ما الذي نبحث عنه في بيوت المبدعين وأماكنهم؟

كل نص إبداعي يراكم خلفه ظلالاً وترجيعات كثيرة

بيت السياب في «جيكور» التابعة  لقضاء «أبو الخصيب» في محافظة البصرة
بيت السياب في «جيكور» التابعة لقضاء «أبو الخصيب» في محافظة البصرة
TT

ما الذي نبحث عنه في بيوت المبدعين وأماكنهم؟

بيت السياب في «جيكور» التابعة  لقضاء «أبو الخصيب» في محافظة البصرة
بيت السياب في «جيكور» التابعة لقضاء «أبو الخصيب» في محافظة البصرة

ليست الأماكن على اختلاف مواقعها وأشكالها وبيئاتها الطبيعية تفصيلاً عابراً في حياة ساكنيها، بصرف النظر عن انتماءاتهم الطبقية والاجتماعية وعن مستوياتهم الثقافية وسلوكياتهم وطرائق تفكيرهم، بل هي جزء لا يتجزأ من هويتهم ومعنى وجودهم وملعب طفولاتهم وصباهم الأجمل. وفي حين أن القلة القليلة من البشر هي التي تفلح، وإن بصعوبة بالغة، في قطع حبل السرة النفسي والوجداني مع الأماكن أو الأوطان، فإن الكثرة الكاثرة منهم تظل على صلة وثيقة بهذه الأماكن، وترى فيها خميرة حيواتها الأنقى والزاد الذي لا ينفد من الذكريات والصور وترجيعات الماضي. وإذا كان الشعراء والمبدعون يتشاركون مع الناس البسطاء في تعلقهم بالأماكن التي سكنوها، فإن ما يضاعف تعلقهم بها هو تحولها المستمر إلى ينبوع ثري من الصور والأخيلة التي لا تكف عن التدفق. ولم تغب العلاقة الجدلية والوثيقة بين المكان والزمان عن أذهان الشعراء والمفكرين حيث ذهب الشاعر والناقد الفرنسي هنري بوسكو إلى القول بأن «الزمان مكان سائل والمكان زمان متجمد». وغير بعيد عن هذه المقولة اعتبر مواطنه غاستون باشلار بأن «المكان في مقصوراته المغلقة يحتوي على الزمن مكثفاً».
لم يكن تعلق العرب من جهتهم بالمكان أقل وطأة من تعلق الشعوب الأخرى. لا بل إن فكرة المكان السائل الذي يتعرض للتبخر التام تحت شمس الصحراء بفعل الترحل المستمر بحثاً عن الماء والكلأ، هي التي رفدت الشعر العربي القديم بذلك الفيض الغامر من الشجن والحسرة والبكاء على أطلال ما تقطع من رغد العيش وهنائه الآفل. والعرب في وقوفهم على أطلال البيوت ومضارب الخيام لم تفتهم الإشارة إلى أن ما يحنون إليه ليس الأماكن المجردة أو الأشياء الجامدة، بل ما علق بالأماكن والأشياء من أرواح ساكنيها وأصواتهم وزفراتهم ووجيب قلوبهم. وهو ما يفسره قول المتنبي: «لك يا منازل في القلوب منازلُ، أقفرتِ أنت وهن بَعدُ أواهلُ»، أو قول قيس بن الملوح: «وما حب الديار شغفن قلبي، ولكنْ حب من سكن الديارا». ما نفتش عنه إذن في الأماكن التي غادرناها، هو ظلال تلك الحيوات الآفلة التي ربطتنا بها ذات يوم مشاعر جياشة أو حب غامر أو ألفة دافئة. وهو أيضاً ذكرياتنا المواراة بظلال الماضي وبريقه الفردوسي. لكن الأمر لا ينحصر بما عشناه نحن بالذات في الإطار الفردي، بل يتعداه إلى تجارب العشاق والقادة الخلاقين والشعراء الذين نتلمس عبر الأماكن التي لازموها بقايا النيران التي اندلعت في دواخلهم وأمدتهم بأسباب الوجد والشغف والتوهج الإبداعي.
ولعل وعي شعراء العالم وكتابه، والعرب من بينهم بالطبع، بأهمية الأماكن وبالصلة الرحمية الوثيقة التي تربطهم بها، هو ما جعلنا نحصل على ثروة طائلة من أسماء البيوت والأماكن وتضاريس الجبال والسهول والأودية والأنهار، إضافة إلى أنواع الرياح ومدارات الكوكب وانفجارات البراكين. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يجمع امرؤ القيس في البيت الأول من معلقته أسماء ثلاثة أماكن مختلفة هي «سقط اللوى» و«الدخول» و«حومل»، لتتبعها في البيت الثاني «توضح» و«المقراة» وما يتبعهما من تكفل الريح بنسج تشكلات الرمال. سيتكرر الأمر كثيراً بالطبع مع النابغة وعنترة والخنساء ولبيد، كما مع قيس بن الملوح وجميل وكثير وعمر وأبي تمام وأبي نواس والمتنبي، حيث سيتحول الكثير من القصائد العربية إلى أرشيف واسع لحفظ جغرافيا الأماكن وأسمائها ومواقعها. وأبلغ دليل على ذلك هو استعانة الباحثين وعلماء الآثار بالشعر الجاهلي لتحديد الموقع الجغرافي الدقيق لسوق عكاظ الشهير. وفي نتاج بابلو نيرودا الشعري، كما في مذكراته، فهرس واسع لأسماء جبال تشيلي وسواحلها وصخورها وحيواناتها ونباتاتها. كذلك هو الأمر في نصوص غارسيا لوركا التي نتعرف من خلالها على معالم غرناطة وإشبيلية وقرطبة وسائر مدن الأندلس والجنوب الإسباني. أما بدر شاكر السياب فقد جعل من قريته الصغيرة جيكور في الجنوب العراقي قرية كونية بامتياز، كما أعطى لساقية «بويب» الصغيرة نكهة ملحمية خاصة تضاهي برمزيتها الأسطورية أعظم أنهار الأرض وأكثرها غزارة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق يتعلق بالسبب الذي يشدنا إلى تعقب آثار البعض دون سواهم من الكتاب والشعراء. وهل أن ذلك الأمر متصل بأولئك الذين احتفوا بالمكان دون سواهم، أم بالأحجام الإبداعية لهؤلاء، أم بمواقفهم وتجاربهم الإنسانية الفريدة؟. من الصعب بالطبع أن نرد شغفنا بزيارة أماكن الأدباء والفنانين ومنازلهم، إذا وجدت، إلى دافع واحد. وقد تتضافر هذه العوامل مجتمعة، أو بعض منها، لتحريك فضولنا ورغبتنا في القيام بذلك. وإذا كان من نافل القول أن نعتبر الشرط الإبداعي على رأس تلك الدوافع، فإننا لا نستطيع في الوقت ذاته أن نغيب الشرط الإنساني المتعلق بفرادة التجربة الحياتية وطابعها المأزقي. وهو ما ينطبق على الشاعر العباسي ديك الجن الحمصي، على سبيل المثال، الذي يندر أن يقوم أحد من محبي الشعر بزيارة حمص دون أن يعرج على المتنزه الذي يخلد ذكرى حبه لـ«ورد» على ضفاف العاصي. والأمر لا يعود، كما أظن، إلى فرادة شعره ونتاجه القليل، بل بسبب غرابة تجربته العاطفية وتمزقه التراجيدي بين غريزتي الحب والموت. كما أن تعلق الكتاب أنفسهم بأمكنتهم ومساقط رؤؤسهم لا بد وأن يصيبنا بعدواه، بحيث نرغب في تتبع الجغرافيا المحسوسة والجزئيات الصغيرة التي وفرت لكتابنا الأثيرين ما يحتاجونه من مناخات الكتابة الخلاقة. وقد نفعل ذلك أيضاً لكي تتاح لنا فرصة المقارنة بين المكان في واقعه المجرد والملموس، وبين المكان منعكساً في مرايا اللغة وسحر التعبير. وهو ما يفسر رغبة الكثيرين منا في التعرف إلى الأماكن التي سكنها محمود درويش، وفي فلسطين على وجه الخصوص. ربما لنعثر على شبه بين قريته «البروة» التي أزالها الاحتلال عن الخارطة، وبين ما في نصوصه من حرقة الروح وتجليات الفقدان. ومن بين عشرات الشعراء العراقيين الراحلين يكاد بدر شاكر السياب ينفرد بكونه الشاعر الذي يتقاطر الشعراء والمثقفون العرب لزيارة منزله في جيكور، والوقوف بالعين المجردة على ما تبقى من سهول أبي الخصيب التي كحلت عيني الشاعر في مطالع صباه، وما تبقى من مجرى «بويب» الضئيل، ومن غابتي النخيل اللتين جعلتا من مطلع قصيدته الشهيرة «أنشودة المطر» أحد أهم مطالع القصائد في الشعر العربي. وما زلت أذكر تلك الزيارة المؤثرة التي قام بها إلى قرية الشاعر عدد من المشاركين العرب في أحد مهرجانات المربد في سبعينات القرن المنصرم، حيث لم يستطع الشاعر الليبي إدريس بن الطيب حبس دموع التأثر لدى إشارة الدليل بإصبعه إلى شباك وفيقة، التي خلدها صاحب «منزل الأقنان» في غير واحدة من قصائده. ولعل أول ما يفكر به زائر باريس هو التعرف إلى المنزل الذي كان يقطنه فيكتور هيجو، والمقهى الذي كان يتردد إليه جان بول سارتر وغيره من رموز الفكر والأدب الفرنسيين. كذلك الأمر بالنسبة للأماكن التي كان يسكنها أو يؤمها جبران خليل جبران وبوشكين وغوته وناظم حكمت وماركيز ونجيب محفوظ وعشرات غيرهم. وفي موسم أصيلة الثقافي الأخير كان أكثر ما دفعني لزيارة طنجة هو التعرف إلى الأماكن التي كان يتردد إليها محمد شكري، وصولاً إلى زيارة المثوى الأخير لصاحب «الخبز الحافي». ولا يتعلق الأمر بالراحلين وحدهم، بل ينسحب على المبدعين الأحياء، من مثل أدونيس الذي حفر اسم قريته قصابين عميقاً في الوجدان الجمعي، بحيث باتت زيارة منزله الريفي في جبال اللاذقية قبلة أنظار العشرات من شعراء العالم ومثقفيه.
قل أن يثير فينا الكتاب الرديئون، بالمقابل، تلك الرغبة الملحة في تأمل الأماكن التي سكنوها، لأن العقم الإبداعي لا يستدرج أحداً إلى مسرحه، ولا تستدعي أشياؤه الصغيرة أن تُقتنى من أحد، ومنازله المتداعية أن تُرمم أو تُحول إلى متاحف ومزارات... أما المبدعون وذوو الأعمال الفذة فنحن نرغب في زيارة أماكن عيشهم بمقدار رغبتنا في قراءة نصوصهم المتميزة. كأننا نريد بذلك أن نقيم صلةً ما بين عبقرية المكان وعبقرية ساكنيه. وكثيراً ما نحدق ملياً في تفاصيل الأماكن والأشياء والمقتنيات لنعثر على الخيط السري الموصل بين اللغة والحياة. كأن روح الكاتب الغائب تُستحضر في هذه الحالة عبر كل ما تحسسته أنامله ذات يوم، وفي كل ما وقعت عليه عيناه من نثار الأشياء العادية التي تفعل فينا فعل السحر. إن كل نص إبداعي جميل يراكم خلفه ظلالاً وترجيعات كثيرة على مستويي الزمان والمكان.ولعل ما يعترينا من مشاعر غريبة ومتناقضة لدى زيارات كهذه، عائد إلى وقوفنا العياني على منشأ النص، وعلى المسرح الذي تم إخلاؤه من جسد المبدع لكي يلبس مع الزمن لبوس الأسطورة.



السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».


إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
TT

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

قبل 4 أيام من إسدال الستارة على هذه الدورة من المهرجان الألماني الكبير، أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة لمقابلة المخرج التركي إلكر تشاتاك. كنت أرغب في طرح أسئلة على المخرج مستوحاة من فيلمه المثير للتفكير وما يدعو إليه. أخبرني المسؤول عن تنظيم المقابلات الصحافية أن المخرج أجرى العديد من المقابلات سابقاً، وربما كنت آخر من يحاوره قبل إعلان النتائج. أحد الأسئلة الواردة هنا يدور حول أهمية الجائزة التي كان يطمح إليها تشاتاك، والتي نالها بالفعل.

مفاجأة كبيرة

إلكر تشاتاك مع بطلَي فيلمه «رسائل صفراء» بعد الفوز في مهرجان برلين (رويترز)

* في بداية الفيلم نتعرّف إلى الزوجين «عزيز» و«دريا» في قمّة نجاحهما. بعد ذلك نراهما يفقدان ما حقّقاه بفعل حادثة. هل يمكن القول إنهما لم يدركا النتيجة التي سيصلان إليها بسبب تلك الحادثة؟ وهل يمكن أنهما لم يتوقّعاها؟

- أولاً، كانت المقدّمة التي اخترتها للفيلم ضرورية ليكون تمهيداً لما قد يحدث لأي فنان، بصرف النظر عن نجاحه، حتى لو كان نجماً. حتى في الغرب، وفي هوليوود، هناك حالات مشابهة تقع لفنانين ينتقدون أوضاعاً تخرج عن الأعراف، ولا بد أنك تعرف ذلك. ما أسرده يحدث في أماكن عدة، هنا في ألمانيا وغيرها من دول أوروبا. فيلمي إشارة إلى ذلك وتنبيه إليه. أما بالنسبة للتوقّع، فيدرك المشاهد أنهما لم يتوقَّعا النتيجة التي ذكرتها؛ لقد كانت مفاجأة كبيرة لهما، وتركت هذا التأثير العميق عليهما وعلى ابنتهما الشابة.

* لا تُخفي في الفيلم ذكر المدينتين الألمانيّتين اللتين صوّرت فيهما العمل. حدّثني عن هذا القرار.

- طبعاً، كان لا بد من ذلك. أردت أن أذكر اسمَي المدينتين اللتين لعبتا دور أنقرة وإسطنبول. لم تهمّني الاختلافات التي قد يدركها المشاهد سريعاً؛ لأنني أردت توظيف اختياري التصوير في ألمانيا؛ فموضوع فيلمي لا يمكن تصويره في تركيا. هذا الاختيار نوع من التأكيد على مضمون الفيلم.

الواقع حاضر

* موضوعك يوحي بأنك استلهمته من حادثة حقيقية، أليس كذلك؟

- رغم أن هناك أحداثاً وقعت لفنانين ومثقفين في السنوات الأخيرة، فإن الفيلم لا يستند إلى شخصية حقيقية أو حادثة معيّنة. إنه استلهام من واقع سائد في أكثر من مكان، كما ذكرت.

* لكن ألا يمكن أن يكون دافعك الأول لهذا الفيلم هو الإشارة إلى هذا الوضع؟

- هو جزء أساسي منه، وليس كله. الحكاية محلّية بالتأكيد، لكن الناتج بطبيعة الحال يعكس وضعاً منتشراً في أكثر من بلد حول العالم، وقد ازداد انتشاره مؤخراً. ومع ذلك، فالفيلم ليس فقط عن النزول من سلّم الشهرة إلى البطالة، بل أردت أيضاً الخوض في موضوع مهم آخر، هو تأثير ذلك على الحياة الزوجية.

* ما نشاهده في وضع العائلة الاجتماعي هو وصف للحال التي وصلت إليها وتأثير ذلك على حياتها الداخلية. بالنسبة إلى الزوجين، يبدو أن كلاً منهما على حق، وهذا واضح من الحوار الذي يتبادلانه، إلى جانب الأجواء التي تصاحب انتقالهما للعيش في منزل والدة «عزيز».

- تماماً، هذا مقصود. كنت أبحث عن حكاية أُبرز فيها العلاقة تحت الضغط. حاولت أن أكون منصفاً: لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام.

* لكن إذا كان هذا هو المقصود، ألا يقع الفيلم في التعميم؟

- لا أعتقد ذلك. في كل أفلامي أطرح أسئلة وأتجنّب الإجابة عنها. أفضِّل ذلك على أن أقدّم للمشاهد جواباً جاهزاً. عليه هو أن يُحلّل ويبحث. لا أرغب في توجيه المشاهد، ولا أريد أن أقول له: هذا ما يجب أن يكون.

الفائز هو الفيلم

المخرج إلكر تشاتاك والمنتج إنغو فليس (أ.ف.ب)

* فيلمك يشارك في مسابقة مهرجان برلين. وهي المرة الأولى لك في المسابقة بعد تقديم فيلمك السابق خارجها «صالة المعلّم» (Teacher’s Lounge). ماذا تعني الجائزة بالنسبة إليك، وبالنسبة لهذا الفيلم؟

- بالنسبة لهذا الفيلم، كما ذكرت، هو إشارة إلى ما يحدث حول العالم هذه الأيام. هناك تطوّرات تقنية نعيشها اليوم قد تؤدي إلى انتشار البطالة وصرف الموظفين من أعمالهم؛ لأن البديل الاصطناعي بات موجوداً. أعني أن المسألة لا تتعلّق فقط بالرقابة، أو منع العمل لأسباب فكرية، بل أيضاً بتطوّرات تمسّ اليوم الكثير من العاملين في شتّى الحقول. علينا أن نكون على وعي بما ستؤدي إليه هذه التعقيدات على المستويات الإنسانية والثقافية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية كافة. أما الجائزة بالنسبة إليّ، فهي تعني مساعدتي على نشر هذه الرسالة. إنها تمنح الفيلم حياة أخرى تتجاوز مجرد المشاركة في المسابقة. إذا فزت، فالفائز الحقيقي هو الفيلم.


«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.