الموريتانيون يصوتون في انتخابات تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد

يتنافس فيها أكثر من ستة آلاف مرشح و98 حزباً سياسيا

الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)
الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)
TT

الموريتانيون يصوتون في انتخابات تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد

الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)
الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)

صوت الموريتانيون أمس في الدور الأول من الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية، وهي الانتخابات التي سبقتها حملة انتخابية، شهدت تراشقاً إعلامياً قوياً بين معسكر الأغلبية الرئاسية وأحزاب المعارضة، التي تشارك في أول انتخابات تشريعية ومحلية منذ نحو 12 عاماً.
وأغلقت مكاتب التصويت أبوابها في تمام الساعة السابعة من مساء أمس، بينما استمر التصويت في عدد منها بسبب وجود طوابير من الناخبين أمام المكاتب، ثم بدأت عمليات الفرز لاحقاً، على أن يتم الإعلان عن النتائج في غضون أيام.
لكن التصويت شهد بعض المشاكل منذ الساعات الأولى من صباح أمس، خاصة أن نسبة مهمة من مكاتب التصويت، البالغ عددها أكثر من 4 آلاف مكتب، لم تتمكن من فتح أبوابها عند السابعة صباحاً، وهو التوقيت المحدد من طرف اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات لانطلاق عمليات التصويت بشكل متزامن.
وقالت مصادر من داخل اللجنة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» إن تأخر انطلاق التصويت في بعض المكاتب «لم يتجاوز 30 دقيقة» في أقصى حد، مشيرة إلى أن سبب التأخر هو «احتياطات لضمان أكبر قدر من الجاهزية الفنية»، لكن هذا المبرر لم يقنع ممثلي أحزاب المعارضة، الذين احتجوا على هذا التأخر.
وأفادت مصادر كثيرة أن الأمطار الغزيرة والعواصف منعت الناخبين في مناطق جنوبي البلاد من التصويت لعدة ساعات، رغم أن مكاتب التصويت كانت «مفتوحة وجاهزة»، وقد استمر تهاطل الأمطار في بعض هذه المناطق لأكثر من أربع ساعات متواصلة. أما في العاصمة نواكشوط، والكثير من كبريات المدن، فقد بدأت الطوابير تتشكل أمام مكاتب التصويت منذ ساعات الصباح الأولى، ثم تزايد الإقبال مع تقدم الوقت ليصل إلى ذروته في الساعة العاشرة صباحاً، ولم تمنع درجات الحرارة المرتفعة وأشعة الشمس الحارقة المواطنين من البقاء في الطوابير لعدة ساعات من أجل الإدلاء بأصواتهم.
وخلال الساعات الأولى تعذر على الكثير من الناخبين العثور على مكاتب التصويت التي يتوجب عليهم الإدلاء بأصواتهم فيها، وذلك بسبب عمليات نقل وتعديل المكاتب، التي قامت بها اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات قبيل ساعات قليلة من موعد الاقتراع، وقد تسبب ذلك في ارتباك كبير أثر على سير العملية لعدة ساعات، وقد منعت هذه التعديلات بعض الناخبين من التصويت.
وقال محمد فال ولد بلال، رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، في تعليق على هذه المشاكل، التي رفض تسميتها بأنها خروقات، «ليس عندي ما أقوله إلا ما يتردد عادة على لسان الأمين العام للأمم المتحدة عندما يقف عاجزاً عن فعل أي شيء... يقف ويعبر عن أسفه وقلقه أمام الوضع».
وفي رده على مواطنة احتجت على نقل اسمها دون علمها من مكتب تصويت في نواكشوط إلى مكتب في مدينة تبعد 600 كيلومتر شرقي البلاد، قال لها ولد بلال إن اللجنة المستقلة للانتخابات «تعرب عن أسفها وتعتذر لعدم إمكانية فعل أي شيء في الموضوع». ولم يُعرف عدد الناخبين الذين منعتهم مثل هذه «الأخطاء» من التصويت.
وبشكل عام كانت الأجواء داخل مكاتب التصويت هادئة وطبيعية طيلة يوم الاقتراع، كما لم تسجل «حوادث أو خروقات» من الحجم المؤثر على نتائج الانتخابات، وفق ما أكد مراقب محلي ينشط في «المرصد الوطني لمراقبة الانتخابات»، تحدث لـ«الشرق الأوسط» من داخل أحد مكاتب التصويت، لكن هذا المرصد يعد مقرباً من السلطة لأنه تأسس من طرف الحكومة عام 2013.
من جهة أخرى، حضرت بعثة من الاتحاد الأفريقي لمراقبة الانتخابات، وتجول أعضاؤها في مكاتب التصويت بأحياء العاصمة نواكشوط، وحضروا عملية انطلاق التصويت وإغلاق المكاتب وعمليات الفرز، وأعلنت البعثة الأفريقية أنها ستصدر تقريراً في غضون يومين، يرصد الظروف التي جرت فيها الانتخابات.
وتشكل هذه الانتخابات تحدياً كبيراً للنظام الحاكم في موريتانيا، وللمعارضة أيضاً، ذلك أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز يسعى لأن يحافظ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم على «أغلبية ساحقة» في البرلمان، ومن أجل تحقيق ذلك نشط ولد عبد العزيز بشكل شخصي في الحملة الانتخابية، ودعا الموريتانيين للتصويت لصالح الحزب الحاكم، وهي المرة الأولى التي ينخرط رئيس موريتاني في الحملة للانتخابات التشريعية.
من جهة أخرى، يسعى معسكر الأغلبية الرئاسية إلى الحصول على ثلثي مقاعد البرلمان، وهو النصاب الذي سيمكنه من مراجعة الدستور عن طريق البرلمان، وربما فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس ولد عبد العزيز يمنعها الدستور الحالي، ولا تخفي هذه الأحزاب السياسية رغبتها القوية في ترشح ولد عبد العزيز للانتخابات الرئاسية، التي ستنظم بعد أقل من عام.
وبعد أن أدلى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بصوته أمس في مكتب بالقرب من القصر الرئاسي، قال في تصريح للصحافيين «في الساعات الأولى من هذا اليوم الانتخابي المبارك، أغتنم هذه الفرصة لأشكر وأهنئ الشعب الموريتاني على الجو الذي دارت فيه الحملة الانتخابية، الممهدة لهذه الاستحقاقات التشريعية والجهوية والبلدية».
وأضاف ولد عبد العزيز، الذي كان مصحوباً بالسيدة الأولى، أن الأجواء التي جرت فيها الانتخابات «اتسمت بالهدوء والانضباط في كنف الديمقراطية»، مؤكدا أن «النجاح سيكون بحول الله للشعب الموريتاني».
ومباشرة بعد الإدلاء بصوته، سافر ولد عبد العزيز إلى الصين للمشاركة في «قمة بكين 2018. منتدى التعاون الصيني - الأفريقي».
أما المعارضة فتشكل هذه الانتخابات بالنسبة إليها معركة انتخابية «حاسمة» ضد ما تقول إنه «مخططات النظام للاستمرار في الحكم». ويسعى تحالف أحزاب المعارضة إلى النجاح في الحصول على أكثر من ثلث مقاعد البرلمان، ما يعني قطع الطريق أمام خطط معسكر الأغلبية الرئاسية.
لكن في المقابل تعد هذه الانتخابات فرصة لإعادة رسم الخارطة السياسية داخل المعارضة نفسها، وستضع حزب «تواصل» الإسلامي على المحك، وهو الذي استغلّ غياب المعارضة الوازنة عن الانتخابات التشريعية السابقة ليظهر على أنه أكبر حزب معارض في البلاد، من خلال 16 مقعداً في البرلمان.
وشاركت أمس جميع أحزاب المعارضة في الانتخابات، وفي مقدمتها حزب تكتل القوى الديمقراطية، بقيادة أحمد ولد داداه، الزعيم التاريخي والتقليدي للمعارضة في موريتانيا، وهو الحزب الذي يشارك في الانتخابات التشريعية والمحلية منذ أكثر من 12 عاماً.
وإن كانت أحزاب المعارضة الوازنة قد قررت العودة والمشاركة في الانتخابات، إلا أنها تعبر بشكل دائم عن «قلقها» حيال الظروف التي تجري فيها، والتي تعتقد أنها «لن تضمن الحد الأدنى من الشفافية»، وبهذا الخصوص قال ولد داداه في تصريح صحافي عقب الإدلاء بصوته «الداخل الموريتاني شهد منذ الساعات من الاقتراع الكثير من التجاوزات والخروقات، وحدث تزوير فاحش»، مشيراً إلى أن الكثير من رؤساء مكاتب التصويت «ينتمون للحزب الحاكم».
كما وجه ولد داداه انتقادات لاذعة للرئيس الموريتاني، وقال إنه «يجب أن يكون رئيساً لجميع الموريتانيين، وعلى مسافة واحدة من الجميع»، في إشارة إلى انخراط ولد عبد العزيز في الحملة الانتخابية لصالح الحزب الحاكم.
من جانبه، قال رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بلخير، وهو وجه معارض معروف في موريتانيا، إنه «يخشى وقوع عمليات تزوير في الانتخابات»، مشيرا في هذا السياق إلى أن حزبه رصد الكثير من «الخروقات» داخل البلاد.
وأكد ولد بلخير أنه لا يتهم الرئيس الموريتاني بالتورط في هذه الخروقات، «لكن الحزب الحاكم كان يقف وراء الكثير من الخروقات المسجلة»، كما أوضح أنه سينتظر صدور النتائج النهائية لإعطاء موقف «واضح وصريح» من الانتخابات.
ومن المتوقع أن تعلن النتائج النهائية للانتخابات مطلع الأسبوع المقبل، وذلك بسبب تعقيد عملية فرز الأصوات في ثلاث انتخابات متزامنة، هي الانتخابات التشريعية والمجالس المحلية، بالإضافة إلى انتخاب المجالس الجهوية للتنمية، التي تم تشكيلها العام الماضي لتحل محل مجلس الشيوخ، الذي تم إلغاؤه بموجب تعديل دستوري.
واللافت في هذه الانتخابات هو ارتفاع عدد المرشحين الذي وصل إلى ستة آلاف مرشح، وهو رقم غير مسبوق، ترشحوا من بوابة 98 حزباً سياسيا، يتسابقون لنيل ثقة أكثر من مليون وأربعمائة ألف ناخب موريتاني، وقد تسبب هذا التنافس القوي في زيادة الإقبال على صناديق الاقتراع أمس، ما يعني أن نسبة المشاركة ستكون مرتفعة في هذه الانتخابات.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.