السياحة الفضائية تنافس محموم للسفر إلى أعالي السماء

تصاميم مطورة ورحلات تجريبية تنطلق نهاية هذا العام

«سبايس شيب تو» من «فيرجين»
«سبايس شيب تو» من «فيرجين»
TT

السياحة الفضائية تنافس محموم للسفر إلى أعالي السماء

«سبايس شيب تو» من «فيرجين»
«سبايس شيب تو» من «فيرجين»

أصبح اليوم بإمكانكم أن تبتاعوا بطاقات لرحلات للسفر إلى الفضاء على متن «سبيس شيب تو»، المركبة التي طورتها شركة ريتشارد برانسون «فيرجن غالاكتيك»... رغم أن موعدها لم يتحدد بعد. كما أعلنت شركة «بلو أوريجين» التي يملكها مؤسس أمازون جيف بيزوس في مؤتمر «نيو سبيس» في سياتل الشهر الفائت أنّها تعتزم البدء ببيع بطاقات للسياح الراغبين بالسفر إلى الفضاء اعتباراً من العام المقبل.
سفن فضاء سياحية
طورت الشركتان خططاً جادة لفتح مجال السفر البشري إلى الفضاء (كما وضعت شركة «سبيس إكس» خططاً تهدف إلى نقل رواد الفضاء من وإلى المحطة الفضائية). وكان برانسون قد قال إن «فيرجن غالاكتيك» تتسابق مع نفسها، وليس مع شركات أخرى، للوصول إلى تحقيق حلم الرحلة البشرية الآمنة إلى الفضاء. ولكن مع إعلان «بلو أوريجين» خطتها لبدء بيع البطاقات العام المقبل، ستدخل الشركتان عاجلاً أم آجلاً في منافسة حامية في هذا المجال.
ولكن يتوجّب على الشركتين بذل الكثير من الجهود لتقديم أداء متمايز لأن التجربة التي ستقدمها كلّ من «فيرجن غالاكتيك» و«بلو أوريجين» متشابهة إلى حد كبير. إذ لا تخطط أي منهما لنقل السياح إلى المدار الفضائي، بل ستكتفيان بالوصول إلى حافة الفضاء، وعبور حدود وهمية تعرف باسم «خط كرمان» على بعد 99.7 كلم. ووصف توم جونز، رائد الفضاء المخضرم من الـ«ناسا» هذا المشروع بأنّه إعادة إحياء لأوائل الرحلات التي قام بها آلان شيبارد وغاس غريسون إلى الفضاء. ويضيف جونز في حديث قلته مجلة «وايرد. كوم»: «في هذا المسار، سيعيش الركاب نحو خمس دقائق من فقدان الوزن، في رحلة تتطلّب 15 - 30 دقيقة من بداية تشغيل المحرّك حتى الهبوط».
أما الاختلاف بين الشركتين فيظهر في مجال الدفع، إذ تعتزم «فيرجن غالاكتيك» إطلاق مركبتها المزدوجة الأجنحة «سبيس شيب تو» وهي متصلة بحامل المركبات «وايت نايت تو»، الذي يعيد تجسيد طائرات X التي كسرت حاجز الصوت، ثمّ تنوي «سبيس شيب تو» الانفصال عن حاملها، وإشعال محركاتها الصاروخية، والهبوط أخيراً وكأنها طائرة تجارية.
من جهتها، تخطط شركة «بلو أوريجين» لاستخدام كبسولة لنقل الطاقم ومسرّع أكثر تقليدية، كلاهما مصمّمان لإعادة الاستخدام. بعد إتمام الصاروخ للمهمة المترتبة عليه في الرحلة، ستنفصل الكبسولة التي تحمل الطاقم وسيهبط المعزز من جديد باتجاه الأرض وسيعيد تشغيل محركاته ليحط بهدوء في موقع الهبوط. أمّا كبسولة الطاقم فستستخدم ثلاث مظلات لتطفو على السطح. ويعتبر جونز أنّ «الطريقتين صالحتان للعمل»، ويقول: «لعلّ كلفة تطوير الكبسولة التقليدية منخفضة ويمكنها أن تصل في طيرانها إلى مسافة أبعد من المركبة الفضائية، ولكنّ هذه الأخيرة قد تكون قادرة على الطيران مرات أكثر، دون الحاجة إلى مظلّة وصحراء، أو حتى مدرج للهبوط.
رحلات تجريبية
صرحت «فيرجن غالاكتيك» أنّها باعت حتى اليوم بطاقات لـ700 مقعد بسعر 250 ألف دولار للبطاقة الواحدة، رغم أنّها لا تزال في طور اختبار مركبتها بعد حادث اصطدام قاتل حصل عام 2014، بعد أن شغّل أحد الربانين اللذين كانا يتوليان قيادتها وضع الهبوط مبكراً. وتملك مركبة «سبيس شيب تو» المعاد تصميمها اليوم في رصيدها رحلتين تجريبيتين آليتين ولكنّها لم تصل خلالهما إلى المسافة القصوى التي حددتها. وفي أحدث رحلاتها في 29 مايو (أيار)، جاء أداء صاروخ المركبة على قدر التوقعات. وفي حال استمرت الاختبارات دون مشكلات، قد يكون برانسون أول راكب يطؤها في أواخر هذا العام.
من جهتها، أطلقت «بلو أوريجين» ثمانية رحلات تجريبية ناجحة، كان آخرها في أبريل (نيسان)، على أن تجري التجربة التالية في أواخر هذا الصيف. تجاوزت كبسولة الطاقم والصاروخ جميع الاختبارات بنجاح حتى اليوم، ولكن يبقى على الشركة أن ترسل رحلات بشرية فعلية إلى الفضاء. تقول «بلو أوريجين» إنّها لن تأخذ من الراغبين بالسفر إلى الفضاء أموالاً مسبّقة (لا يزال السعر مجهولاً) حتى تنجز اختبارات بشرية ناجحة... ولكن مع وعود الشركة بالبدء ببيع بطاقات العام المقبل، يمكننا أن نتوقع رؤية رحلة بشرية خلال هذا العام.
يعتبر جونز إرسال رحلات سياحية إلى الفضاء هدفاً طموحاً. وقال: «أظنّ أنّ عام 2019 سيشهد رحلات تجريبية، تليها رحلات بشرية، من قبل الطرفين». ولكن قبل الوصول إلى هذه المرحلة، على «فيرجن غالاكتيك» و«بلو أوريجين» أن تلبيا معايير السلامة المفروضة من قبل إدارة الطيران الفيدرالية، التي وضعت قواعد تناسب خطوط الطيران التجارية أكثر من المركبات الفضائية. (وتجدر الإشارة إلى أن سيارات الأجرة الفضائية التابعة لـ«سبيس إكس» وحدها مجبرة على تلبية معايير الـ(ناسا) للسلامة، لأنها ستطير بسرعة أكبر وتخرج من القيود الأرضية).
ومن المزمع أن يقلع رواد فضائيون في أول رحلة على متن سيارة أجرة فضائية إلى المحطة الدولية في ديسمبر (كانون الأول)، وستسمح الـ«ناسا» لـ«سبيس إكس» بإرسال مواطنين عاديين إلى جانب الرواد الفضائيين فيها. يفضّل جونز السفر على متن مركبة ترقى إلى معايير الـ«ناسا» للسلامة، ويقول: «هذا الأمر مريح بالنسبة لي لأن وكالة ناسا تضع السلامة في طليعة أولوياتها». ولكنّ هذا الأمر يؤدي دون شكّ إلى ارتفاع الكلفة، مما سيفرض على المشغلين التجاريين الحفاظ على توازن المنافسة والأسعار مقابل أداء السلامة».
ولكنّ تبقى خطوط الطيران الوسيلة الأكثر أمناً للسفر، الأمر الذي دفع المحقق الأول في «نيو هوريزونز» آلان ستيرن إلى حجز ثلاثة مقاعد على متن «فيرجن غالاكتيك» لتمثيل معهد «ساوث إيست ريسرتش إنستيتيوت». وهذه الرحلات ليست فقط للسياحة، إذ إنها توفّر أيضاً طريقة أبسط للدراسة العلمية في الفضاء، مما يتيح للباحثين حمل وسائل اختباراتهم والسفر لإجرائها في ظروف الجاذبية الصغرى. ويتوقع ستيرن أن يحجز للسفر مع «بلو أوريجين» في أقرب وقت، فور إعلانها عن البدء ببيع البطاقات.
ولدى سؤاله عن مخاطر هذا النوع من العلوم، بدا ستيرن متفائلاً، وقال: «سافرت على متن نماذج طائرات تحطّمت ولم يمنعني هذا الأمر من السفر مرة أخرى. أظنّ أن هذه الشركات تعي جيّداً أنّها إن لم تقدّم سجلاً جيداً على صعيد السلامة، فلن تتمكّن من بناء قاعدة للعملاء».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
TT

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها

عندما ينظر الطبيب إلى شاشة التحليل، قد لا يكون ما يراه مجرد بيانات طبية، بل اقتراحاً كاملاً للتشخيص صاغته خوارزمية خلال ثوانٍ... في تلك اللحظة، لا يدور السؤال حول دقة هذا الاقتراح فحسب، بل حول تأثيره الخفي: هل يساعد هذا الاقتراح الطبيب على التفكير، أم يغيّر طريقته في التفكير دون أن يشعر؟

الذكاء الاصطناعي... طرف غير مرئي في القرار

هذا التحول الصامت في العلاقة بين الطبيب والمعلومة هو ما بدأت الأبحاث الحديثة في استكشافه، مع دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى صميم القرار السريري. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح طرفاً غير مرئي في تشكيل الحكم الطبي، يؤثر في كيفية قراءة المعلومات وربطها، وربما في المسار الذهني الذي يقود إلى القرار النهائي.

دراسة علمية حديثة

هذا السؤال حاولت الإجابة عنه دراسة علمية حديثة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، حيث صمم الباحثون تجربة سريرية محكمة لاختبار تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على طريقة تحليل الأطباء للحالات الطبية واتخاذهم للقرارات التشخيصية.

قاد الدراسة فريق بحثي دولي من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأميركية بالتعاون مع باحثين من مختبرات «غوغل ريسيرش» و«غوغل ديب مايند». وشارك في الإشراف على البحث الطبيب والعالم الأميركي إيوان آشلي (Euan Ashley)، إلى جانب الباحثين جاك أوسوليفان (Jack W. O’Sullivan) وتاو تو (Tao Tu)، وعدد من المتخصصين في الطب والذكاء الاصطناعي.

التجارب السريرية للذكاء الاصطناعي الطبي

تجربة سريرية تحاكي الواقع الطبي

اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على تصميم علمي يعرف باسم «التجربة العشوائية المحكمة»، وهو من أكثر الأساليب العلمية دقة وموثوقية في تقييم التقنيات الطبية.

ولمحاكاة الظروف الحقيقية للعمل داخل العيادات، طُلب من مجموعة من أطباء القلب تحليل حالات سريرية حقيقية لمرضى، باستخدام بيانات طبية متعددة، شملت تخطيط القلب الكهربائي وصور القلب واختبارات الجهد وغيرها من المعلومات السريرية المعقدة.

ثم قُسم الأطباء إلى مجموعتين: الأولى قامت بتقييم الحالات بالطريقة التقليدية دون أي مساعدة رقمية، بينما حصلت المجموعة الثانية على دعم من نظام ذكاء اصطناعي طبي يُعرف باسم AMIE، وهو نموذج يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل البيانات الطبية وتقديم تقييم أولي للحالة.

وكان الهدف من هذه التجربة معرفة ما إذا كانت مساعدة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر في طريقة تحليل الطبيب للحالة الطبية أو في جودة القرار السريري الذي يتخذه.

تقييم القرارات دون معرفة مصدرها

ولضمان حياد النتائج، اتبع الباحثون خطوة منهجية مهمة. فقد عُرضت تحليلات الأطباء للحالات على مجموعة من أطباء القلب المتخصصين ليقوموا بمراجعتها وتقدير جودتها العلمية.

غير أن هؤلاء الخبراء لم يكونوا على علم بما إذا كانت تلك التحليلات قد أُعدّت بمساعدة نظام الذكاء الاصطناعي أم من دونه. وقد سمح هذا الأسلوب العلمي، المعروف باسم «التقييم المعمّى» (Blinded Evaluation)، بمقارنة مستوى القرارات الطبية بصورة موضوعية، بعيداً عن أي تأثير لمعرفة مصدر التقييم.

 

 

* الأطباء تعاملوا مع توصيات النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية وليس بوصفها قراراً نهائياً *

ماذا كشفت الدراسة؟

أظهرت نتائج التجربة أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الأطباء على تنظيم المعلومات الطبية وتحليل البيانات المعقدة بصورة أكثر شمولاً. ففي الحالات التي تضمنت كميات كبيرة من البيانات السريرية، ساهم النظام الذكي في تسهيل تجميع المعلومات وربطها ببعضها، وهو ما قد يساعد الطبيب على تكوين صورة أوضح للحالة المرضية.

لكن النتائج أشارت أيضاً إلى جانب مهم في طبيعة العلاقة بين الطبيب وهذه الأنظمة. فقد تعامل الأطباء مع التوصيات التي قدمها النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية، وليس بوصفها قراراً نهائياً.

بمعنى آخر، أظهر الأطباء ميلاً إلى استخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي كوسيلة لدعم التفكير السريري وإعادة فحص المعلومات الطبية، مع بقاء عملية الحكم الطبي النهائي قائمة على خبرتهم السريرية وتقييمهم الشامل لحالة المريض.

 

الطبيب يقود والذكاء الاصطناعي يدعم القرار الطبي

استقلالية الحكم السريري

واللافت في النتائج أن الأطباء لم يتعاملوا مع توصيات النظام بوصفها إجابة جاهزة، بل كمنطلق لإعادة التفكير، وهو ما يعكس بقاء الحكم السريري مستقلاً رغم حضور الذكاء الاصطناعي.

ولم يكن هدف الباحثين قياس دقة القرارات الطبية فقط، بل فهم تأثير الذكاء الاصطناعي في طريقة تفكير الطبيب نفسه أثناء تحليل الحالة. فالدراسة حاولت اختبار ما إذا كانت التوصيات التي يقدمها النظام الذكي يمكن أن تؤثر في المسار الذهني الذي يتبعه الطبيب عند تقييم المعلومات السريرية، وهو مجال بحثي جديد يدرس التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي.

كيف يتغير التفكير الطبي؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى تحول تدريجي في طريقة عمل الأطباء داخل البيئة الطبية الحديثة. فمع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية، لم يعد الطبيب يعمل مع المعلومات وحده، بل أصبح يتعامل مع طبقة إضافية من التحليل الرقمي تساعده على قراءة المعطيات المعقدة بسرعة أكبر.

وفي هذا النموذج الجديد من الممارسة الطبية، تقوم الأنظمة الذكية بدور تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الإحصائية الخفية، بينما يبقى دور الطبيب في تفسير هذه النتائج وربطها بالسياق السريري الكامل للمريض.

وبذلك لا يصبح الذكاء الاصطناعي صانع القرار الطبي، بل أداة تحليل متقدمة قد تساعد الطبيب على رؤية تفاصيل في البيانات لم تكن واضحة من قبل، ما قد يساهم في تحسين دقة التقييم السريري واتخاذ القرار العلاجي.

ما الذي يعنيه هذا للأنظمة الصحية؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد على تطور الخوارزميات وحده، بل على الطريقة التي تُدمج بها هذه التقنيات داخل منظومة الرعاية الصحية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تحقق فائدتها الكاملة ما لم تعمل ضمن بيئة طبية منظمة تسمح بتبادل البيانات وتحليلها بصورة آمنة وموثوقة.

ولهذا السبب تؤكد دراسات الصحة الرقمية أن أحد أهم شروط الاستفادة من الذكاء الاصطناعي هو وجود بنية رقمية متطورة تشمل السجلات الطبية الإلكترونية وقواعد البيانات السريرية القابلة للتحليل.

وتبرز أهمية هذا التحول في الدول التي تستثمر في التحول الصحي الرقمي، مثل المملكة العربية السعودية، حيث تعمل مبادرات «رؤية 2030» على تطوير السجلات الصحية الإلكترونية وتوسيع استخدام التقنيات الذكية في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.

وفي مثل هذه البيئات الرقمية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأطباء على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية بسرعة أكبر، مما قد يساهم في تحسين دقة التشخيص ودعم اتخاذ القرار السريري.

مستقبل القرار الطبي

تشير هذه الدراسة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الطب قد يتجاوز مجرد إدخال أدوات تقنية جديدة إلى العيادة. فمع استخدام هذه الأنظمة في تحليل البيانات الطبية المعقدة، قد يتغير أيضاً الأسلوب الذي يتعامل به الأطباء مع المعلومات السريرية عند تقييم الحالات المرضية.

غير أن نتائج التجربة تشير في الوقت نفسه إلى حقيقة أساسية: فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحليل البيانات وتنظيمها، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخبرة السريرية للطبيب أو قدرته على فهم السياق الكامل لحالة المريض.

ولهذا قد يكون مستقبل القرار الطبي في السنوات القادمة قائماً على تفاعل جديد بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث تساعد الأنظمة الذكية في قراءة البيانات الطبية، بينما يبقى الطبيب المسؤول عن تفسير هذه المعطيات وربطها بالإنسان الذي يقف خلفها.

أما في العالم العربي، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه التطورات تتطلب الاستثمار في السجلات الطبية الرقمية وتطوير البنية التحتية للبيانات الصحية، إضافة إلى تدريب الأطباء على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات دعم للقرار الطبي لا بديلاً عنه.

 


«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين
TT

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

الحصول على قسط كافٍ من النوم أمر بالغ الأهمية. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن الأشخاص الذين ينامون من خمس إلى ست ساعات أقل إنتاجية بنسبة 19 في المائة من أولئك الذين ينامون بانتظام من سبع إلى ثماني ساعات في الليلة. أما الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات، فتكون إنتاجيتهم أقل بنسبة 30 في المائة تقريباً... صحيح أنهم يبقون مستيقظين لفترة أطول، لكنهم في الواقع ينجزون أقل.

النوم مفيد لحل المشكلات الأصعب

يعود ذلك إلى أن أبحاثاً أخرى تُظهر أن الاكتفاء بست ساعات من النوم يجعل أي مهمة تتطلب تركيزاً أو تفكيراً عميقاً أو حلاً للمشكلات أكثر صعوبة.

*النوم 4 ساعات فقط يشبه شرب 5 أقداح مشروبات كحولية*

وفي الواقع، وفيما يتعلق بجوانب مثل الانتباه وسرعة رد الفعل، فإن النوم ست ساعات فقط يُشبه شرب بضعة أقداح من مشروبات كحولية، بينما يشبه النوم أربع ساعات فقط شرب خمسة أقداح مشروبات كحولية. كما تُظهر أبحاث أخرى أن الحرمان من النوم يجعل إنجاز أي نشاط يتطلب إجراء خطوات متعددة – إذ إن أي شيء تحاول القيام به تقريباً – يضحى أكثر صعوبة.

وإن لم يكن ذلك كافياً، فقد أظهرت دراسة أخرى أن قلة النوم تُسبب زيادة في نشاط مراكز المكافأة في الدماغ المسؤولة عن الطعام. كما أن اتباع نظام غذائي سيئ يُؤدي إلى قلة النوم، ما يُؤدي بدوره، للأسف، إلى اتباع نظام غذائي أسوأ.

«طريقة النوم العسكرية»

كيف تنام أسرع وبطريقة سهلة؟ في كتاب «استرخِ واربح: أداء البطولة» (Relax and Win: Championship Performance) الصادر عام 2012، يصف لويد باد وينتر روتيناً ابتكرته مدرسة الطيران التمهيدية التابعة للبحرية، لمساعدة الطيارين على النوم بشكل أسرع وأسهل.

وظهر أنه بعد ستة أسابيع من اتباع الطريقة، تمكّن 96 في المائة من الطيارين من النوم في غضون دقيقتين أو أقل: أثناء جلوسهم على كرسي، والاستماع إلى تسجيل لإطلاق نار رشاش، وبعد شرب القهوة.

خطوات الطريقة

إليك الطريقة:

* أرخِ عضلات وجهك بالكامل. أغمض عينيك. تنفّس ببطء وعمق. ثم أرخِ جميع عضلات وجهك ببطء. (ابدأ مثلاً بعضلات جبهتك وانزل تدريجياً). أرخِ فكّك، وخديك، وفمك، ولسانك، وكل شيء... حتى عينيك؛ دعهما يسترخيان.

* أرخِ كتفيك ويديك. تخلّص من أي توتر. أرخِ رقبتك، وعضلات ظهرك؛ اشعر وكأنك تغوص في الكرسي أو السرير. ثم ابدأ من أعلى ذراعك الأيمن، وأرخِ عضلات ذراعيك، وساعديك، ويديك ببطء. كرّر ذلك على الجانب الآخر. ولا تنسَ أن تستمر في التنفس ببطء وعمق.

* ازفر وأرخِ صدرك. مع استرخاء كتفيك وذراعيك، سيكون ذلك سهلاً.

* أرخِ ساقيك. ابدأ بفخذك اليمنى؛ دعها تغوص في الكرسي أو السرير. ثم افعل الشيء نفسه مع ساقك، وكاحلك، وقدمك. كرّر العملية مع ساقك اليسرى.

* الآن صفِّ ذهنك. صحيح أن من الصعب عدم التفكير في أي شيء. إذا كنت كذلك، فحاول أن تُبقي صورة في ذهنك. اختر شيئاً مُريحاً. تخيّل نفسك مُستلقياً بشكل مريح في الظلام. لكن إن لم ينجح ذلك، فجرّب تكرار عبارة «لا تُفكّر» لمدة عشر ثوانٍ. على الأقل، سيساعدك هذا على تشتيت انتباهك عن التفكير في أي شيء قد يُبقيك مستيقظاً.

الممارسة هي المفتاح

قد لا تُساعدك طريقة النوم العسكرية على النوم أسرع في المرات الأولى، ولكن كلما استخدمتها بانتظام، درّبت نفسك على الاسترخاء والتخلص من الأفكار.

* مجلة «فاست كومباني»


هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟
TT

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

تبدأ كل شعرة بشكل شبه شفاف، ثم يُحدد لونها بواسطة الميلانين، وهو صبغة دقيقة. فإذا كانت شعرة كثيفة التركيب، يكون الشعر داكناً، أما إذا كانت تحتوي على بقع سوداء وبنية قليلة، فيبدو أشقر، كما كتب سيمار باجاج (*).

توقف خلايا إنتاج الصبغة

مع مرور الوقت، تميل الخلايا المنتجة للصبغة في كل بصيلة شعر إلى التباطؤ أو التوقف عن العمل؛ ما يؤدي إلى ظهور الشيب، كما يقول ديزموند توبين مدير معهد تشارلز للأمراض الجلدية في جامعة دبلن في آيرلندا. وتميل هذه الشعيرات إلى أن تكون أكثر صلابة وأصعب في التحكم، وتنمو أسرع بنسبة 10في المائة من الشعر الحاملة للصبغة. ويتقبلها البعض كجزء من الشيخوخة، بينما يراها آخرون مصدر إزعاج يجب صبغه أو نتفه أو إخفاؤه.

عوامل محفزة

لكن العلماء ليسوا متأكدين من العوامل المحفزة لظهور الشيب أو مدى قدرتنا على التحكم فيه. قد يبدأ الشيب بالظهور في العشرينات من العمر، أو قد يحتفظ الشخص بلونه الطبيعي حتى الثمانينات. ورغم أن هذه العملية تبدو غير قابلة للعكس إلى حد كبير، فإن الباحثين يكتشفون أن اللون قد يعود أحياناً، على شكل بقع أو جذور داكنة.

وحتى الآن، لا يوجد حل جذري لمنع الشيب أو عكسه، لكن الخبراء يحاولون فهم هذه المشكلة وإيجاد حلول لها.

ماذا يعرف العلماء حتى الآن؟

لا يتحول شعرنا إلى اللون الرمادي دفعة واحدة؛ ولهذا فإنك قد تلاحظ ظهور خصلات فضية متفرقة، ثم تمر بمرحلة شيب جزئي. بل قد يصبح لون بعض الشعر أفتح أو أغمق مرة أخرى.

إن كل بصيلة شعر هي وحدة مستقلة، تحتوي على خلاياها المنتجة للصبغة، التي تُسمى الخلايا الصبغية، بالإضافة إلى مخزون من الخلايا الجذعية البديلة. ومع تقدمنا ​​في العمر، تتراكم الأضرار في هذه الخلايا بشكل طبيعي، نتيجة لأسباب مثل الإجهاد والتلف الخلوي.

تضرر الخلايا الصبغية واستنفاد الجذعية

عادةً ما يبدأ شيب الشعر عندما تتضرر الخلايا الصبغية في بصيلة معينة، ولكنه يصبح دائماً عند استنفاد مخزون الخلايا الجذعية، كما أوضحت إيمي نيشيمورا، أستاذة الشيخوخة والتجدد في جامعة طوكيو. وتشير الأبحاث إلى أنه إذا حدثت العملية الأولى دون الثانية، يمكن عكس الشيب.

في دراسة صغيرة أُجريت عام 2021، جمع العلماء عينات شعر من أشخاص بدأ الشيب يظهر لديهم، ووجدوا خطوطاً داكنة وبيضاء مميزة. ولأن الشعر ينمو بمقدار سنتيمتر تقريباً كل شهر؛ فقد وفرت هذه الخطوط تسلسلاً زمنياً، لذا طلب الباحثون من المشاركين تدوين تجاربهم المجهدة خلال العام الماضي. وتوافقت فترات التوتر الشديد مع الخطوط الفاتحة، بينما توافقت فترات التوتر المنخفض مع الخطوط التي عاد فيها اللون. بعبارة أخرى، يبدو أن خفض مستويات التوتر يُعكس أو يُبطئ شيب الشعر.

تنشيط الخلايا الجذعية بعد علاج السرطان

كما لوحظ لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من الشيب عودة لون الشعر تلقائياً في بعض المناطق بعد خضوعهم لأنواع معينة من العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو المناعي. يشتبه الخبراء في أنه في هذه الحالات النادرة، قد تحفز علاجات السرطان الخلايا الجذعية الخاملة على إعادة بناء الخلايا الصبغية الوظيفية.

عكس عملية فقدان الصبغة

يشير هذا البحث إلى أن شيب الشعر ليس عملية خطية تماماً، وأن هناك «فرصة سانحة» يمكن خلالها عكس فقدان الصبغة، كما يقول الدكتور رالف باوس، طبيب الأمراض الجلدية في جامعة ميامي. ولا يزال من غير الواضح مدة بقاء هذه الفرصة، وما هي الطرق الآمنة لإعادة تنشيط الخلايا الجذعية.

ماذا يمكنك فعله حيال شيب الشعر؟

تقول الدكتورة جيسيكا شيو، طبيبة الأمراض الجلدية في جامعة كاليفورنيا إرفاين هيلث، إن جزءاً كبيراً من شيب الشعر وراثي. لذا؛ فإن آباءك وأجدادك يقدمون أفضل المعلومات.

* الشيب لدى البيض والآسيويين والسود. وقد وجد الباحثون أيضاً أن الشيب يبدأ عادةً في منتصف الثلاثينات لدى البيض، وفي أواخر الثلاثينات لدى الآسيويين، وفي منتصف الأربعينات لدى السود.

* تغييرات مفيدة. لكن خيارات نمط الحياة قد تُحدث فرقاً أيضاً. وتشير أقوى الأدلة إلى الإقلاع عن التدخين وتقليل مستويات التوتر. وقالت شيو إن الحصول على قسط كافٍ من النوم واتباع نظام غذائي صحي غني بمضادات الأكسدة قد يحدّان من تلف خلايا الصبغة، على الرغم من أن الأدلة غير مباشرة.

كما رُبط الشيب المبكر بانخفاض مستويات الحديد وفيتامين بي12، لكن في الولايات المتحدة، نادراً ما تحدث حالات نقص حادة تؤثر على صبغة الشعر، حسب توبين.

* وعود المكملات الغذائية. ولا يوجد دليل على أن المكملات الغذائية تساعد في علاج الشيب. ونصحت شيو بالحذر عند استخدام مكملات مكافحة الشيب عموماً؛ لأنها تُباع غالباً بناءً على وعود لا أدلة. فحتى لو احتوت هذه المكملات على مكونات مفيدة، لا يوجد دليل على أن تناول الحبوب أو استخدام الكريمات يصل إلى خلايا الصبغة في أعماق بصيلات الشعر.

لا توجد علاجات طبية للشيب

* الأدوية والشيب. على الرغم من عدم وجود علاجات طبية للشيب، يُنصح باستشارة الطبيب بشأن الشيب المفاجئ أو المبكر، إذ ترتبط نسبة ضئيلة من الحالات بأدوية موصوفة أو أمراض معينة، وقد تكون قابلة للعلاج. على سبيل المثال، ارتبطت بعض أدوية الصرع، ومضادات الملاريا، والريتينويدات الفموية، وأدوية تشنج العضلات بشيب الشعر. كما أن الكثير من أدوية السرطان تُسبب فقدان الصبغة، على الرغم من ندرة حالات استعادة التصبغ.

* الاضطرابات الصحية والشيب. يستطيع الأطباء أيضاً التمييز بين الشيب المرتبط بالتقدم في السن والحالات المرضية التي تُسببه. فقد ارتبطت اضطرابات الغدة الدرقية وغيرها من الاضطرابات الهرمونية بالشيب المبكر، وكذلك أمراض المناعة الذاتية التي تستهدف بصيلات الشعر، مثل البهاق والثعلبة البقعية. يُمكن للعلاج الحد من فقدان الصبغة، وفي بعض الأحيان يُساعد على عودة اللون.

* خدمة «نيويورك تايمز»