ماكرون يستبدل وزيرين مستقيلين من حكومته... ويسعى لاستعادة المبادرة داخلياً

تراجع شعبيته إلى مستويات غير مسبوقة

رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون.
رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون.
TT

ماكرون يستبدل وزيرين مستقيلين من حكومته... ويسعى لاستعادة المبادرة داخلياً

رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون.
رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون.

دأب الرئيس الأسبق جاك شيراك على القول إن «المصائب لا تصل فرادى». وهذا القول اختبر صحته سياسيا في الأسابيع الأخيرة الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، الذي وجد نفسه في مواجهة سيل من الأخبار المحبطة: استقالة نيكولا أولو وزير البيئة، وأكثر وزراء حكومته شعبية الأسبوع الماضي. ولحقته صباح أمس وزيرة الرياضة لورا فليسيل، التي تضاهي أولو شهرة. الثانية بررت استقالتها بـ«أسباب شخصية»، بينما الأول بشعوره أنه «معزول» وعاجز عن تحقيق مشروعاته في حماية البيئة.
وقبل بدء العطلة الصيفية القصيرة مباشرة، أفسدت أيام ماكرون بسبب «فضيحة» حارسه الشخصي المقرب منه ومن عائلته ألكسندر بنعالا، الذي لم يتردد في اللجوء إلى العنف بمناسبة مظاهرة حصلت يوم عيد العمل، فيما لم تكن له أي صلاحية للقيام بذلك. ويذكر الجميع كيف انصبت الانتقادات على ماكرون و«نظامه»، وعلى مساعي المحيطين به للتغطية على فضيحة بنعالا وعدم إبلاغ القضاء عنها كما تنص عليه القوانين النافذة. ثم عادت إلى الواجهة قضية «كامنة» تتناول ألكسيس كوهلر، أمين عام قصر الإليزيه وأقرب مساعدي الرئيس لشبهات باستخدام النفوذ عندما كان موظفا في وزارة الاقتصاد لإفادة عائلة والدته الإيطالية من عقود مع شركة صناعة سفن فرنسية، ومع إدارة مرفأ مدينة لو هافر الواقعة في منطقة النورماندي شمال غربي باريس.
لاستكمال صورة الصعوبات الرئاسية التي تواجه ماكرون، تتعين الإشارة إلى أمرين: الأول، استمرار الجدل بخصوص الشكوك المساقة ضد وزيرة الثقافة فرنسواز نيسان بمخالفتها القوانين المعمارية وتهربها من دفع المتوجب عليها لإنشاءات قامت بها في مقر دار النشر «أكت سود»، التي كانت تديرها وفتح تحقيق تمهيدي بذلك. والثاني تسمية فيليب بيسون، وهو كاتب وصحافي مقرب من ماكرون وزوجته قنصلا فرنسيا عاما في مدينة لوس أنجليس الأميركية، ما اعتبر «مكافأة» له على الكتاب الذي كرسه لماكرون وحملته الرئاسية ربيع العام الماضي تحت عنوان «شخصية روائية»، في الوقت الذي لا يجد فيه سفراء ودبلوماسيون مراكز شاغرة لملئها بسبب كثرة الطلب وقلة الفرص.
هذا العرض البانورامي يقدم صورة مجزوءة عن حقيقة المصاعب التي سبقت ماكرون إلى حصن بريغانسون المطل على البحر الأبيض المتوسط. فقد أثارت رغبته إنشاء مسبح خاص بالحصن يحميه من عيون «الحشريين» كثيرا من التساؤلات، من جهة، حول سياسة التقشف التي يطلبها من الإدارات، ومن جهة ثانية، حول المصروفات غير الأساسية التي يريدها الإليزيه، ومنها مثلا تغيير كامل الأدوات المنزلية من «البورسلين» في القصر الرئاسي مع كلفة لا تقل عن نصف مليون يورو. ثم جاء التخبط الظاهر على أعلى المستويات فيما خص مصير الإصلاح الضريبي الذي كان من المفترض أن يبدأ العمل به مع انطلاقة عام 2019، حيث يتغير النظام المعمول به حتى الآن ويتحول إلى اقتطاع الضريبة مباشرة من الراتب كما هو معمول به في أكثرية البلدان الأوروبية.
وبين شكوك الرئيس في «جاهزية» الإدارة وتأكيدات الوزير المختص، احتار الفرنسيون من يصدقون. وأمس، عقد اجتماع خاص ضم ماكرون ورئيس الحكومة إدوار فيليب والوزير جيرار دارماران للبت به بشكل نهائي ووضع حد لحالة التذبذب التي لا تتطابق مع ما اعتاده الفرنسيون من ماكرون من قدرة على الحسم واستخدام صلاحياته بلا مكابح.
كان من الطبيعي في ظل هذه المعطيات أن تتهاوى شعبية ماكرون. وبالفعل ووفق استطلاع للرأي نشرت نتائجه أمس، فقد خسر الرئيس عشر نقاط ما بين شهر يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، حيث إن أقل من ثلث الفرنسيين يؤيدون عمله على رأس الدولة أو يؤمنون بنجاعة سياساته. والأسوأ من ذلك كله، أن تهاوي شعبيته يطال جميع ألوان الطيف السياسي بمن فيهم حزبه الخاص «الجمهورية إلى الأمام».
ومشكلة ماكرون الرئيسية لا تكمن فقط في الصعوبات الطارئة، ولكن في غياب النتائج الملموسة لسياساته الاقتصادية والاجتماعية. فلا البطالة تراجعت، ولا القدرة الشرائية استقوت، فيما الضرائب ترهق الطبقة الوسطى والوسطى العليا.
ومن جانب آخر، فإن أرباب العمل يطالبونه بالمزيد على ما قام به من إصلاحات وتعديلات سهلت التسريح وألغت ضريبة الثروة، ما جعل اليسار يسميه «رئيس الأغنياء» لما اعتبره من «هدايا» أعطيت لهؤلاء على حساب الآخرين.
لم يكن من مفر أمام ماكرون إلا التعجيل في إجراء التعديل الوزاري وملء المراكز الشاغرة. وكان أمامه أحد الخيارين: إما إجراء حركة تشكيلات واسعة أو الاكتفاء بتعيين وزيرين بدل المستقيلين. وقد اختار الحل الثاني. لكن صعوبته الكبرى كانت في إيجاد رجل أو امرأة، يحل محل نيكولا أولو الذي يعرفه الجمهور الفرنسي ويتمتع بسمعة «بيئية» ناصعة.
وحاول ماكرون إغواء السياسي والآيديولوجي الألماني - الفرنسي الشهير دانيال كوهين - بنديت، الذي تعود شهرته للدور الذي لعبه في أحداث «ربيع فرنسا» لعام 1968 الذي كان أحد أسباب رحيل الجنرال ديغول عن السلطة. لكن يبدو أن اللقاء الذي جمع ماكرون وكوهين - بنديت، المعروف بلقب «جوني الأحمر» نسبة لقناعاته الماركسية السابقة، لم يفض إلى تفاهم حول ما يمكن أن ترسو عليه صلاحيات الأخير في حال سلم وزارة البيئة. وأخيرا رسا الخيار على رئيس البرلمان فرنسوا دو روجي. أما وزيرة الرياضة المستقيلة لورا فليسيل، وهي رياضية معروفة، فقد استبدل بها رياضية أخرى هي بطلة العالم للسباحة لعام 1998 روكسانا ماراسينيانو.
هل ستكفي هذه التعيينات وحسم موضوع الضرائب لإعادة العربة الحكومية إلى السكة السليمة؟ الأمر غير محسوم وفق المحللين الفرنسيين الذين يرون أن الانزلاق من المنحدر أصعب من تسلقه، وأن استعادة ماكرون للمبادرة السياسية واستكمال السير بالإصلاحات التي وعد بها لن تؤتي أكلها نا دام المواطن الفرنسي لا يشعر بأنها تقدم له شيئا في حياته اليومية. وقطعا، ليس استبدال رئيس البرلمان السابق بنيكولا أولو ، أو استدعاء رياضية لتحل محل رياضية أخرى، هو ما سيعيد دفع شعبيته إلى الارتفاع.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».