قصف جوي طاجيكي على أفغانستان

مقتل زعيم جماعة «خراسان» التابعة لـ«داعش» بغارة في إقليم ننغرهار

انتشار أمني وسط العاصمة كابل عقب هجوم انتحاري الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
انتشار أمني وسط العاصمة كابل عقب هجوم انتحاري الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

قصف جوي طاجيكي على أفغانستان

انتشار أمني وسط العاصمة كابل عقب هجوم انتحاري الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
انتشار أمني وسط العاصمة كابل عقب هجوم انتحاري الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

تعرضت مناطق حدودية في ولاية تاخار الشمالية في أفغانستان إلى قصف جوي من طائرات حربية انطلقت من الأراضي الطاجيكية، بعد قول الشرطة الطاجيكية إن مسلحين من أفغانستان قتلوا اثنين من حرس الحدود الطاجيك، فيما وصف بأنه اشتباك بين مسلحين وجماعات تهريب وحرس الحدود في طاجيكستان في مديرية درقاد الشمالية. وأكد الناطق باسم حاكم ولاية تاخار المحاذية لطاجيكستان وقوع الحادث، لكنه لم يعطِ تفاصيل عن نتائج القصف على المنطقة الحدودية التي يتقاسم فيها البلدان مياه نهر جيحون شمال أفغانستان.
ونقلت مصادر إخبارية عن مسؤولين في الحكومة الأفغانية قولهم إن 6 من عناصر طالبان قتلوا جراء القصف الذي قامت به طائرات عسكرية من طاجيكستان على مناطق حدودية في مديرية درقاد. ونقلت وكالة أنباء محلية أفغانية عن جواد هاجري المتحدث باسم حاكم ولاية تاخار قوله إن اشتباكاً وقع بين مهربي مخدرات ينتمون لطالبان وقوات حرس الحدود الطاجيكية، حيث قتل اثنان من الشرطة الطاجيكية، ما أدى إلى غارة جوية طاجيكية على منطقة جنغل في درقاد صباح أمس، غير أن الناطق باسم الشرطة الأفغانية في إقليم تاخار قال إن هوية المهربين ليست معروفة حتى الآن، مضيفاً أن منطقة جنغل تخضع لسيطرة طالبان منذ عدة سنوات، لكن الناطق باسم الشرطة الأفغانية المحلية قال إن 6 من مقاتلي طالبان لقوا مصرعهم في الغارة الجوية وأصيب 9 آخرون.
فيما أكد المتحدث باسم حركة طالبان ذبيح الله مجاهد، وقوع اشتباك، وقال إنه نشب بين مهربي مخدرات وحرس الحدود الطاجيكي، وإن الطائرة قصفت منطقة غابات يستخدمها المهربون. وقال: «نتحقق من ذلك لأن مقاتلي طالبان لا يسمح لهم بالاشتباك مع دول مجاورة». ولم يتسنَ الوصول بعد إلى مسؤولين في سفارتي روسيا وطاجيكستان في كابل للتعليق. وكانت وزارة الدفاع الروسية نفت أن تكون طائراتها التي تستخدم قواعد عسكرية على الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان لها علاقة بما قيل من قصف جوي على مناطق أفغانية، وجاء النفي بعد ورود أنباء عن أن الغارة الجوية قامت بها طائرات روسية من قواعدها في طاجيكستان.
من جانبها، قالت الحكومة الأفغانية إن زعيم تنظيم داعش في أفغانستان - ولاية خراسان - المدعو سعد أرحبي قتل في غارات تعرضت لها مراكز التنظيم في ولاية ننغرهار شرق أفغانستان مساء أول من أمس.
وذكرت مصادر مطلعة في مديرية الأمن الوطني أن أمير جماعة خراسان، الذي يدعى سعد أرحبي، قتل في منطقة خوجياني، الليلة الماضية.
وأضافت المصادر أن أرحبي، المشهور أيضاً بأبي سيد أوراكزاي، قتل، إلى جانب 9 آخرين من «داعش»، كانوا يرافقونه.
وأصدرت إدارة الاستخبارات الوطنية العامة في أفغانستان بياناً قالت فيه إن 10 من تنظيم داعش قتلوا في الغارات الجوية والبرية على معاقلهم، حيث شاركت القوات الأميركية والأفغانية في هذه العمليات التي تمكن فيها الجيش الأفغاني من القضاء على عدد من مخابئ التنظيم وتدمير عدد من مخازن الأسلحة والذخيرة، حسب بيان إدارة الاستخبارات الوطنية الأفغانية. ولم تورد وكالة «أعماق» التابعة لتنظيم داعش أي تعليق على ادعاءات الحكومة الأفغانية.
وكان العقيد مارتن أودونيل المتحدث باسم القوات الأميركية في أفغانستان، أشار إلى توجيه القوات الأميركية ضربات جوية استهدفت ما سماه «قيادياً كبيراً في منظمة إرهابية معينة»، فيما قال حاكم ننجرهار إن سعد أرحبي هو رابع قيادي في تنظيم داعش في أفغانستان يلقى مصرعه منذ يوليو (تموز) من العام الماضي.
وكان تنظيم داعش اكتسب السيطرة على جزء من إقليم ننجرهار المحاذي للمناطق القبلية الباكستانية واتخذ من هذه المناطق قاعدة انطلاق لأعماله في كل من أفغانستان وباكستان، حيث استهدف بعملياته القوات الحكومية الأفغانية والأقلية الشيعية في أفغانستان وقوات حركة طالبان، كما استهدف مصالح باكستانية في أفغانستان مثل القنصلية الباكستانية في جلال آباد. ورغم قول القوات الأميركية والأفغانية إن عدد مسلحي تنظيم داعش في أفغانستان قد يصل إلى ألفين، فإن بيانات وزارتي الداخلية والدفاع الأفغانيتين خلال أكثر من عامين من المواجهات مع مسلحي التنظيم حملت أرقاماً خيالية عن القتلى، حيث وصلوا إلى ما بين 5 و6 آلاف قتيل، وهو ما يوحي إلى مبالغة كبيرة في عدد القتلى أو احتساب القتلى المدنيين في مناطق القتال على أنهم من التنظيم.
حركة طالبان من جهتها قالت إن القوات الحكومية في ولاية بادغيس شمال غربي أفغانستان انسحبت من قاعدة عسكرية كانت تحاصرها قوات طالبان، كما انسحبت من 9 من نقاط التفتيش والمراقبة في المنطقة.
وحسب بيان أصدرته طالبان على موقعها، فإن مقاتلي الحركة تمكنوا من السيطرة على قاعدة عسكرية في مديرية غورماش بعد قيام القوات الأميركية بسحب بقايا القوات الحكومية في القاعدة. وأضافت بيانات طالبان أن أحد قادة الميليشيا الموالية للحكومة في ولاية بادغيس ويدعى خير الله ولد عبد الجليل، انضم مع مجموعة مؤلفة من 29 عنصراً من الميليشيا لقوات طالبان.

موسكو تعلن تأجيل اجتماع دولي تشارك فيه «طالبان»
- أعلنت روسيا، أمس الاثنين، إرجاء اجتماع دولي حول أفغانستان، كان مقرّراً أن تستضيفه في موسكو في 4 سبتمبر (أيلول) المقبل، ووجّهت دعوة إلى حركة طالبان للمشاركة فيه. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان، إن قرار إرجاء الاجتماع اتّخذ بعد مكالمة هاتفية جرت الاثنين بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والرئيس الأفغاني أشرف غني.
وأضاف البيان أن «الرئيس الأفغاني أيّد من حيث المبدأ فكرة تنظيم لقاء في موسكو؛ لكنه اقترح إرجاءه بسبب حاجة الجانب الأفغاني لبلورة موقف موحّد من هذه المسألة».
وأضاف البيان أن لافروف وغني «اتفقا على العمل سوياً من أجل تحديد موعد جديد للقاء عبر القنوات الدبلوماسية».
وكانت روسيا أعلنت الأسبوع الماضي أنها تحضّر لعقد لقاء دولي حول أفغانستان في 4 سبتمبر دعت إليه حركة طالبان، وذلك غداة إعلان الرئيس الأفغاني عن وقف جديد لإطلاق النار بين قواته والحركة المتمردة.
وخلال هدنة أولى طبقت في نهاية شهر رمضان، تدفّق آلاف المقاتلين إلى المدن في أنحاء أفغانستان؛ حيث تعانقوا مع عناصر الأمن والمواطنين، ما عزّز الأمل بإمكان إجراء محادثات سلام.
وفي أبريل (نيسان) 2017، جمع مؤتمر دولي حول أفغانستان في موسكو ممثّلين أفغاناً وهنوداً وإيرانيين وصينيين وباكستانيين، ومن الجهوريات السوفياتية السابقة الخمس في آسيا الوسطى. ودعت روسيا وحلفاؤها في ختام ذلك المؤتمر حركة طالبان إلى إلقاء السلاح والتفاوض مباشرة مع كابل. وأعلنت موسكو حينها استعدادها لاستضافة المفاوضات الأفغانية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended