حماس تخسر مليار دولار من تجارة الأنفاق

يتجاوز عددها 400 نفق

حماس تخسر مليار دولار  من تجارة الأنفاق
TT

حماس تخسر مليار دولار من تجارة الأنفاق

حماس تخسر مليار دولار  من تجارة الأنفاق

حولت العاصفة الثلجية التي ضربت الشرق الأوسط هذا الأسبوع، قطاع غزة إلى «فينيسا» جديدة، ولكن بمعايير جديدة، فسكان مدينة غزة اختاروا أن يستغلوا قوارب الصيد للانتقال من منطقة إلى أخرى، بعد السيول والأمطار التي اجتاحت المدينة أخيرا، في مشهد شبهه البعض بقوارب السياح التي تشق المدينة الإيطالية الجميلة.
كانت القوارب تعمل لإنقاذ آلاف المحاصرين في منازلهم جراء السيول التي هدمت منازل وأغرقت أخرى، وجعلت من القطاع بحرا كبيرا.
كان المشهد يختصر إلى حد كبير معاناة الغزيين، الذين لم يجدوا سوى «السخرية المرة» في مواجهة الواقع الأكثر مرارة، وهم يجربون من جديد كل أشكال الحياة البدائية، تحت «الحصار»، بلا كهرباء ولا وقود ولا ماء، بل غرقى في بحر مؤقت في مواجهة البرد، بعد 7 سنوات على حكم حركة حماس. كشفت العاصفة الثلجية، وهي الأقوى منذ سنوات طويلة، عن البنية التحتية الهشة في قطاع غزة، وزادت مأساة الغزيين مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي عن المنازل، وفقدان الوقود اللازم، وهي أزمة مستمرة منذ أكثر من 50 يوما.
بدأت أزمة حماس قبل شهرين بإغلاق مصر للأنفاق، وهو ما منع تهريب الوقود والبضائع والأموال، لكن ذلك ترافق مع تغييرات في ميزان القوى الذي بات يهدد شرعية حماس. ومع تواصل الأزمة وجدت الحركة نفسها في عنق الزجاجة.
وطالما مر حكم الحركة الإسلامية في أزمات مشابهة، لكنها كانت في كل مرة تخرج أقوى من قبل بفضل حلفائها الأقوياء في المنطقة، وقدرتها على توظيف «المقاومة» و«الحصار» بشكل جيد لكسب تعاطف الآخرين وكسر القيود المصرية والفلسطينية، ولكن هذه المرة يبدو الأمر مختلفا.
ويمكن وصف الأزمة الحالية بالأسوأ في تاريخ حماس منذ منتصف 2006، بعدما ضحت الحركة بمعظم حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة، وراهنت على الإخوان المسلمين فسقطوا، ثم خسرت مصر، ووجدت نفسها تحت «حصار» صعب، سياسي ومالي وإعلامي.
وتعكس الحالة المتردية للناس في قطاع غزة وضع حماس الصعب.
وتغط غزة طيلة 18 ساعة في اليوم في ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء، وهو ما أدى إلى كوارث «ارتدادية»، إذ توقفت المضخات عن ضخ كميات المياه اللازمة للسكان، فيما أوقفت بعض المستشفيات عددا من غرف العمليات، والأقسام، بينما تتراكم النفايات وتزداد المكاره الصحية، جراء توقف عمل البلديات.
وتطال الأزمة الحالية كل قطاعات الغزيين تقريبا - إلا الأكثر ثراء - رجال الأمن، والطلاب، والصيادين، والأطباء، والصحافيين، وسائقي التاكسي، والمؤسسات، والوزارات، وجميع الموظفين، والعائلات في بيوتهم.
واستطلعت «الشرق الأوسط» آراء الكثير من أهالي القطاع الذين عبروا عن إحباط كبير بسبب «بدائية» الحياة وصعوبتها.
وقال صحافيون ومهندسون وأصحاب مصانع إنهم لا يستطيعون إنجاز أعمالهم بسبب الانقطاع المتواصل للكهرباء، فيما يضطر مئات الآلاف من الطلبة الفلسطينيين في غزة للدراسة على ضوء الشموع التي طالما جلبت كوارث بإشعالها حرائق أودت بحياة الأطفال.
وعبرت الطالبة في الصف العاشر، أماني أبو شنب، عن مخاوف حول مستقبل العام الدراسي بالنسبة لها بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تضطر هي وأشقاؤها الصغار للدراسة على ضوء الشموع حتى وقت متأخر من الليل.
ولجأت عدة مدارس في القطاع لتركيب لوحات شمسية تعمل على تحويل الطاقة الشمسية إلى كهربائية، لكن هذه التجربة مكلفة للبعض، كما أن مردودها محدود للغاية في فصل الشتاء.
وقال هاشم أبو ريالة (32 سنة): «الأزمات باتت تخنقنا، وتضر كثيرا بالحياة العامة هنا». وأضاف: «في بيتي لا يوجد كهرباء ولا ماء، وقاربي الصغير توقف عن العمل بسبب نقص الوقود». وتابع: «نبدو عاجزين بصراحة».
وتابع: «أنا أسكن في مخيم الشاطئ، حيث يعيش رئيس الوزراء إسماعيل هنية، والمياه تنقطع لأيام طويلة. الأزمة تضرب الجميع هنا». وتقف جهات الاختصاص حائرة وعاجزة أمام شكاوى معظم الأهالي الذين يشاركون أبو ريالة مشاكله.
وقال نقيب الصيادين في غزة، نزار عياش، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يحاول قدر الإمكان توفير كميات محدودة جدا من الوقود للصيادين لكي يتمكنوا من العمل وكسب رزقهم. «الأزمة عامة».
أما المسؤولون في بلدية غزة، فيبررون توقف آبار المياه عن العمل بسبب حاجتها الماسة لكميات كبيرة من الوقود يوميا لكي تتمكن من العمل وضخ المياه للأحياء المختلفة.
وقال مسؤول قسم المياه في بلدية غزة المهندس، رمزي أهل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الآبار في مدينة غزة وحدها بحاجة إلى نحو 3 آلاف لتر سولار يوميا، ونحن لا نملك أي حلول الآن». وأضاف: «لا توجد أي حلول حتى في القريب. الأزمة ستتفاقم في الأيام المقبلة في ظل انقطاع الوقود، والسولار الاحتياطي المخزون لدى البلدية نفد بشكل كامل».
وتحتاج كل بلديات القطاع إلى 900 ألف لتر سولار شهريا لتشغيل مرافقها، وقف تصريحات لوزير الحكم المحلي في حكومة حماس، محمد الفرا. وأدى انقطاع الوقود إلى تعطيل عمل ما يقرب من 205 آبار مياه شرب و42 مضخة للصرف الصحي و4 محطات معالجة مياه للصرف الصحي و10 محطات مركزية لتحلية المياه المركزية، واضطرهم إلى ضخ 50 في المائة من الصرف الصحي دون معالجة إلى شاطئ البحر من خلال الكثير من محطات الضخ وخاصة غرب مدينة غزة.
وكان القطاع مقبلا على ما هو أسوأ من ذلك، إذ لمحت سلطة الطاقة وشركة الكهرباء في غزة إلى إمكانية تراجع عدد ساعات وصول الكهرباء إلى البيوت إلى أقل عن 6 ساعات يوميا. وحذر المسؤول في الشركة جمال الدردساوي، من عدم قدرة الشركة على السيطرة على برنامج 6 ساعات مع دخول فصل الشتاء.
وقال الدردساوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع غزة يعاني من نسبة عجز في الكهرباء وصلت إلى 75 في المائة من نسبة الاحتياجات الفعلية، مؤكدا أنها مرشحة للازدياد إلى 80 في المائة مع دخول فصل الشتاء. وحذر الدردساوي من احتمالية انقطاع بعض الخطوط في حال دخلت المنطقة في منخفضات جوية. ويحتاج قطاع غزة، يوميا، إلى أكثر من 350 ميغاواط، ويستورد من الجانب الإسرائيلي بقيمة 120 ميغاواط، و17 ميغاواط من الجانب المصري، فيما تنتج محطة توليد الكهرباء المحلية ما قيمته 80 ميغاواط، بعجز متفاوت قد يصل إلى 150 ميغاواط. هذا مع وجود الوقود المصري رخيص الثمن. أما اليوم فتوقفت المحطة نهائيا عن توليد الطاقة.
وكانت المحطة تستهلك نحو 400 ألف لتر وقود حتى تولد الـ80 ميغاواط، أما الاحتياجات الأخرى في القطاع فتبلغ 100 ألف لتر يوميا من البنزين والسولار والمازوت.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل توقفت أجهزة غسل الكلى وحاضنات وغرف عمليات في بعض المستشفيات جراء نقص الكهرباء. وحذرت وزارة الصحة في حكومة حماس من نفاد مخزونها الاحتياطي بشكل كامل، ما يعني توقف كل المستشفيات والمرافق الصحية عن العمل، وخاصة أجهزة غسل الكلى وحضانات الأطفال الخدج وغيرها، كما اشتكت من نفاد كميات كبيرة من أنواع الأدوية بسبب إغلاق المعابر.
وكانت «شبكة المنظمات الأهلية» ومنظمات حقوق الإنسان في قطاع غزة حذرت من تدهور الأوضاع الإنسانية لسكان القطاع، مبدية قلقها البالغ من تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي التي تؤدي إلى الاقتراب من «حالة الكارثة الإنسانية، وتمس بشكل خطير بكل المصالح الحيوية للسكان، بما فيها خدمات المياه والصحة البيئية، وخدمات التعليم وكل الخدمات الحياتية اليومية الضرورية».
لكن تدخلا قطريا عاجلا بعد نداءات استغاثة أطلقتها السلطة الفلسطينية وحماس وجامعة الدول العربية، نجحت في التخفيف من حدة الأزمة.
واستأنفت محطة توليد الكهرباء في القطاع، هذا الأسبوع، عملها بعدما سمحت إسرائيل بإدخال كميات من الوقود الصناعي، للقطاع، عبر معبر كرم أبو سالم، كما سمحت بدخول بضائع أخرى، وقالت إنها مددت فترة فتح المعبر لاثنتي عشرة ساعة بدلا من ست ساعات. ويعتقد أن ذلك سيتواصل في الفترة المقبلة.
وسمحت منحة قطرية بشراء الوقود، بعدما خصصت لدفع ضريبة الوقود.
واتفقت القيادة القطرية مع الفلسطينية على شراء الأخيرة للوقود والتنسيق وإرساله إلى غزة لمدة شهر كامل، على أن تحول قطر ما قيمته 10 ملايين دولار، بدل قيمة الضريبة، على كمية الوقود، التي كانت محل خلاف بين السلطة وحماس.
ولا تنهي كميات الوقود التي دخلت إلى غزة الأزمة هناك، لكنها تخففها إلى حد ما. وأعلنت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية بغزة أنه سيجري تشغيل محطة توليد الكهرباء وإدخالها إلى الخدمة بشكل تدريجي، حتى تعود إلى جدول التوزيع السابق بواقع 8 ساعات وصل، و8 ساعات قطع، وبشكل دوري. وبدأت أزمة حماس عندما سقط نظام الإخوان المسلمين في مصر، وأحكم الجيش المصري قبضته على الحدود وأغلق الأنفاق بين مصر والقطاع.
ولا يمكن فصل المنحى السياسي عن أزمة حماس في القطاع، ليس بسبب اتهامها فقط بالتدخل في شؤون مصر، وما قابله من ردة فعل مصرية، ولكن لأن الحركة أيضا رفضت التعاون مع السلطة في رام الله وتبادلتا الاتهامات فوق ذلك.
وتجد حماس صعوبة الآن في ترويج أن ما يحدث لكم (أي للناس) هو «جراء المقاومة» وبفعل «الحصار» الإسرائيلي، خصوصا أن الحركة ما توقفت لحظة عن دعم نظام الإخوان المسلمين في مصر بعد سقوط الرئيس المعزول محمد مرسي بشكل علني ومستفز، كما اتهمت من قبل جهات أمنية وسياسية مصرية، وحتى عبر حركة فتح الفلسطينية بالتدخل في شؤون مصر عبر سيناء.
ولم يطل رد مصر الجديدة، فأغلقت الأنفاق ومنعت تهريب الوقود والبضائع، وجمدت إلى حد كبير العلاقات مع حماس. ويعتقد مراقبون الآن أن حماس تدفع ثمن قراءتها الخاطئة لتطور الأحداث، منذ خسرت سوريا وإيران وراهنت على نظام الإخوان.. من ثم استعدت النظام المصري الجديد.
وفي أقل من عام واحد، خسرت حماس كل الحلفاء: سوريا وإيران والإخوان ومصر، فيما يحدث تغيير بطيء في السياسة القطرية التي طالما راهنت عليها حماس. واليوم لا مال يجود به الحلفاء، ولا أنفاق يمكن من خلالها إنعاش الحركة.
وثمة جدل كبير الآن حول ما إذا كانت حماس قد وقعت في أزمة «تعريف نفسها من جديد».
وخلال الأشهر القليلة الماضية ظهرت إشارات متناقضة لمواقف مسؤولين في الحركة. ظهر البعض أنه مع الإخوان ثم عاد البعض وأظهر رغبة في التقرب من مصر الجديدة، فيما خفف آخرون لهجتهم تجاه الرئيس السوري بشار الأسد، وراح مسؤولون من الخارج يحاولون من جديد مد الجسور مع إيران.
ورصد مركز «كارنيغي» الأميركي لـ«الشرق الأوسط» تراجع شعبية حركة حماس التي تحكم قطاع غزة، مشيرا إلى أنها تواجه الكثير من التحديات الداخلية والخارجية التي تهدد قبضتها على حكم القطاع.
وقال المركز: «إن حظوظ حماس قد تبدلت في عام واحد، حيث تلقت حماس ضربة بسبب الإطاحة بالإخوان المسلمين من حكم مصر، وعزلت عن العالم، في الوقت الذي تواجه فيه تهديدات داخلية وخارجية، وبينما تتفاقم الأوضاع الاقتصادية في غزة، يزداد شعور قادته حماس بالبارانويا ويجدون صعوبة متزايدة في الحكم».
وتحدث التقرير عن محاولات حماس التكيف مع التغييرات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة من حولها، وعجزها عن إعادة تعريف نفسها وسط هذه التحولات الإقليمية الكبرى، وسط تزايد التململ الشعبي وخسارتها الداعمين الأساسيين في المنطقة، وهو ما يعرض للخطر قدرتها على مواصلة حكم قطاع غزة.
ويرفض قادة حماس هذا التوصيف، ويصرون على أن حركتهم قادرة على تجاوز الأزمة، غير أن مفكرين في حماس وغيرها كان لهم موقف مخالف، إذ دعا القيادي المعروف في الحركة يحيى موسى، حركته إلى التحول إلى «حركة تحرر وطني فلسطيني»، وأن لا تبقى هياكلها التنظيمية وأطرها المؤسساتية أطرا تنظيمية إخوانية (الإخوان المسلمين).
هذه الدعوة لإعادة تعريف النفس، تبناها ودعا إليها الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، الذي يرى أنه لم يعد أمام حركة حماس هامش مناورة كاف كما كان عليه الحال سابقا، وكتب يقول: «هناك مخرج مضمون لحماس، لكن يبدو من الصعب أن تلجأ إليه، لأنها تأخرت في اعتماده، وكان يجب أن تستعد له مبكرا حتى في ذروة صعود الإخوان المسلمين، وهو إقامة مسافة كافية بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين، وأن تكون جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية أكثر مما هي امتداد للجماعة. هذه المسافة ضرورية لأنها تستجيب لخصوصية القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني تحتاج وتستطيع الحصول على دعم عربي وإسلامي وإنساني وتحرري على امتداد العالم، ولا يجب أن تحسب نفسها على تيار واحد، بينما هي تستطيع الحصول على دعم جميع التيارات».
وأضاف: «إن المخرج الوحيد المتبقي هو أن تبدي حماس استعدادا جديا وحقيقيا أو تستجيب لمبادرات تدعوها إلى التخلي عن السلطة في غزة، مقابل شراكة سياسية حقيقية في السلطة والمنظمة، ولو اقتضى الأمر اتخاذ مبادرات منفردة في هذا الاتجاه، مثل الاستعداد لنقل السلطة في غزة إلى (هيئة وطنية موثوقة) وليس دعوة الفصائل إلى مشاركة حماس في السلطة؛ تمهيدا إلى الشروع في حوار وطني شامل يستهدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية في سياق إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية من خلال إعادة تعريف المشروع الوطني وإعادة بناء التمثيل والمؤسسة الوطنية الجامعة التي تمثلها منظمة التحرير».
لكن هذا الخيار (أي المصالحة) يبدو الآن في «الثلاجة».
وعلى الرغم من أنه ليس من السهل أن تنهار الحركة الإسلامية في غزة، فإنها دخلت في نفق طويل. وأقر المسؤول الحمساوي غازي حمد بصعوبة الأزمة التي تمر بها حماس، وقال إنها خسرت الكثير من الدعم المالي وما زالت تبحث عن مخارج لذلك.
غير أنه لم يشر إلى حلول يمكن أن تلجأ لها حماس أو كيف تتدبر أمرها. ومع إغلاق «منابع» الدعم الكبيرة، تتلقى الحركة اليوم دعما أقل من قطر وتركيا، لكنه لا يكاد يسد حاجات «الحكم» الذي وصفه يوما رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، بالورطة.
* ماذا خسرت حماس من إغلاق الأنفاق؟
> لم تكن مئات الأنفاق المحفورة تحت الأرض بين غزة ومصر مجرد أنفاق للتهريب وحسب، بل اتخذت هذه الأنفاق صفة المعابر الرسمية، لكنها معابر تحت الأرض، وتحولت مع الزمن إلى مصدر كبير للرزق والثراء، ودخلا مهما لخزينة الحكومة الحمساوية المقالة هناك أيضا.
وكان يدخل عبر هذه الأنفاق يوميا آلاف الأطنان من الوقود والسلع والبضائع المختلفة والأدوية، ومواد البناء، مثل الإسمنت والحديد، هذا غير تهريب السيارات والسجائر. ولا يعرف عدد دقيق للأنفاق، لكن مصادر مختلفة تقول إنها قد تصل إلى 400 نفق رئيسي، وأكثر من ألف فرعي.
والأنفاق متنوعة؛ أنفاق خاصة تابعة لحماس وأنفاق عامة للآخرين. ويكلف حفر النفق الواحد نحو 80 ألف دولار، بحسب حجمه وطوله، وإذا ما عمل بشكل متواصل فقد يصل دخل النفق الواحد إلى 150 ألف دولار في اليوم.
وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «أنفاق حماس تخص الحركة، يعمل فيها رجال محسوبون عليها، وتكون خاصة بتهريب وإدخال ما يخص حماس: سيارات، سلاح، وما شابه، ويتحرك منها رجال حماس أيضا». أما الأنفاق العامة، حسب المصدر، «فهي ملك أشخاص عاديين، ولهم شركاء أحيانا مصريون من البدو، وهذه تخضع لإشراف حماس وتخصص للبضائع والسلع».
وشكلت حماس في الأعوام السابقة لجنة خاصة للأنفاق، مهمتها الإشراف عليها وتحديد الضريبة المناسبة على كل بضاعة مهربة وجنيها من أصحاب هذه الأنفاق. وأعطت هذه اللجنة للأنفاق صفة الشرعية.
وتراقب هذه اللجنة وترصد كل النشاطات والتحركات، وتضع مراقبين على بوابات الأنفاق، وهي مختصة بمنح تراخيص لفتح أنفاق جديدة، وهذه تتطلب قدرة من المتقدم على الوفاء بالتزامات مالية كبيرة، وكثيرا ما قبلت اللجنة منح تراخيص لأنفاق جديدة، وكثيرا ما رفضت ذلك.
وتقدر مصر حجم تجارة الأنفاق بمليار دولا سنويا، بينما يقدرها خبراء اقتصاد في غزة بأقل من ذلك بقليل.
ولكن لا يعرف بالضبط كم تجني حماس من هذه التجارة، وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك «بحسب البضائع»، وأضافت: «بعضها تفرض عليه ضريبة مقطوعة على الكيلو أو القطعة، وبعضها على الطن». وأضافت: «كانت تتقاضى نحو نصف دولار من أصل 80 سنتا هي سعر لتر البنزين عن كل لتر، و8 سنتات عن كل علبة سجائر، و15 دولارا عن كل طن حديد، و10 عن كل طن إسمنت». وتابعت المصادر القول: «بعض السلع مثل السيارات تفرض عليها ضريبة تصل إلى 25 في المائة، و2000 دولار على كل سيارة بدل إذن دخول». وهذا سار على أي بضائع تدخل إلى غزة، بما فيها الملابس واللحوم والعصائر وغيرها. كما تقتطع ضريبة من دخول العمال في الأنفاق.
وقدر مراقبون أن تجارة الأنفاق كانت تسهم بـ15 في المائة من ميزانية حماس، فيما تحصل على دخل آخر من خلال الضرائب التي يدفعها الناس، ناهيك عن الدعم الذي كانت تتلقاه من إيران وسوريا.
غير أن ذلك كله توقف الآن بانتظار كيف ستعيد حماس صياغة الموقف.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.