العرب في وسط سلم الشر السينمائي

الأخيار والأشرار يتقاسمون اللون الرمادي غالباً

كلينت إيستوود ومورغن فريمان في «غير المسامَح»
كلينت إيستوود ومورغن فريمان في «غير المسامَح»
TT

العرب في وسط سلم الشر السينمائي

كلينت إيستوود ومورغن فريمان في «غير المسامَح»
كلينت إيستوود ومورغن فريمان في «غير المسامَح»

يحتاج كل فيلم روائي إلى فريقين من الأبطال: فريق من الأخيار، وفريق من الأشرار. وعندما يضع الكاتب مسودة مشروعه، فإن أول ما يتجه لاختياره هو: من هم أبطال الدراما، ومن هم أشرارها؛ هذا التقسيم موجود عبر تاريخ الدراما بأسره.
في مسرحية سوفوكليس «أنتيغون»، المكتوبة سنة 441 قبل الميلاد، هناك المرأة ذات الإرادة القوية «أنتيغون» في الجانب الأول (مع آخرين)، ووالد زوجها الملك «كريون» الذي تربع على عرش مقاطعة ثيبيس بعد صراع الأخوين إتيوكليس وبولينياكس على السلطة؛ هما وأنتيغون وإسمين هم أبناء الملك الضال أوبيديوس، الذي قتل أبيه وتزوج من أمه، وانتهى مشرداً في ربوع أخرى من اليونان القديمة، حيث مات.
- خير وشر وإنسان
في تلك الدراما، تم تقسيم الأخيار والأشرار: أنتيغون وزوجها هايمون وشقيقتها إسمين من الأخيار، وكريون وبعض حاشيته من الأشرار. وعملياً، سارت كل الأعمال الدرامية أو الكوميدية أو التراجيدية على هذا النحو إلى اليوم. في كل عمل روائي، حتى لو كان من صنف «قصة حب» موضوعة في أبسط لباس من السذاجة، كما وضعها إريك سيغال (ونقلها إلى الشاشة آرثر هيلر سنة 1970)، هناك هذا التقسيم.
في تلك الرواية، جيني الفتاة الفقيرة المصابة بالسرطان، وأوليفر الشاب الآتي من أسرة ثرية، هما الأخيار. والأشرار هم الذين عارضوا حبهما لأسباب طبقية.
ما ساد الأعمال الإغريقية ساد سواها في العصور القديمة، ومسرحيات ويليام شكسبير من بين تلك التي استندت بعزم على هذا التفعيل، كذلك ما دونها من أعمال روائية في القرنين الماضيين وصولاً إلى اليوم.
هذا أكثر من كافٍ للسينما، حين تحاول سرد حكاياتها. بالإمكان أن نأخذ أي فيلم لنرى الوضع نفسه: أبطال من الأخيار، وأعداء من الأشرار؛ المختلف هو أصول تلك الشخصيات. بل موني (كلينت إيستوود) في «غير المسامَح» هو البطل الذي سينتقم مما حدث لامرأة (فرنسيس فيشر) شوهها رجل شرير. في غمار ذلك، سيجد أن شريف البلدة ليتل بل (جين هاكمن)، وصاحب الحانة التي وقعت فيها الحادثة (أنطوني جيمس)، مسؤولان، كذلك رجال الأول؛ موني يبيدهم جميعاً.
مساعداه هما أفرو - أميركي (مورغن فريمان) تم الاعتداء عليه وتعذيبه من قبل شريف البلدة ورجاله، وشاب (جيمس وولفت) بريء من كل ذنب سوى ادعائه أنه قاتل، وذلك لأجل استعراض قوة لا يمتلكها.
في ذلك الفصل الأخير من المشاهد، عندما تبدأ عملية الإبادة، يصرح بطل الفيلم مفصحاً عن هويته: «نعم، لقد قتلت نساءً ورجالاً وأطفالاً، وكل من دب على وجه الأرض، وأنا هنا لقتلك الآن». هذا الإفصاح لتاريخ موني يجعله مجرماً، لكن هذا قابع في تاريخ ما قبل بداية الفيلم؛ في الفيلم ذاته هو بطل يسعى لتحقيق العدالة.
بعض نقاد السينما يعيبون على الأفلام السائدة أنها تمارس لعبة «البطل» ضد «الشرير»، وأنها بالتالي تتشابه في مصادرها، وفي سياقها، كما في نهاياتها. لكن المسألة ليست هكذا على الإطلاق، فالخير والشر موجودان في الأفلام التي تتحدث في الفن والثقافة والإنسان وقضاياه. في فيلم إنغمار برغمان «ساعة الذئب»، نجد ليف أولمن امرأة ذات مقومات إنسانية وعاطفية صادقة، متزوجة من ماكس فون سيدو الذي سيرتكب جريمة قتل دافعها جنسي.
في فيلم كوستا - غافراس «زد»، الأخيار يسار والأشرار يمين. وعندما ووجه بذلك، قام في فيلمه اللاحق «الاعتراف» بتحويل الدفة: الأخيار يمينيون والأشرار يساريون. لكن حتى عندما لا يكون في المنظور العام شرير معين، لنقل كما في «التضحية» لتاركوڤسكي أو «روما فيلليني» لفديريكو فيلليني، فإن هناك شبحاً من الشر الهائم: الحرب النووية (وبالتالي من قد يقوم بها) في فيلم تاركوڤسكي، والنظام الفاشي في فيلم فيلليني.
وفي فيلم ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء» مثالان: الإنسان عدو نفسه، فهو المبتدع والضحية، والتكنولوجيا هي الشر الشامل.
- عرب ومسلمون
السود هم نموذج مختلف آخر من الكيان ذاته؛ إنهم وحوش بشرية جانحة، تتسع عيونها طمعاً باغتصاب النساء البيضاويات في فيلم ديفيد وورك غريفيث «مولد أمة» (1915)، وضحايا تلك الحرب الأهلية التي يدور ذلك الفيلم في رحاها في «ماندينغو» (ريتشارد فلايشر، 1975)، و«مجد» (إدوارد زويغ، 1989)، و«مولد أمّة» آخر (نيت باركر، 2016)، والضحايا هم أبطال بعضهم أقوى من البعض الآخر. وفي فيلم رتشارد فلايشر الذي لم يلتفت النقد إلى أهميته جيداً، هم أضعف من الدفاع عن أنفسهم ضد الأشرار البيض الذين تاجروا بهم، واغتصبوا إنسانيتهم على أكثر من وجه. لكن في نسخة باركر من «مولد أمّة»، المأخوذ عن واقعة حقيقية، هم ضحايا رفضوا الضعف، وقاموا بالعصيان المسلح ضد الغالبية البيضاء ذاتها التي حكمت بمفهومها العنصري حياتهم.
ما يقال عن السود يُقال عن الأقليات الأخرى؛ السخرية من كل ما هو مسلم وعربي لم يبدأ مع ولادة المنظمات المتطرفة في السنوات العشرين الأخيرة أو نحوها، بل وُلدت في أفلام الثلاثينات وما بعد، تبعاً لمفاهيم متوارثة، تم خلالها وضع المسلمين في الصحارى العربية ومدنها في خانة القتلة والسفاحين، والغازين بدافع السرقة أو تنفيذاً لهيمنة قوى خارجية (النازيين على الأخص) ضد قوى خارجية أخرى.
معاملتهم في هذا الإطار لم تختلف عن معاملة عدد كبير من أفلام الوسترن الأميركية للهنود الحمر. هناك في شرق الولايات المتحدة، تم تصنيف المواطنين الأصليين ما بين أخيار (قبائل مؤيدة للبريطانيين قبل استقلال أميركا)، وأشرار (القبائل التي انضمت إلى الفرنسيين)، بالتالي البريطانيون كانوا الأخيار أساساً، والفرنسيون كانوا الأشرار.
ليست كل الأفلام التي دارت في رحى العرب كانت معادية، لكن كثيراً منها كان كذلك. بالبحث اليسير، سنجد أن الصورة الأكثر انتشاراً نتجت عن شكل حياة غير مدنية سادت القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وعن ما عاد به مستشرقون من حكايات فعلية، إما تم تجاوز أسبابها أو أسيء فهم منطلقاتها.
الثياب العربية (الرداء الواسع والكوفية باتت لزاماً لإظهار هوية هذه الشخصية) اعتبرت جزءاً من البداوة غير المتحضرة، بينما هي في الواقع السبيل الصحيح للعيش في الصحراء، حيث لا تنفع الملابس الغربية في تحمل الحر، أو في منح البدن أي حرية في الحركة تتناسب وطبيعة الحياة وظروفها.
وحين كان يتم اختيار عربي ليكون بطل الدراما التي يتعامل معها الفيلم، فإن صانعي المغامرة، كتابة وإخراجاً، سيكشفون الستار لاحقاً على أن هذا العربي المختلف لم يكن عربياً، بل أجنبي الولادة، تاه طفلاً ورباه العرب، فانتمى إليهم لكنه حافظ على قدر من الثقافة الأم، لذلك هو مختلف (كما ورد مثلاً في «الشيخ» لجورج ملفورد، 1921).
- لا يسار ولا يمين
تطلب الأمر كثيراً من السنوات قبل أن تنحسر تلك النظرة، ولو أن البديل - في عدة مرات - لم يكن أقل أذى. بعد كل حرب خاسرة خاضها العرب ضد إسرائيل، تولت بعض الأفلام الهجوم على العرب، وتشويه صورتهم. بعد بدء قيام رأسمال العربي بالخروج من داخل بلدانه إلى العالم، قامت أفلام أخرى («نتوورك» لسيدني لوميت، أو «رولأوفر» لآلان ج. باكولا) بالتحذير من المال العربي الذي سيكبل الإعلام الحر، ويضر بالاقتصاد العالمي، ويترك ذيولاً كوارثية على الديمقراطية والحرية الغربية.
الصورة بدأت تختلف فعلياً في التسعينات، لكن مع عملية سبتمبر (أيلول) 2001، كرّت سبحة أخرى من الأفلام التي صوّرت الخطر الآتي من بلاد العرب، خصوصاً أنها مسيّسة دينياً. لا جدوى، حيال هذا المفهوم، من توفير حقائق مختلفة، لم يكن هناك بد من توفير صورة العربي والمسلم كإرهابي، لكنه بذلك انضم إلى عصابات ومنظمات تركية وروسية وألبانية وكورية وأفغانية. والملاحظ أنه في كثير من هذه الأفلام، وفي كثير من الأفلام التي لا تتعامل مع موضوع الإرهاب، قلما كان العقل الكبير للشر مسلماً.
هو مسلم في فيلم المخرج ذي الأصل الإيراني باباك نجفي «لندن سقطت»، لكنه في أفلام كثيرة أخرى، تتراوح ما بين «داي هارد» (جون مكتيرنن، 1988) و«سكايفول» (سام مندس، 2012)، هو أجنبي، قد يكون ألمانياً أو بريطانياً أو فرنسياً أو صينياً. فالعمليات المعقدة التي تتطلب ذكاءً خارقاً فوق العادة، وإلماماً علمياً بالتكنولوجيا، وقدرة فائقة على التخطيط المنظم، لا يمكن لها أن تكون عربية. التفوق، حتى في الشر، حقوق محفوظة لمرتبة أعلى من القدرات الدماغية. هذه القدرات ليست، كما جاء في تعاليم النازية، من ملكية الأعراق الأدنى، كالشعوب السامية أو الأفريقية على سبيل المثال.
لذلك، يقف العرب في درجات تتوسط السلم؛ هناك من يقودهم، وهم يقودون سواهم في الوقت ذاته. نجد ذلك جلياً في فيلم ستيفن سبيلبرغ «غزاة تابوت العهد» (1981): المصريون يعملون تبعاً لخطط النازيين الألمان؛ الأشرار الأول يتبعهم أشرار صغار، فارسهم العربي يرتدي الأسود ويحمل سيفاً يلعب به مستعرضاً قواه، لكن مهارته تنتهي برصاصة واحدة. المحيطون به من العرب هم أدنى درجة؛ جزء من الديكور الذي يمكن هدمه، كما هدم إنديانا جونز سوقهم العشوائية.
في عداد اتهامات فيلم «نتوورك» لسيدني لوميت للعرب بأنهم ساعون حثيثاً لسلب الأميركيين حريتهم الإعلامية، يورد الكاتب بادي تشايفسكي نماذج من التفكير تنتمي إلى هذا التقسيم من زوايا مختلفة.
هوارد بيل (الراحل بيتر فينش) لديه برنامج «توك شو» يقدّم فيه رؤيته لما يحدث. ذات مرّة، يصرخ في وجوه متابعيه، محذراً من أن العرب سيشترون محطات التلفزيون الأميركية، مما يهدد الحرية والديمقراطية. هو ثائر على هذا الوضع، ويصرخ ناظراً إلى المشاهدين في بيوتهم من خلال الكاميرا التي تصوّره، قائلاً: «أنا ثائر كالجحيم، ولن أحتمل ذلك بعد الآن».
المشهد كاريكاتيري عقيم، لا يمكن له أن يحدث (ولو أن الفيلم ليس خيالاً علمياً)، وطريقة حدوثه بدورها ساذجة، لكن ما يتبع ذلك أهم منه: رئيس المؤسسة التي تملك تلك المحطة، ويؤديه ند بيتي، يطلبه إلى مكتبه، ويلقي عليه خطاباً طويلاً حول وضع العالم اليوم، فيقول له إن العالم لم يعد رأسمالياً أو شيوعياً، ولا يسارياً أو يمينياً؛ ليس هناك من أمّة، ليس هناك من عرب وغير عرب، بل هناك الدولار! ويضيف: «هل تعتقد أنهم في روسيا ما زالوا يقرأون كتاب كارل ماركس؟ إنهم يعملون في الدولار!»، ثم ينتهي ليقول له: «العرب سحبوا أموالهم من أميركا، ونحن نريد إعادتها إلينا».
- الحل الأخير
لا تسل عن دقة ذلك، بل عن الدلالة الكلية للمشهد والوصف الذي وضعه الكاتب تشايفسكي، وأداه الممثل ند بيتي (لا يمت للممثل الأشهر وورن بيتي بأي قرابة)، لما آل إليه العالم فعلياً في أيامنا هذه.
فعلياً أيضاً، فإن شخصية هوارد هي الخيرة، كونها تتحدث بلسان حال الأميركي الغيور على وطنه، والأشرار هم العرب، لكن الشرير الأكبر هو الأميركي الآخر الذي يشجع العرب على الاستثمار في أميركا.
في فيلم أنطوان فوكوا الأخير «ذا إكوالايزر 2» شيء من ذلك الخطاب، يرد على لسان الشرير دايف (بدرو باسكال)، حين يقول موجهاً كلامه إلى روبرت ماكول (دنزل واشنطن)، معترفاً بذنوبه: «لم يعد هناك أخيار وأشرار، لا أعداء، فقط غير محظوظين».
المتحدث الأبيض يعمل لصالح الحكومة، والمستمع الأسود لصالح العدالة الغائبة… لأولئك غير المحظوظين كما يسميهم الأول، والصراع أفلت من أيدي الأبطال والأشرار كذلك، ودخل مناطق رمادية وواقعاً ضبابياً مهيمناً.
بدوره، فإن ماكول هو بمثابة الحل الأخير أمام البشر: أفرو - أميركي يستمد من كبريائه ومن ثقافته حول العالم، ثم من مداركه حول العدالة، أو بالأحرى غيابها، سلاحه لفرض التوازن بين الخير والشر؛ ليس «سوبر هيرو» (وهذا شأن آخر)، بل مواطن يتدخل لإعادة الحق لأهله، إذا ما وجد نفسه ملماً بقضية ما. بذلك، هو سلالة متطوّرة من أيام لم يكن أمام السود أي دور في تقرير مصيرهم إلى دور الفاعل في تقرير مصائر الآخرين (بيض وسود)، مروراً بأيام الثورات التي عاشوها، وأثمرت عن بطولات تناثرت بفعل السنين، لتتبعها حلقة أخرى من فوضى الحياة حولتهم - مجدداً - إلى ضحايا، باختلاف أنهم هذه المرة ليسوا أبرياء تماماً.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)

ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ثيمة العودة تتكرر كثيراً في أفلام المهرجانات والعروض التجارية كل عام.

محمد رُضا (برلين)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».