موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية

بعد حروب الجواسيس وطرد الدبلوماسيين... رزمة تدابير وتحالفات

موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية
TT

موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية

موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية

مع دخول رزمة العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا حيز التنفيذ الأسبوع المقبل، تكون واشنطن توجت «سياسة العقوبات» الموجهة ضد موسكو بإجراءات انتقلت تدريجيا من تدابير «رمزية وسياسية» طالت في البداية شخصيات ومؤسسات مقربة من الكرملين، لتتخذ مسارات موجعة للاقتصاد الروسي وللنظام المصرفي الذي اهتز بقوة أخيرا على وقع الإعلان عن الخطوات العقابية الأخيرة.
وخلافا للمزاج الإيجابي الذي سيطر على أول قمة جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي قبل أسابيع، شكل الإعلان عن رزمة العقوبات الجديدة ضربة قوية لجهود تطبيع العلاقات، فضلا عن أنها شكلت استكمالا لفصول العقوبات السابقة، إذ لم يعد بين البلدين أي ملف سياسي أو اقتصادي أو إنساني لم يتعرض لتدابير حازمة باتت تشكل عقبة كبرى أمام محاولات ترمب تجاوز الخلافات ووضع خريطة طريق للتقارب.
العقوبات الأميركية التي تعددت الجهات التي صاغتها لتشمل وزارة المال والكونغرس والأجهزة الاستخباراتية ومجلس الأمن القومي وأخيرا الخارجية الأميركية، لم تترك ملفا خلافيا إلا وقيدته باستراتيجية الضغوط من الوضع في أوكرانيا والاتهامات لموسكو بزعزعة استقرار البلد، إلى ضم القرم، إلى لائحة «ماغنيتسكي» المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في روسيا، إلى الهجمات السيبرانية إلى سوريا وإيران. ومن الاتهامات بتدبير الهجوم الكيماوي في بريطانيا، وصولا إلى العقوبات التي فرضت أخيرا على خلفية اتهام شركات روسية بالتعاون مع كوريا الشمالية. وخلف كل هذا تقف التهمة الكبرى بالتدخل الروسي في مسار الانتخابات الأميركية عام 2016 التي شكلت أساسا لإعلان رزمة تدابير وصفت بأنها ستكون الأكثر إيلاما من سابقاتها.

«حرب اقتصادية»
جاء إعلان رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميديفيديف أن بلاده تواجه «حربا اقتصادية» من جانب الولايات المتحدة، ليضع المواجهة القائمة في إطار جديد بعدما كانت سبقتها «حروب» متعددة الأشكال.
ومنذ أن أطلق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما «الحرب الدبلوماسية» في نهاية العام 2016 عبر طرد مئات الدبلوماسيين الروس، ووضع قيود صارمة على عمل بعض الممثليات الروسية في مدن أميركية كبرى، مرت علاقات البلدين بمرحلة وصفها الرئيس الروسي بأنها أسوأ من الحرب الباردة. لم تهدأ خلال هذه الفترة الخطوات التصعيدية من الجانبين، وغدت حرب الجواسيس العام الماضي علامة فارقة لأن العلاقات استعادت بقوة خلالها روح الحروب الباردة والمواجهة بين قطبين كبيرين. كما أن المواجهة الإعلامية اشتعلت بشكل غير مسبوق، ولا يكاد يمر أسبوع من دون دخول المستوى السياسي لدى البلدين على خط تكذيب معطيات تروج في وسائل الإعلام، فضلا عن القيود التي فرضها البلدان على عمل صحافيين وإغلاق صفحات ومؤسسات إعلامية باتت توصف لدى الجانبين بأنها تدخل تحت طائلة قوانين «العملاء الأجانب».
لكن «الحرب الاقتصادية» تشكل وفقا للخبير في المعهد العالي للاقتصاد ليونيد ايسايكين أخطر حلقات المواجهة القائمة. وأبعدها تأثيرا. لأنها «لم تعد تقتصر على مبدأ المعاقبة بهدف الردع، بل دخلت مرحلة السعي إلى تقويض النظام الاقتصادي والمالي في روسيا» في إشارة إلى رزمة العقوبات الأخيرة التي وصفت بأنها ستؤدي في حال التطبيق الحازم لها إلى إصابة النظام المصرفي الروسي بحالة من الشلل.

عقوبات مؤلمة
حذرت موسكو من أنها ستضطر للرد بقوة إذا مضت واشنطن في تطبيق إجراءات مثل حظر أنشطة المصارف الروسية في الولايات المتحدة أو تقييد استخدام الدولار في تعاملاتها.
وكان عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة قدموا في 03.08.2018 مشروع قرار للكونغرس يحمل عنوان «حماية الأمن الأميركي من التدخل الروسي» وينص على فرض عقوبات رادعة بينها حظر التعاملات المالية في الولايات المتحدة وتجميد أصول أكبر سبعة مصارف حكومية روسية، أبرزها «سبيربنك» (بنك الادخار الوطني) و«في تي بي» (بنك التجارة الخارجية) و«في إيه بي» (بنك الاقتصاد الخارجي) و«بروم سفياز بنك» (بنك الصناعة والاتصال).
ومنع المصارف الروسية من إجراء تعاملات بالدولار عبر المصارف الأميركية الوسيطة. ويشتمل مشروع القانون حظرا على شراء سندات دين روسية جديدة.
بعد ذلك بأيام أعلنت الخارجية الأميركية لائحة عقوبات أخرى على خلفية اتهام روسيا بتسميم العميل المزدوج في بريطانيا، وشملت العقوبات في مرحلتها الأولى قيودا على صادرات مهمة مثل محركات الطائرات وتوربينات الغاز والمعدات الكهربائية والمكونات الإلكترونية، وكل التقنيات التي تدخل ضمن تصنيف «الاستخدام المزدوج» فضلا عن فرض قيود على التعاون بين البلدين في مجال الفضاء وبيع تقنيات الطيران.
ومنحت واشنطن الروس مهلة 90 يوماً ولوحت بمرحلة ثانية من رزمة العقوبات الحازمة في حال لم تقدم موسكو «ضمانات حقيقية» بعدم استخدام أسلحة كيماوية أو بيولوجية، ورفضت قيام المفتشين الدوليين بزيارة منشآتها الكيماوية. في هذه الحال تنذر العقوبات الجديدة بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل أكبر، ومنع الناقل الحكومي الرسمي «ايروفلوت» من القيام برحلات الطيران بين موسكو والولايات المتحدة الأميركية وتجميد التبادل التجاري بين البلدين تماما تقريبا. بالإضافة إلى فرض حظر على تعاملات اثنتين من أضخم الشركات الحكومية الروسية في مجالي صناعة الألمنيوم واستخراج وبيع الماس الخام. بذلك تستكمل دورة العقوبات الأميركية إحكام الطرق على كل مجالات التعامل الروسي الخارجي تقريبا باستثناء إمدادات الغاز والنفط التي باتت تشكل الخط الأحمر الأخير الذي يدافع عنه الكرملين.
ووفقا للنسخة الروسية من «فوربس» ستؤثر العقوبات الجديدة على جميع الشركات الروسية المملوكة للدولة تقريباً، والتي تستحوذ، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، على نحو 70 في المائة من الاقتصاد الروسي و40 في المائة من إجمالي القوى العاملة.

روسيا تلوح برد مؤجل
جاء إعلان سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي، أن موسكو تدرك حتمية التوسيع المستمر للعقوبات الأميركية ضدها، ليؤكد أن موسكو لم تعد تراهن كثيرا على قدرة الرئيس ترمب على مواجهة خصومه الداخليين وإطلاق مسار تطبيع العلاقات.
ولفت نائب الوزير إلى أنه مع الأخذ في الاعتبار «الهستيريا المعادية لروسيا التي اجتاحت الولايات المتحدة، واكتسبت الآن نطاقا لا سابق له» علينا أن ننطلق من حتمية استمرار توسيع قوائم العقوبات وعثور واشنطن على أشكال متطورة على نحو متزايد لهذه التدابير في محاولة لإجبارنا على التخلي عن نهجنا المستقل الذي يلبي مصالحنا، في الساحة الدولية. إلا أنه استدرك فقال بأن «ردود فعلنا متزنة ونتصرف وفقا للتوجيهات التي نتلقاها من قيادة البلاد». في إشارة إلى أن الكرملين لا يبدو متسرعا جدا في تأجيج المواجهة بإجراءات مقابلة. ورغم ذلك أشار ريابكوف إلى أن روسيا تدرس فرض تدابير جوابية على توسيع العقوبات الأميركية.
في أي حال يرى خبراء روس أن بوتين سيكون مضطرا لإعلان رد في حال تبنى الكونغرس قانون العقوبات المالية الجديد، وأن المماطلة في إعلان الرد تهدف إلى دراسة الخطوات التي يمكن أن يقوم بها ترمب لتخفيف تداعيات العقوبات. ووفقا لرئيس رابطة رجال الأعمال الصغيرة والمتوسطة فإن تداعيات فرض عقوبات على النظام المصرفي والمالي الروسي ستؤدي إلى عواقب وخيمة على النظام المالي الأميركي نفسه، لأنها تزيد من تدهور التعامل بالدولار الأميركي كعملة للتعاملات التجارية عالميا، وتدفع بلدان أكثر إلى البحث عن بدائل للدولار.
ووفقا للمحللين الاقتصاديين في شبكة «أر بي كيه» المتخصصة فإن الخطوات التي يمكن أن تتخذها موسكو للرد على العقوبات الجديدة بينها ما هو «مؤلم» للأميركيين أيضا. وبرغم أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وواشنطن ليس كبيرا نسبيا ولا يزيد حاليا عن عشرة مليارات دولار. لكن ميزان التبادل المائل لمصلحة روسيا بنسبة أكثر من 60 في المائة يشتمل على صادرات حيوية جدا للشركات الأميركية، وفي حال تعرضت الصادرات لهزات فإن قطاعات أميركية مهمة سوف تتأثر.
ويدخل ضمن الصادرات الروسية النفط ومكوناته وخصوصا البنزين، ويستحوذ على نحو نصف صادرات روسيا إلى الولايات المتحدة. كما أن روسيا تصدر الوقود النووي ومواد خام تدخل في صناعة التقنيات النووية وهذه برغم أن حجمها لا يزيد عن مليار دولار واحد لكن الصادرات الروسية تغطي جزءا مهما من حاجة شركات أميركية مهمة. لكن الأهم هو صادرات روسيا من مادة التيتانيوم التي تدخل في صناعة أجسام الطائرات. وتكفي الإشارة إلى أن عملاق صناعة الطيران الأميركي «بوينغ» يستورد ثلث حاجته من هذه المادة من روسيا، وفي حال شملت عقوبات جوابية روسية هذه المادة فهذا يعني أن بوينغ ستتعرض لأضرار لا يمكن تعويضها سريعا.
أيضا تعتمد شركات الفضاء الأميركية على صادرات روسيا من تقنيات تدخل في صناعة محركات الصواريخ الفضائية. وبرغم أن الطرفين غير مرتاحين للتعاون في هذا المجال لكنهما لا يجدان بدائل عنه في الوقت الراهن. ويبرز عدم ارتياح روسيا في مسألة أن محركات الصواريخ الروسية المنشأ تستخدم في أميركا لنقل وسائل عسكرية وأقمار تجسس أميركية وغيرها من التقنيات الموجهة في قدر منها أصلا ضد مصالح روسيا. بينما يبرز عدم الرضا الأميركي في اضطرار الشركات الأميركية إلى الاعتماد على تقنيات روسية في مسألة حساسة مثل هذه. وكانت واشنطن بدأت في وقت سابق تجربة بدائل أميركية بالاستناد إلى تقنيات صاروخ «تشالنجر» التي تم تجميد مشروع تطويرها في سنوات سابقة بعد كارثة سقوط هذا الصاروخ في العام 1986.
وثمة صادرات روسية أقل أهمية مثل المواد الغذائية وخصوصا منتجات البحار والمحيطات، لكنها تدخل أيضا ضمن احتمالات الإجراءات الجوابية الروسية.
وعلى الصعد الأخرى ثمة خطوات يمكن أن تتخذها موسكو وفقا لمحللي مركز دراسات الاستراتيجيات العسكرية بينها الانسحاب من بعض الاتفاقات الموقعة مع الأميركيين ما يطلق يد موسكو في تطوير قدرات صاروخية أو نووية مجمدة حاليا.
ويبدو أن المسار الذي بدأت موسكو دراسته لتطوير رد قوي يعتمد على تقليص التعامل بالدولار استباقا لتعزيز العقوبات على النظام المصرفي الروسي. وفي هذا المجال تدخل التفاهمات الروسية مع عدد من حلفاء روسيا التجاريين للانتقال تدريجيا إلى الاعتماد على العملات المحلية في التجارة البينية. وبرغم أن هذا المسار طويل ومكلف وفقا لخبراء معهد الاقتصاد العالي لكن موسكو تسعى إلى حشد تأييد من جانب شركائها التجاريين مستفيدة من تضرر الصين وتركيا وإيران وعدد كبير من الدول الأوروبية بفعل سياسة العقوبات الأميركية.

اتفاق بلدان حوض قزوين... حاجة إقليمية لمواجهة واشنطن
- جاء توقيع رؤساء دول حوض بحر قزوين اتفاقا تاريخيا أخيرا، حول الوضع القانوني للبحر، وكيفية استغلال ثرواته، بعد خلافات استمرت لعقود، ليظهر أن سياسة واشنطن دفعت الأطراف إلى تذليل خلافاتها مؤقتا والسعي إلى توحيد جهودها لمواجهة ضغوط واشنطن المتزايدة.
ووفق الاتفاقية الجديدة، فإن المنطقة الرئيسية لسطح مياه بحر قزوين ستبقى متاحة للاستخدام المشترك للأطراف، فيما ستقسم الدول الطبقات السفلية وما تحت الأرض إلى أقسام متجاورة بالاتفاق فيما بينها على أساس القانون الدولي. وستتم عمليات الشحن والصيد والبحث العلمي ووضع خطوط الأنابيب الرئيسية وفقاً للقواعد المتفق عليها بين الأطراف عند تنفيذ مشاريع بحرية واسعة النطاق، ويراعى العامل الإيكولوجي بالضرورة. وتحدد الاتفاقية أيضا الحكم المتعلق بمنع وجود قوات مسلحة للقوى الأجنبية الإقليمية والدولية في بحر قزوين، وتحدد الدول الخمس لبحر قزوين المسؤولة عن الحفاظ على الأمن البحري وإدارة موارده.
وكان لافتا تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الوثيقة تضمن الوضع السلمي لبحر قزوين، واصفا إياها بالنموذج الناجح للعمل المشترك في الظروف العالمية الصعبة. وأشار إلى أن الاتفاق يضمن حل المسائل الحيوية بالنسبة للمنطقة على أساس الإجماع، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الأطراف المشاركة فيه. وشدد على أن دول المنطقة ترغب في تعزيز التعاون بين مخابراتها، بما في ذلك في مجال السياسة الخارجية.
بينما وصف الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزاربايف الاتفاق بأنه «دستور لبحر قزوين سيضمن الأمن في المنطقة». وأشار إلى تفاهم الأطراف على إبرام اتفاق منفصل بشأن إجراءات الثقة المنسقة في مجال النشاط العسكري. وستسمح هذه الوثيقة بضمان توازن السلاح في بحر قزوين، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف وتوحيد جهودنا الهادفة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
أما الرئيس الإيراني حسن روحاني فدعا الدول الخمس المطلة على بحر قزوين إلى تأسيس منظمة للتعاون الجمركي، والاستثمار المشترك، وتعزيز البنى الاقتصادية بينها. وأضاف: «إن إيران على استعداد لتفعيل التجارة بين الشمال والجنوب»، متابعا «ونرى أنه من المناسب أيضا تشكيل لجان للمؤسسات السياحية، ونقل الطاقة». وأشار بشكل خاص إلى أن «الاتفاق حول الوضع القانوني لبحر قزوين وينص على حظر نقل الشحنات العسكرية للدول غير المطلعة على البحر عبره».
تعكس طبيعة الاتفاق الذي لم يشتمل على حل كل القضايا الخلافية بين الدول وأحال الخلاف على تقاسم البحر إلى نقاشات مستقبلية أن الأطراف فضلت وضع تصورات مشتركة لتعزيز وضعها الاقتصادي والأمني والعسكري على خلفية حال عدم الاستقرار العالمي حاليا. وهذا يلبي مصالح روسيا وإيران تحديدا كون البلدين دعوا أكثر من مرة في السنوات الماضية إلى منع تعزيز الوجود العسكري والأمني والاقتصادي لواشنطن في هذه المنطقة.

محور روسي تركي ألماني
وبالتوازي تحدثت وسائل إعلام روسية عن سعي موسكو لتعزيز نشاطها في اتجاه بناء محاور إقليمية ودولية لتعزيز قدراتها في مواجهة واشنطن بالإفادة من تنامي مشاعر الاستياء لدى عدد من الشركاء الأساسيين مثل تركيا التي تعرضت لعقوبات أميركية مماثلة وألمانيا التي باتت تخشى أن تؤثر العقوبات الأميركية على روسيا وعلى إيران على استقرار إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا.
وتحدثت صحيفة «كوميرسانت» التي يمولها «غاز بروم» عملاق الغاز الطبيعي القريب جدا من الكرملين، عن سعي الكرملين لإقامة ما وصفه «محورا جديدا يضم تركيا وألمانيا وروسيا» وقالت بأنه سيشكل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية «محور شر جديدا».
ونقلت عن مصادر قريبة من الكرملين أن ثمة فهما مشتركا للحاجة إلى تقارب واسع بين البلدان الثلاثة، التي باتت تخشى جديا تداعيات السياسة الأميركية. ووفقا للسفير الروسي في أنقرة، أليكسي يرخوف فإن العقوبات الأميركية حفزت التقارب في المثلث الروسي - التركي - الأوروبي. وهو نفس التوجه الذي ركز عليه أخيرا وزير الخارجية التركي الأسبق يشار ياكيش بإشارته إلى أن «تعاون روسيا وتركيا وألمانيا، البلدان التي تعاني من السياسة الأميركية أكثر من البلدان الأخرى في العالم بالغ الأهمية حاليا، برغم أن الصعوبات التي تواجهها كل دولة في التعامل مع الولايات المتحدة ذات طبيعة مختلفة».
بينما قال مدير معهد «قرن تركيا الحادي والعشرين» جاهد أرماغان ديليك بأن قضايا الطاقة تقرب موسكو وأنقرة وبرلين. وهو أمر اتفق معه البروفسور أنطون فيدياشن، من الجامعة الأميركية بواشنطن، في استطلاع للرأي أجرته الصحيفة في أوساط الخبراء، وقال بأن «المقاومة المشتركة للسياسة الأميركية، من جانب روسيا وألمانيا وتركيا والصين، يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية لكل من هذه الدول». ولكن من غير المستبعد، وفقا له، أن «يؤدي هذا النجاح نفسه على المدى القصير إلى جولة أشد من المواجهة» مع الولايات المتحدة، حيث سيستعر الصراع السياسي الداخلي مع اقتراب موعد انتخابات منتصف المدة في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.
«سباق تسلح» يسابق «الحرب الاقتصادية»
شكل توقيع الموازنة العسكرية الجديدة في الولايات المتحدة مصدر قلق إضافيا لموسكو التي رأت فيها تحديا جديدا في ظروف المواجهة القائمة.
وقال نائب الوزير سيرغي ريابكوف بأن قانون الموازنة الذي وقعه الرئيس ترمب ونص على منح الأغراض العسكرية نحو 720 مليار دولار، يشكل «نطاقا غير مسبوق للإنفاق العسكري، ومن المقلق أيضا أن نص قانون الموازنة يتضمن أحكاما تشكك في تنفيذ عدد من الاتفاقات الروسية الأميركية الثنائية في مجال الحد من التسلح. ونحن نعتقد أن هذه ليست طريقة للعمل على حل المشاكل التي نتجت إلى حد كبير عن الإجراءات غير المسؤولة من الجانب الأميركي».
ولفتت وزارة الدفاع الروسية إلى أن قانون الموازنة الأميركي الجديد نص أيضا على اتخاذ عدد من الإجراءات لردع روسيا. ومن بين أمور أخرى يمدد القانون حظر التعاون بين البنتاغون ووزارة الدفاع الروسية باستثناء قنوات للحوار وقناة الاتصال لتجنب وقوع حوادث في سوريا.
ويحظر القانون أي عمليات أو خطوات قد يكون من الممكن اعتبارها اعترافا بانضمام القرم إلى روسيا. كما يقضي القانون بزيادة المساعدات العسكرية لأوكرانيا إلى 250 مليون دولار.
كما يتضمن القانون اتهامات لروسيا بأنها تنتهك معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، ويلزم الرئيس ترمب بتقديم تقرير حول مدى التزام موسكو بهذه المعاهدة بالإضافة إلى معاهدة «ستارت 3» واتفاقية السماوات المفتوحة التي علقت الولايات المتحدة تنفيذها مؤقتا.
أمام هذا الوضع لوحت وزارتا الخارجية والدفاع الروسيتان بانتظار القرار السياسي من الكرملين للبدء بإجراءات للرد على التطورات التي وصفت بأنها تستهدف بشكل مباشر أمن روسيا. واللافت أن ربط المسؤولين الروس كل رزمة الإجراءات الجوابية الروسية بقرار سياسي يصدر عن الرئيس فلاديمير بوتين، يدل على تمسك الكرملين حتى اللحظة الأخيرة بإبقاء الباب مواربا أمام احتمال تخفيف التوتر وإطلاق مسار إعادة تشغيل العلاقات رغم صعوبة الموقف الحالي. وهذا ما عكسته تصريحات الكرملين حول التوجه لعقد لقاء خلال أيام يجمع مسؤولين روسا مع مساعد الرئيس الأميركي للأمن القومي جون بولتون.
وأكدت الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز أن التحضيرات جارية لعقد اللقاء «لمتابعة مواضيع قمة هلسنكي»، مشيرة إلى أنه «ستتم مناقشة مجموعة من قضايا الأمن القومي المهمة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.