الموريتانيون يصوتون في انتخابات تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد

يتنافس فيها أكثر من ستة آلاف مرشح و98 حزباً سياسيا

الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)
الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)
TT

الموريتانيون يصوتون في انتخابات تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد

الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)
الرئيس محمد ولد عبد العزيز يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع وسط نواكشوط أمس (أ.ف.ب)

صوت الموريتانيون أمس في الدور الأول من الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية، وهي الانتخابات التي سبقتها حملة انتخابية، شهدت تراشقاً إعلامياً قوياً بين معسكر الأغلبية الرئاسية وأحزاب المعارضة، التي تشارك في أول انتخابات تشريعية ومحلية منذ نحو 12 عاماً.
وأغلقت مكاتب التصويت أبوابها في تمام الساعة السابعة من مساء أمس، بينما استمر التصويت في عدد منها بسبب وجود طوابير من الناخبين أمام المكاتب، ثم بدأت عمليات الفرز لاحقاً، على أن يتم الإعلان عن النتائج في غضون أيام.
لكن التصويت شهد بعض المشاكل منذ الساعات الأولى من صباح أمس، خاصة أن نسبة مهمة من مكاتب التصويت، البالغ عددها أكثر من 4 آلاف مكتب، لم تتمكن من فتح أبوابها عند السابعة صباحاً، وهو التوقيت المحدد من طرف اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات لانطلاق عمليات التصويت بشكل متزامن.
وقالت مصادر من داخل اللجنة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» إن تأخر انطلاق التصويت في بعض المكاتب «لم يتجاوز 30 دقيقة» في أقصى حد، مشيرة إلى أن سبب التأخر هو «احتياطات لضمان أكبر قدر من الجاهزية الفنية»، لكن هذا المبرر لم يقنع ممثلي أحزاب المعارضة، الذين احتجوا على هذا التأخر.
وأفادت مصادر كثيرة أن الأمطار الغزيرة والعواصف منعت الناخبين في مناطق جنوبي البلاد من التصويت لعدة ساعات، رغم أن مكاتب التصويت كانت «مفتوحة وجاهزة»، وقد استمر تهاطل الأمطار في بعض هذه المناطق لأكثر من أربع ساعات متواصلة. أما في العاصمة نواكشوط، والكثير من كبريات المدن، فقد بدأت الطوابير تتشكل أمام مكاتب التصويت منذ ساعات الصباح الأولى، ثم تزايد الإقبال مع تقدم الوقت ليصل إلى ذروته في الساعة العاشرة صباحاً، ولم تمنع درجات الحرارة المرتفعة وأشعة الشمس الحارقة المواطنين من البقاء في الطوابير لعدة ساعات من أجل الإدلاء بأصواتهم.
وخلال الساعات الأولى تعذر على الكثير من الناخبين العثور على مكاتب التصويت التي يتوجب عليهم الإدلاء بأصواتهم فيها، وذلك بسبب عمليات نقل وتعديل المكاتب، التي قامت بها اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات قبيل ساعات قليلة من موعد الاقتراع، وقد تسبب ذلك في ارتباك كبير أثر على سير العملية لعدة ساعات، وقد منعت هذه التعديلات بعض الناخبين من التصويت.
وقال محمد فال ولد بلال، رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، في تعليق على هذه المشاكل، التي رفض تسميتها بأنها خروقات، «ليس عندي ما أقوله إلا ما يتردد عادة على لسان الأمين العام للأمم المتحدة عندما يقف عاجزاً عن فعل أي شيء... يقف ويعبر عن أسفه وقلقه أمام الوضع».
وفي رده على مواطنة احتجت على نقل اسمها دون علمها من مكتب تصويت في نواكشوط إلى مكتب في مدينة تبعد 600 كيلومتر شرقي البلاد، قال لها ولد بلال إن اللجنة المستقلة للانتخابات «تعرب عن أسفها وتعتذر لعدم إمكانية فعل أي شيء في الموضوع». ولم يُعرف عدد الناخبين الذين منعتهم مثل هذه «الأخطاء» من التصويت.
وبشكل عام كانت الأجواء داخل مكاتب التصويت هادئة وطبيعية طيلة يوم الاقتراع، كما لم تسجل «حوادث أو خروقات» من الحجم المؤثر على نتائج الانتخابات، وفق ما أكد مراقب محلي ينشط في «المرصد الوطني لمراقبة الانتخابات»، تحدث لـ«الشرق الأوسط» من داخل أحد مكاتب التصويت، لكن هذا المرصد يعد مقرباً من السلطة لأنه تأسس من طرف الحكومة عام 2013.
من جهة أخرى، حضرت بعثة من الاتحاد الأفريقي لمراقبة الانتخابات، وتجول أعضاؤها في مكاتب التصويت بأحياء العاصمة نواكشوط، وحضروا عملية انطلاق التصويت وإغلاق المكاتب وعمليات الفرز، وأعلنت البعثة الأفريقية أنها ستصدر تقريراً في غضون يومين، يرصد الظروف التي جرت فيها الانتخابات.
وتشكل هذه الانتخابات تحدياً كبيراً للنظام الحاكم في موريتانيا، وللمعارضة أيضاً، ذلك أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز يسعى لأن يحافظ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم على «أغلبية ساحقة» في البرلمان، ومن أجل تحقيق ذلك نشط ولد عبد العزيز بشكل شخصي في الحملة الانتخابية، ودعا الموريتانيين للتصويت لصالح الحزب الحاكم، وهي المرة الأولى التي ينخرط رئيس موريتاني في الحملة للانتخابات التشريعية.
من جهة أخرى، يسعى معسكر الأغلبية الرئاسية إلى الحصول على ثلثي مقاعد البرلمان، وهو النصاب الذي سيمكنه من مراجعة الدستور عن طريق البرلمان، وربما فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس ولد عبد العزيز يمنعها الدستور الحالي، ولا تخفي هذه الأحزاب السياسية رغبتها القوية في ترشح ولد عبد العزيز للانتخابات الرئاسية، التي ستنظم بعد أقل من عام.
وبعد أن أدلى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بصوته أمس في مكتب بالقرب من القصر الرئاسي، قال في تصريح للصحافيين «في الساعات الأولى من هذا اليوم الانتخابي المبارك، أغتنم هذه الفرصة لأشكر وأهنئ الشعب الموريتاني على الجو الذي دارت فيه الحملة الانتخابية، الممهدة لهذه الاستحقاقات التشريعية والجهوية والبلدية».
وأضاف ولد عبد العزيز، الذي كان مصحوباً بالسيدة الأولى، أن الأجواء التي جرت فيها الانتخابات «اتسمت بالهدوء والانضباط في كنف الديمقراطية»، مؤكدا أن «النجاح سيكون بحول الله للشعب الموريتاني».
ومباشرة بعد الإدلاء بصوته، سافر ولد عبد العزيز إلى الصين للمشاركة في «قمة بكين 2018. منتدى التعاون الصيني - الأفريقي».
أما المعارضة فتشكل هذه الانتخابات بالنسبة إليها معركة انتخابية «حاسمة» ضد ما تقول إنه «مخططات النظام للاستمرار في الحكم». ويسعى تحالف أحزاب المعارضة إلى النجاح في الحصول على أكثر من ثلث مقاعد البرلمان، ما يعني قطع الطريق أمام خطط معسكر الأغلبية الرئاسية.
لكن في المقابل تعد هذه الانتخابات فرصة لإعادة رسم الخارطة السياسية داخل المعارضة نفسها، وستضع حزب «تواصل» الإسلامي على المحك، وهو الذي استغلّ غياب المعارضة الوازنة عن الانتخابات التشريعية السابقة ليظهر على أنه أكبر حزب معارض في البلاد، من خلال 16 مقعداً في البرلمان.
وشاركت أمس جميع أحزاب المعارضة في الانتخابات، وفي مقدمتها حزب تكتل القوى الديمقراطية، بقيادة أحمد ولد داداه، الزعيم التاريخي والتقليدي للمعارضة في موريتانيا، وهو الحزب الذي يشارك في الانتخابات التشريعية والمحلية منذ أكثر من 12 عاماً.
وإن كانت أحزاب المعارضة الوازنة قد قررت العودة والمشاركة في الانتخابات، إلا أنها تعبر بشكل دائم عن «قلقها» حيال الظروف التي تجري فيها، والتي تعتقد أنها «لن تضمن الحد الأدنى من الشفافية»، وبهذا الخصوص قال ولد داداه في تصريح صحافي عقب الإدلاء بصوته «الداخل الموريتاني شهد منذ الساعات من الاقتراع الكثير من التجاوزات والخروقات، وحدث تزوير فاحش»، مشيراً إلى أن الكثير من رؤساء مكاتب التصويت «ينتمون للحزب الحاكم».
كما وجه ولد داداه انتقادات لاذعة للرئيس الموريتاني، وقال إنه «يجب أن يكون رئيساً لجميع الموريتانيين، وعلى مسافة واحدة من الجميع»، في إشارة إلى انخراط ولد عبد العزيز في الحملة الانتخابية لصالح الحزب الحاكم.
من جانبه، قال رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بلخير، وهو وجه معارض معروف في موريتانيا، إنه «يخشى وقوع عمليات تزوير في الانتخابات»، مشيرا في هذا السياق إلى أن حزبه رصد الكثير من «الخروقات» داخل البلاد.
وأكد ولد بلخير أنه لا يتهم الرئيس الموريتاني بالتورط في هذه الخروقات، «لكن الحزب الحاكم كان يقف وراء الكثير من الخروقات المسجلة»، كما أوضح أنه سينتظر صدور النتائج النهائية لإعطاء موقف «واضح وصريح» من الانتخابات.
ومن المتوقع أن تعلن النتائج النهائية للانتخابات مطلع الأسبوع المقبل، وذلك بسبب تعقيد عملية فرز الأصوات في ثلاث انتخابات متزامنة، هي الانتخابات التشريعية والمجالس المحلية، بالإضافة إلى انتخاب المجالس الجهوية للتنمية، التي تم تشكيلها العام الماضي لتحل محل مجلس الشيوخ، الذي تم إلغاؤه بموجب تعديل دستوري.
واللافت في هذه الانتخابات هو ارتفاع عدد المرشحين الذي وصل إلى ستة آلاف مرشح، وهو رقم غير مسبوق، ترشحوا من بوابة 98 حزباً سياسيا، يتسابقون لنيل ثقة أكثر من مليون وأربعمائة ألف ناخب موريتاني، وقد تسبب هذا التنافس القوي في زيادة الإقبال على صناديق الاقتراع أمس، ما يعني أن نسبة المشاركة ستكون مرتفعة في هذه الانتخابات.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.