عنها بريطانيا باستمرار يتطلب تحليلا دقيقا للبيانات وتعاونا وثيقا». واتهمت الخارجية الروسية منظمة حظر السلاح الكيماوي بالمشاركة مع لندن في «التلاعب بالتحقيقات»، ردّاً على تقرير أصدرته المنظمة.
وأكدت فيه أن المادة التي تسمم بها مواطنان بريطانيان في مدينة إيمزبري هي نفسها التي تسمم بها رجل الاستخبارات الروسي السابق سيرغي سكريبال في سالزبري.
وذكرت المنظمة في تقريرها أن نتائج تحليل العينات التي جمعها خبراء المنظمة «أكدت استنتاجات بريطانيا حول طابع المادة الكيماوية التي تسببت بتسمم شخصين في إيمزبري ووفاة أحدهما». لكن مندوب روسيا لدى المنظمة ألكسندر شولغين، وصف أمس تصريحات لندن وتقرير المنظمة بأنها خطوات «استفزازية».
وقال شولغين: «أعلنّا أن روسيا ليست لديها أية علاقة بما حدث في سالزبري. ولا نزال نتمسك بهذا الموقف حتى الآن، ونتعامل مع هذه التصريحات على أنها استفزازية». كما أوضح أنه ثمة وسيلة وحيدة لحل الوضع القائم. وينبغي العودة إلى الإطار القانوني لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية. إذا كان لدى الدولة المشاركة في هذه المنظمة تساؤلات إلى الدولة الأخرى العضو في هذه المنظمة، فإن هناك خيارا آخر يكمن في إجراء مشاورات. إذا لم يرد البريطانيون إجراءها معنا مباشرة، فإنه يمكن التشاور عبر الأمانة اﻟﻔﻨﻴﺔ أو اﻟﻬﻴﺌﺎت الأخرى التابعة ﻟﻠﻤﻨﻈﻤﺔ».
وأشار شولغين إلى أن تقرير المنظمة بهذا الشأن لا يتضمن أي إشارة إلى «نوفيتشوك»، وكذلك الدولة المصنعة للمادة الكيماوية المستخدمة في إيمزبري، كما لا يتضمن تعريفاً لهذه المادة باعتبارها مادة قتالية. - أليكسندر بيتروف ورسلان بوشيروف المتهمان بتسميم سكريبال (رويترز)



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».