مرجع شيعي كبير يرفض تحويل البصرة إلى إقليم

احتجاجات الجنوب مستمرة رغم أموال بغداد

مظاهرة ضد الفساد وسوء الخدمات في ساحة التحرير في بغداد (أ ب)
مظاهرة ضد الفساد وسوء الخدمات في ساحة التحرير في بغداد (أ ب)
TT

مرجع شيعي كبير يرفض تحويل البصرة إلى إقليم

مظاهرة ضد الفساد وسوء الخدمات في ساحة التحرير في بغداد (أ ب)
مظاهرة ضد الفساد وسوء الخدمات في ساحة التحرير في بغداد (أ ب)

في حين دعا المرجع الديني الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني، أمس، إلى استمرار الغضب الجماهيري بوصفه الوسيلة الوحيدة لاستحصال الحقوق، فإن المرجع الشيعي آية الله بشير النجفي (أحد المراجع الأربعة الكبار في النجف إلى جانب السيستاني ومحمد سعيد الحكيم وإسحق الفياض) يدعو إلى التريث في المطالبات الخاصة بتحويل محافظة البصرة الغنية بالنفط إلى إقليم.
وفي وقت دخلت اعتصامات بعض مدن الجنوب مثل البصرة والمثنى يومها السابع في حين تكمل المظاهرات غداً شهرها الأول فقد عادت المرجعية الدينية في النجف إلى استمرار حالة الغضب لدى الجماهير. وقال وكيل المرجعية أحمد الصافي خلال خطبة الجمعة في كربلاء أمس، إنه «إذا تعرض الإنسان لأمور تستوجب الغضب من مشكلة شخصية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية وهو أخرجه من بيته لأن يواجه هذه المشكلة وكان الغضب تحت السيطرة فهو غضب ممدوح». وأضاف «هناك آثار إيجابية للغضب، والإنسان تمر به حالات ينفعل ويغضب، وهذا الغضب الذي حافظ على نوع وشخص الإنسان لأن بغضبه يحمي نفسه، وهذا الغضب حفظ الأعراض والمقدسات ومنع تدنيسها، وهو فعل يكون معلوم المنشأ والهدف».
وشدد الصافي على أنه «لا بد أن يكون للغضب لسان ومطلب يعبر عنه بشكل إيجابي، وله حق في ذلك؛ لأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى»، مبيناً أن «جزءاً من إرجاع الحق هو أن يغضب لسلبه وبشكل مسيطر عليه فعندها ستكون حجته دامغة ومطلبه مسموعاً، والغضب أمر مهم ويجب أن يكون مسيطراً عليه».
في سياق متصل، أكد المرجع النجفي، أن المشكلة في العراق هي ليست في طبيعة نظام الحكم، بل في تطبيق القانون. وقال بيان صادر عن مكتب النجفي خلال لقائه وفداً من محافظة البصرة وبشأن اتساع المطالبات في البصرة لتحويلها إلى إقليم، إن «الأمر يحتاج إلى استفتاء المواطنين وقيادات مخلصة وقوية، وفي ظل دولة مركزية تتمتع بالقوة وتضمن عدم تقسيم العراق وانفصال هذه الأَقاليم إِذا ما قامت». وأشار إلى أَن «المشكلة ليست في تطبيق قانون الأقاليم في العراق، لكن المشكلة في القيادات المخلصة والقوية في إدارة هذه الأقاليم والمركز، وهناك تجارب في الدول القريبة من العراق والبعيدة مطبقة لهذا القانون وفق معايير ونظم معينة»، مضيفاً أَن «المهم هو الحفاظ على وحدة العراق».
وحول دعوة المرجعية الشيعية العليا إلى استمرار الغضب الجماهيري لاستحصال الحقوق، شريطة أن يبقى في الحدود المقبولة؛ ضماناً لاستمرار تأييدها هذا الحراك الجماهيري، يقول رجل الدين الشيعي فاضل القريشي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المرجعية الدينية حين أعلنت تأييدها المظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية، فإنها كانت منذ البداية وضعت شروطاً معينة، أهمها أن تبقى في حدود ما هو سلمي وعدم الاعتداء على المال العام أو الخاص؛ لأن ذلك يخرج الاحتجاجات عن مسارها السليم ويبرر عملية التصدي لها بالقوة». وأضاف، أن «المرجعية تؤكد دائماً أن المطالبة بالحقوق أمر شرعي، وإن المظاهرات هي جزء من هذا الحق، لكن أن يتم التركيز على المطالب الحقيقية مع استمرار الضغط لكي يدرك المسؤولون حجم الضغط، ويتصرفوا من أجل تنفيذ تلك المطالب». وأوضح القريشي، أن «المرجعية الدينية ومثلما يقر الجميع هي صمام الأمان، وبالتالي فإن كل ما يصدر منها من مواقف يحظى بالاهتمام، سواء من قبل المحتجين أو الجهات الرسمية».
من ناحية ثانية، وتعليقاً على إعلان النجفي رفضه إقامة الأقاليم، ومنه البصرة، في هذا الوقت يقول أستاذ العلوم السياسية، الدكتور خالد عبد الإله، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المطالبة بتحويل البصرة إلى إقليم ليست جديدة ولا وليدة المظاهرات والاحتجاجات، بل كانت قد طرحت رسمياً أول مرة عام 2008، لكنها لم تحظ بالموافقات الرسمية اللازمة لبدء إجراءات تحويلها إلى إقليم»، مبيناً أن «الدستور العراقي أقرّ الفيدرالية نظامَ حكمٍ في العراق بموجب المادة 119 منه، لكن على أسس إدارية جغرافية وليست على أسس طائفية، وهو ما بات يخشى منه الآن في العراق بسبب الاصطفافات الطائفية التي برزت على نحو واضح بعد عام 2006 وما تلاها، فضلا عن تقسيم السلطات وفقاً للمحاصصة الطائفية والعرقية؛ الأمر الذي قد يجعل المطالبة بالأقاليم مقدمة لتقسيم البلاد إلى دول أو دويلات على أسس طائفية وعرقية». وأوضح عبد الإله، أن «المطالبة بالأقاليم لم تتوقف على البصرة بل امتدت إلى محافظة صلاح الدين غربي العراق التي كانت قد طالبت عام 2013 إلى تحويلها إلى إقليم، لكن الحكومة المركزية جمدت الطلب رغم استكماله كل الشروط المطلوبة لذلك تحت الذريعة نفسها، وهي ظاهراً عدم وجود الإمكانات اللازمة، بما فيها المادية للقيام بسلسلة إجراءات، ومن الداخل الخوف من أن يجرّ ذلك إلى مطالبات أخرى من شأنها تقسيم البلاد».
وحول ما إذا كانت الأقاليم أحد الحلول التي يمكن اللجوء إليها للخلاص من مشكلة الحكم المركزي في البلاد، يقول أستاذ العلوم السياسية، إن «الأقاليم في الواقع ليست حلاً ناجحاً ولا ناجعاً للعراق؛ لأن من بين أبرز المخاطر التي يمكن أن تترتب على ذلك هو التأثير على النسيج المجتمعي في البلاد». وفي حين يرى أن «هذه المطالبات اليوم ليست أكثر من دغدغة لمشاعر الناس، فإن الحل يكمن في الحكم اللامركزي من خلال توسيع صلاحيات المحافظات عبر إداراتها المحلية».
غير أن المتحدث باسم المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، سعد الحديثي، يرى أن «نقل الصلاحيات تم منذ أغسطس (آب) 2015؛ لكن نقل الصلاحيات للمحافظات يحتاج إلى خبرة والابتعاد عن الصراعات، وبخاصة أن الكثير من مجالس المحافظات تعاني منها في إدارة هذه الدوائر».
وكانت الحكومة أعلنت، أول من أمس، بدء صرف الأموال التي وعد رئيس الوزراء بصرفها للمحافظات الوسطى والجنوبية. لكن يبدو أن هذه الأموال لم تقنع أهالي مدن الجنوب بوقف الاحتجاجات، بل استمرت أمس في البصرة وميسان والمثنى وذي قار، وحتى في العاصمة بغداد.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».