قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

تحرّك عسكري في العاصمة الليبية يربك خططاً للإصلاح

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس
TT

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

أربك تحرك عسكري جديد في العاصمة الليبية طرابلس، خطط إصلاح سياسية واقتصادية. ودخلت المدينة في صراع جديد، منذ مطلع الأسبوع، عقب هجوم مباغت قامت به قوات عسكرية تضم ألوف المقاتلين، من بينهم رجال كانوا من «النخبة» في عهد معمر القذافي.
وانطلقت قوات تعرف باسم «اللواء السابع»، المدججة بالأسلحة الثقيلة، من تمركزاتها في معسكرات بلدة ترهونة التي تبعد نحو سبعين كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة، ودخلت طرابلس تحت قذائف المدفعية. وانضم إليها عسكريون آخرون، من بلدات وقبائل معروف عنها أنها مناوئة لحكم رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، المدعوم دولياً. ويبدو أن «اللواء السابع» استغل حالة الغضب في طرابلس من سوء الخدمات، ونقص الخبز، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتأخر صرف الرواتب. بالإضافة إلى استمرار سجن قيادات من النظام السابق طوال السنوات السبع الماضية، وأخيراً صدور حكم بالإعدام على نحو خمسين من جنود الجيش، بتهمة قتلهم مسلحين أجانب واثنين من الليبيين في انتفاضة 2011.

أدى اقتحام طرابلس، خلال الأيام القليلة الفائتة، إلى إزاحة خطط بطيئة للإصلاح في ليبيا، إلى خلفية المشهد. فحتى أيام قليلة مضت كان مجلس النواب الذي يعقد جلساته في الشرق الليبي، برئاسة المستشار عقيلة صالح، يسعى لتعديل تشريعات يمكن أن تسهم في الوصول لحل سياسي يفضي لانتخابات عامة، بينما كان المجلس الرئاسي في طرابلس، برئاسة فايز السراج، يبحث تحرير سعر صرف العملة، ورفع الدعم، والحصول على قروض دولية لإنعاش الاقتصاد.
تبدو الأمور معقدة أمام المراقب للتطورات في ليبيا. إذ يفترض أن «اللواء السابع»، تابع للحرس الرئاسي الموالي للسراج. وكان الحرس الرئاسي نفسه في طرابلس، بقيادة العميد نجمي الناكوع، قد تعرّض في السابق للهجوم، على يد ميليشيات موالية للسراج أيضاً. وما زال الناكوع موالياً للمجلس الرئاسي نفسه، لكن غالبية قواته تشتتت، ولم تعد كما كانت عليه في الماضي.
ولا يوجد راهناً وزير للدفاع في حكومة السراج، بعدما دخل العقيد المهدي البرغثي، وزيره السابق، في نزاع معه قبل شهور حول قانونية استمراره في موقعه الوزاري. وعلى كل حال، تسبب هجوم «اللواء السابع»، على العاصمة خلال الأيام الأخيرة في خلط الأوراق من جديد. وقال مصدر في المجلس الرئاسي، إن «قادة هؤلاء العسكريين أصبحوا في حكم المتمردين، وينبغي مواجهتهم بكل السبل».

- تفاصيل ميدانية
مع الساعات الأولى من فجر يوم الاثنين كانت قوات «اللواء السابع» قد دخلت من معظم محاور طرابلس، وسيطرت على مناطق صلاح الدين والسدرة، واجتاحت طريق النصب التذكاري في عين زارة، وسيطرت على مناطق خلة الفرجان والمطار الدولي والهضبة التي يوجد فيها مقر كلية الشرطة، وكذلك منطقة باب العزيزية، التي كانت في السابق مقراً لحكم العقيد معمّر القذافي.
وشوهدت القوات التي يعتمد عليها السراج وهي تتقهقر في اتجاه الشوارع المطلة على بحر العاصمة، ومنها قوات «كتيبة ثوار طرابلس» و«الردع»، وغيرها. وتحت وطأة المفاجأة، أخذ موالون للمجلس الرئاسي يسرّبون أنباء عن أن القوات التي دخلت طرابلس هي قوات تابعة للسراج، بصفته القائد الأعلى للجيش، بهدف القضاء على الميليشيات المسلحة. ومن الجانب الآخر، شرع موالون للمشير خليفة حفتر، الذي يقود الجيش التابع للبرلمان، يروّجون لمقولة أن تحرّك جحافل القوات من ترهونة في اتجاه طرابلس، يجري بتنسيق مع حفتر.
قيادي في اللجان الثورية، التي كان يعتمد عليها القذافي طوال عقود حكمه، يقول إن هذا غير صحيح... فـ«القوات التي دخلت طرابلس لا تتبع السراج، ولا تتبع حفتر». ويضيف «لقد عزّز من مثل هذا الارتباك إقدام وسائل إعلام محسوبة على السراج على الاحتفاء بعرض عسكري كبير قام به (اللواء السابع) والمعسكرات التابعة له العام الماضي، في ترهونة، وكذلك احتفاء وسائل إعلام تابعة لحفتر، بالعرض نفسه. ومنذ ذلك الوقت حاول كل طرف استقطاب قوات (اللواء السابع)...».
ويشير القيادي في اللجان الثورية إلى أن السراج كان ساعة الهجوم، موجوداً في مطار إمعيتيقة، وأن سيارات عسكرية تقدّمت لتأمينه، ونقله على عجل إلى القاعدة العسكرية التي يوجد فيها مقرّ المجلس الرئاسي في بو ستة على شاطئ طرابلس، مع العلم أنه توجد قوات إيطالية في القاعدة نفسها. واستقبل السراج في مقره هذا، مبعوثين دوليين، على الرغم من الاشتباكات والفوضى.
للعلم، ينتمي قادة الأجسام الأربعة الظاهرة على مسرح الحكم في ليبيا، إلى ما يعرف بـ«ثورة فبراير (شباط)» التي أسقطت حكم القذافي بمساعدة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكان هؤلاء القادة الأربعة التقوا في العاصمة الفرنسية باريس برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل ثلاثة أشهر؛ ما أثار حفيظة الإيطاليين. وظهر أن من بين المعتقدات التي تحرك بها الضباط والجنود، من مراكزهم في معسكرات ترهونة، إلى طرابلس، أن «كل هذه أجسام حكم وهمية... وحان الوقت لكي تختفي من المشهد». ويمكن أن يؤدي مثل هذا الطرح إلى مشكلات بين هؤلاء العسكريين، والمجتمع الدولي.
حالياً، يجري بحث إمكانية وقف إطلاق النار، وتجنب إراقة الكثير من الدماء. إلا أن قيادياً كبيراً من منظّمي الهجوم على طرابلس يقول إن هذا ممكن في حالة ما إذا انصاعت ميليشيات العاصمة لمشروع يقضي بتسليم أسلحتها. وهذا يعني سلب السراج مصدر قوته. وبالتالي، يمكن لخصومه في شرق ليبيا وغربها استغلال الوضع لإقصائه عن الحكم.

- أضلاع الميليشيات
ومن أبرز القوى التي ينظر إليها كأضلاع رئيسية للميليشيات في طرابلس «كتيبة ثوار طرابلس» بقيادة هيثم التاجوري و«قوة الردع الخاصة» بقيادة الاسلامي عبد الرؤوف كارا. ويعتمد السراج على هاتين المجموعتين في تأمين العاصمة، مع قوات نظامية تابعة لكل من الجيش ووزارة الداخلية. وما زال لدى غالبية ضباط هذه القوات النظامية، المشتتة والضعيفة، حنين للماضي، ولا سيما، أنهم كانوا في السابق رجال الأمن المخلصين في نظام القذافي. وخلال الساعات الـ24 الماضية، قصفت الفرقة القادمة من ترهونة معسكرات «التاجوري» و«كارا». وكان هذا الأخير محاصراً من محاور عدة. وبالإضافة إلى «كتيبة ثوار طرابلس»، هناك مجموعة ميليشياوية رابعة في العاصمة تعرف باسم «كتيبة الأمن المركزي» بقيادة عبد الغني الككلي وكانت حتى وقت قريب موالية للسراج، لكنها دخلت في خلافات معه في الشهرين الماضيين، وأصبحت شبه معزولة. لهذا؛ يبدو أنها لم تستطع مقاومة قوات «اللواء السابع مشاة» الآتي من ترهونة في العملية الأخيرة.
ما يذكر أنه منذ منتصف عام 2016، كانت ميليشيات طرابلس قد تمكنت من الانفراد بالهيمنة على أمن العاصمة. ويطغى على توجهات قادة هذه الميليشيات تيار ديني يعرف بـ«الوسطي»، وذلك بسبب دخوله في حروب مع قوات محسوبة على المتشددين، من جماعة «الإخوان»، و«الجماعة الليبية المقاتلة»، حيث وقعت مناوشات بين الطرفين قرب مطار إمعيتيقة انطلاقاً من منطقتي تاجوراء والخُمس مرات عدة في الشهور الأخيرة.
وأمام التحرّك المباغت لـ«اللواء السابع»، شعرت قوات حلف «الإخوان» و«المقاتلة» في تاجوراء والخُمس ومصراتة بأنها خارج المشهد، محلياً. وعلى الصعيد الدولي بدا، من خلال تحركات كثير الدبلوماسيين الأجانب والعرب، أن الصورة غير واضحة للجميع. وأن تحرك العسكريين من ترهونة، من الخطوات النادرة التي تتخذها قوات نظامية ليس لديها سند خارجي (دولي، أو إقليمي) يذكر، وذلك منذ هزيمة نظام القذافي في 2011.
وفي غرفة عمليات عسكرية، كانت هناك اتصالات من جانب ضباط أبدوا رغبتهم، لأول مرة منذ إطاحة نظام القذافي، في الانضمام إلى تحرّك ترهونة، والمشاركة في السيطرة على العاصمة. كما تلقّت الغرفة اتصالات من جانب دبلوماسيين غربيين. وكانت هناك رغبة في فهم ما يجري سريعاً. لكن كل دقيقة كانت تأتي بأنباء جديدة تزيد من غموض الصورة.

- القصف الجوي
إذ استخدم عسكريون موالون للسراج سلاح الطيران، انطلاقاً من قاعدة الوطية في محاولة لضرب الخطوط الخلفية للقوات التي تقدمت إلى طرابلس. وجرى بالفعل استهداف معسكرات في ترهونة. وحسب شاهد عيان «القصف طال ميدان المدينة أيضاً، والخسائر البشرية وصلت لعشرين قتيلاً. ووردت بلاغات أخرى بأن القصف لم يحدث الخسائر التي كانت متوقعة لعرقلة (اللواء السابع)».
وتخضع قاعدة معيتيقة، حالياً، لنفوذ قوات تابعة لما يعرف بـ«المنطقة العسكرية الغربية» المعينة من السراج. ويعد البعض خطوة استخدام الطيران الحربي مجازفة، ربما يكون لها تداعيات دولية أيضاً. ويقول مصدر دبلوماسي بهذا الصدد «حتى الآن تعارض كل من فرنسا وروسيا استخدام الطيران الحربي في الاشتباكات. ويبدو أن إيطاليا لديها موقف مغاير».
من ناحية ثانية، نددت قيادات محلية في ترهونة بالقصف الجوي، وحمّلت المجلس الرئاسي المسؤولية. لكن مسؤولاً في المجلس يقول، إنه «يرفض أي عمليات جوية مهما كانت الأسباب... لا وجود لأي نية من الحكومة لاستعمال السلاح الجوي ضد أبناء الشعب».
وهنا لا بأس من الإشارة إلى أنه، بالنظر إلى الماضي، وطوال تاريخ ليبيا، كان المحتلون الأجانب يخشون من البوابة الجنوبية الشرقية لطرابلس، باعتبارها أسهل مدخل لمن يسعى للسيطرة على المدينة. ويتذكر أهالي ترهونة اسم الطيار الإيطالي، كارلو ماريا، الذي قام بقصف بلدتهم أثناء دخول قوات موسوليني لليبيا، في النصف الأول من القرن الماضي.

- تفاصيل عن الاقتحام
من بين مداخلات كثيرة، في مساء يوم الأربعاء وصباح يوم الخميس، مع ضباط يشاركون في قيادة عملية اقتحام طرابلس، يظهر أن هؤلاء كانوا يتبعون طريقاً خاصة، طوال السنوات الثلاث الماضية، ليضمن لهم النمو بعيداً عن أي عراقيل. فقد فتحوا، كقيادات، منذ البداية، خطوط اتصال مع الجميع. واستقبلوا عدداً كبيراً من العسكريين الموالين للنظام السابق، وقاموا بتسليحهم. ويقول أحد المقربين من القذافي، وهو يتابع توغل «اللواء السابع» في العاصمة: «أمراء المحاور معروفون لدينا جيداً... إنهم من النخبة».
وظهر اسم «اللواء السابع» في وسائل الإعلام، بعد اجتياحه طرابلس، بصفتها قوات غير معروفة الولاء. لكن قائداً عسكرياً يقول، إن هذا اللواء منضبط وهو جزء من فرقة عسكرية كبيرة تتمركز في ترهونة، وهذه الفرقة تضم معسكرات كثيرة، والقادة الذين فيها تمكنوا، في السنوات الأخيرة، من العمل في صمت، وجمعوا عتاداً ضخماً من الأسلحة، بما فيها الدبابات والمدرعات والصواريخ.
ويضيف «بداية تجمع هذه القوات بدأ قبل نحو ثلاثة أعوام عن طريق عائلة كبيرة معروفة في ترهونة. وتمكن أربعة أشقاء من العائلة المشار إليها، وأحدهم عسكري من نظام القذافي، من إعادة فتح أبواب المعسكرات التي تعرّضت للقصف من حلف الناتو أثناء الانتفاضة المسلحة في 2011».
هذا، ويحرص معظم قادة «اللواء السابع» على تحاشي الظهور امام الأضواء، وفي المقابل يجري تداول أسماء الأشقاء الأربعة في العائلة الترهونية، باعتبارهم الواجهة، وعلى أساس أنهم هم أول من بدأ في فتح الباب لكل هذه التشكيلات العسكرية... «في البداية جرى الاتفاق مع وجهاء المدينة على ميثاق بأن هذه القوات مكلفة بالدفاع عن ترهونة، فقط، رغم أن هذه القوات تنتمي إلى مدن وقبائل مختلفة».
وساهمت الأرضية في ترهونة لمثل هذا الأمر. فقد كانت المدينة تضم واحدة من أشد كتائب حرس القذافي شراسة. لقد كانت هذه الكتيبة، حتى سقوط النظام القذافي، تضم نحو ألفي عنصر، إلى جانب معسكرات الجيش. ومنذ وقت مبكر أيضاً، أي قبل نحو سنتين، جرى الاتفاق بين قبائل ترهونة وهؤلاء العسكريين، مرة أخرى، على رفض الانحياز لأي طرف من الأطراف المتصارعة في ليبيا، سواءً في الشرق أو في الغرب.
حتى مدينة بني وليد، التي تعد عاصمة لقبيلة ورفلة الكثيرة العدد - التي ما زالت تضم قيادات موالية للنظام السابق، وترفع أعلام الدولة في زمن القذافي - لم تكن تعلم بما يدور في معسكرات ترهونة. ويقول قيادي قبلي من ورفلة «كنا ننسق ونراقب، لكننا لم نعرف بساعة الصفر». وثمة اليوم مخاوف لدى مجموعة المجلس الرئاسي من التحاق قبيلة كبيرة أخرى، هي ورشفانة، بقوات «اللواء السابع». وتعتبر ورشافنة أقرب إلى العاصمة من مدينة بني وليد. ومن جانبه، يضيف القيادي الورفلي «إذا دخلت ورشفانة إلى طرابلس، سندخل لمساعدتهم». إلا أن قائداً عسكرياً في ترهونة يقول إن «اللواء السابع» بدأ منذ يوم الأربعاء في تلقي الدعم، بالفعل، من جهات معروف عنها رفضها «الثورة التي أطاحت القذافي»، ومنها بني وليد وقبائل ورشفانة والأصابعة والمقارحة، وغيرها.
وفي تعليق على الوضع يشرح قائد عسكري قائلاً «ظل (اللواء السابع)، في السابق، منزوياً بعيداً عن أي نزاع، لدرجة أن بعض القوى كانت تسخر من اعتكافه على نفسه داخل معسكراته... ولم يأبه بمن كانوا يتندرون عليه. وسمحت طول فترة الإعداد، بتكديس الألوف من قطع الأسلحة، وبالاستمرار في التدريبات العسكرية في معسكراته». ويتابع أن «أكبر الخسائر العسكرية التي تعرض لها الجيش الليبي والقوى الأمنية في 2011، كانت من بين عناصر هذه المعسكرات، وأن أكبر عدد من الأسرى (على يد زعماء ثورة فبراير) كان أيضاً من بين هؤلاء العسكريين... أعتقد أن خططهم، وتقدمهم، كان محسوباً جيداً؛ حتى لا تتكرر مأساة الماضي».

- بيان «اللواء السابع»
أخيراً، أعلن «اللواء السابع» في بيان، أن العملية العسكرية التي يخوضها في طرابلس «ليست طلباً للسلطة، أو طمعاً في مغانم»، بل أتى «لإغاثة المواطنين المستضعفين والمظلومين من قبل الميليشيات»، وأنه حريص على سلامة العاصمة، وأهلها؛ التزاماً بالعقيدة الوطنية والعسكرية. وتابع أيضاً إنه يطمئن «كل السفارات والشركات والمواطنين الأجانب بأنهم سيكونون تحت حماية الجيش والشرطة».
لكن مع هذا، يسود اعتقاد بأن المجتمع الدولي لن يترك المجلس الرئاسي يواجه مصيره وحده أمام خطط «اللواء السابع» للسيطرة على العاصمة. فلقد استقبل السراج في طرابلس، أخيراً، كلاً من الوزير اللبناني السابق الدكتور غسان سلامة، رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ونائبته للشؤون السياسية الأميركية ستيفاني ويليامز، وجرى خلال اللقاء بحث «معالجات ضرورية» لإنهاء المواجهات المسلحة في العاصمة، بأسرع وقت ممكن، لكن لم تظهر طريقة محددة بعد للتوصل إلى مثل هذه «المعالجات».

- بُعد اجتماعي وقبلي وسياسي
من بين ما قامت به قيادات «اللواء السابع» خلال السنوات الماضية، التفاوض مع حكام طرابلس على إطلاق سراح المسجونين منهم في سجون الميليشيات. وتمكنت حقاً من استعادة مئات عدة من ضباط وجنود كانوا موقوفين بتهمة موالاة النظام السابق.
وبالتزامن مع هذا، عمل قادة «اللواء السابع»، كذلك، على استقطاب عسكريين من زملائهم، وبخاصة أن الجيش الليبي يتميز، تاريخياً، بأن عدداً كبيراً من ضباطه وجنوده، في معظم الوحدات العسكرية والأمنية، ينتمون أساساً إلى مدينتي ترهونة وبني وليد.
وحدث هذا التغلغل لأبناء ترهونة وبني وليد داخل الجيش والأجهزة الأمنية الليبية في أعقاب تولي القذافي الحكم في عام 1969، بل إن نحو ألفي عسكري، ممن كانوا يتمركزون في ترهونة، تحركوا بآلياتهم الثقيلة في «ثورة القذافي» للمشاركة في السيطرة على طرابلس. وكان على رأس كتيبة المشاة في ذلك الزمن، وزير الدفاع فيما بعد، أبو بكر يونس، الذي قتل مع القذافي في سرت. وكانت من أوائل الوحدات التي دخلت طرابلس لتعضيد حكم القذافي منذ بدايته.
وبعد ذلك انتقلت أعداد كبيرة من أبناء ترهونة وبني وليد للإقامة بشكل دائم في العاصمة، مدفوعين بقرب أبنائهم من السلطة آنذاك. واستوطنوا ضواحي الهضبة وتاجوراء، وغيرهما. وتعد هذه في حد ذاتها أرضية خصبة لمن دخلوا خلال الأيام الأخيرة إلى طرابلس.
وحسب كلام مصدر أمني، فإن عدد عناصر معسكرات ترهونة، ومنها «اللواء السابع»، يبلغ نحو سبعة آلاف مقاتل، من بينهم نحو خمسة آلاف من النظاميين، و2000 من المتطوعين المدنيين. ويضيف المصدر، أن معظم عناصر هذه المعسكرات، كانوا أثناء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، من قوات النخبة في «اللواء 32 معزّز» الذي يتسم بالشراسة، وكان يقوده خميس نجل الرئيس الليبي الراحل، قبل مقتله.


مقالات ذات صلة

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

حصاد الأسبوع مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً»

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي،

«الشرق الأوسط» (بغداد)
حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».