غضب تركي من التهديدات الأميركية بفرض عقوبات

أنقرة أكدت أنها لا تخضع لإملاءات... ونفت وجود صفقة مع واشنطن

TT

غضب تركي من التهديدات الأميركية بفرض عقوبات

أحدث تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عقوبات شديدة على تركيا إذا لم تفرج عن القس أندرو برونسون المحتجز منذ حوالي عامين بتهم تتعلق بدعم الإرهاب والتجسس، والذي قررت المحكمة الإفراج عنه يوم الأربعاء الماضي مع وضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله ردود فعل غاضبة في أنقرة.
وفي الوقت ذاته، نفى مسؤول تركي ما تردد بشأن صفقة مع واشنطن للإفراج عن القس مقابل إطلاق السلطات الإسرائيلية سراح مواطنة تركية ألقي القبض عليها مؤخرا في القدس. وردا على تلويح ترمب ونائبه مايك بنس بالعقوبات لحمل تركيا على الإفراج عن القس الأميركي، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إنه «من غير الممكن القبول باللغة التهديدية المستخدمة في تصريحات الإدارة الأميركية ضد بلدنا الحليف في حلف شمال الأطلسي (ناتو). وطالب كالين، في بيان، الإدارة الأميركية، التي قال إنها لم تتخذ أي خطوة بخصوص، ما سماه «منظمة غولن الإرهابية»، في إشارة إلى حركة الخدم، بأن تعلم بأنها لن تصل إلى نتيجة عبر توجيه التهديدات ضد تركيا، متذرعة بقضية من اختصاص القضاء التركي «المستقل».
وكان ترمب قال في تغريدة عبر «تويتر»، مساء أول من أمس، إن «الولايات المتحدة ستبدأ بفرض «عقوبات كبيرة» على تركيا بسبب اعتقالها القس الأميركي أندرو برونسون. وطالب بالإفراج «فوراً» عنه، قائلا: «الولايات المتحدة ستفرض عقوبات شديدة على تركيا لاعتقالها الطويل للقس أندرو برونسون.. العقوبات «بسبب الاحتجاز الطويل لمسيحي عظيم ووالد عائلة، والإنسان الرائع القس أندرو برونسون ينبغي إطلاق سراح (هذا الرجل المؤمن) فورا».
وفي وقت سابق أول من أمس، قال نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إن بلاده ستفرض عقوبات على تركيا إذا لم تتخذ تدابير فورية للإفراج عن برونسون. وذكر بنس خلال اجتماع وزاري في واشنطن حول تعزيز الحرية الدينية أن الإقامة الجبرية «خطوة أولى مرحّب بها لكنها غير كافية»، قائلا إن برونسون الذي تتهمه تركيا بالإرهاب والتجسس يستحق أن يكون حراً.
وكان القائم بالأعمال في السفارة الأميركية لدى أنقرة، فيليب كوسنت، رحّب بقرار القضاء التركي تحويل حبس القس برونسون المتهم بدعم الإرهاب، إلى إقامة جبرية في المنزل نظرا لوضعه الصحي. ولفت، عقب زيارته للقس في مكان إقامته بولاية إزمير، إلى أنه وزوجته يشعران بالسرور نتيجة القرار الأخير. وأضاف أن الجانب الأميركي أبدى موقفه أمس حيال قرار الإقامة الجبرية، وقال: «لقد رحبنا بالإقدام على هذه الخطوة.. وسنواصل العمل إلى حين نيل القس برونسون الحرية». ونددت وزارة الخارجية التركية بتدخل الرئيس الأميركي في شؤون القضاء التركي، وتهديده بفرض عقوبات على أنقرة في حال عدم إطلاقها سراح القس برونسون. وقال المتحدث باسم الخارجية التركية حامي أقصوي، ردا على تهديدات ترمب ونائبه مايك بنس: «لا يمكن لأحد أن يعطي الأوامر لتركيا أو يهددها، لا يمكن القبول باستخدام خطاب تهديدي ضد تركيا وهي دولة ذات سيادة تتمتع بتقاليد ديمقراطية متجذرة تتخذ من سيادة القانون أساسا لها».
ولفت في بيان إلى أن «تركيا أظهرت إلى الآن الإرادة السياسية اللازمة من أجل تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، وقامت بأكثر مما يترتب عليها في هذا الخصوص.. ولا يمكننا القبول برسائل التهديد من الإدارة الأميركية، والتي تتجاهل علاقات التحالف والصداقة بين بلدينا». وعلق وزير الخارجية التركي على تصريحات ترمب قائلا إنه «لا يمكن لأحد أن يفرض إملاءاته علينا ولن نتسامح مع أي تهديد». وأجرى جاويش أوغلو مباحثات هاتفية، الخميس، مع نظيره الأميركي مايك بومبيو عقب تهديد ترمب بفرض العقوبات على تركيا، وبحث معه الأمر.
وفي السياق ذاته، قال فؤاد أوكطاي نائب الرئيس التركي إن الولايات المتحدة مجبرة على احترام قرارات القضاء في تركيا. وأكد في تغريدة على «تويتر» أن «تركيا دولة قانون، وأن العدالة التركية على مسافة واحدة من الجميع، ولا نتسامح مع أي تهديدات رخيصة».
من جانبه، قال رئيس البرلمان التركي بن علي يلدريم إن «التهديد لا يفلح مع الشعب التركي، لذلك على الولايات المتحدة أن تكف عن هذه اللغة إذا كانت تريد تطوير علاقاتها مع تركيا على المدى الطويل». وأضاف في تصريح أمس أنه ينبغي للولايات المتحدة ألا تنسى أنها توفر الحماية دون أي قيود لـ«زعيم منظمة غولن الإرهابية»، في إشارة إلى الداعية فتح الله غولن، التي قال إنها كانت المسؤولة عن محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016.
وأضاف أنه «إذا كانت الولايات المتحدة دولة قانون، فإن تركيا أيضا دولة قانون، وبالتالي على واشنطن أن تحترم القرارات القضائية»، داعيا إلى التوقف عن «لغة التهديد الرخيصة»، والبحث عن سبل كسب ثقة الشعب التركي.
بدوره، قال وزير العدل التركي عبد الحميد غل إن «تركيا دولة مستقلة وذات سيادة تامة وتقرر مصيرها بنفسها، والكلمة الفصل في قضية القس برونسون ستكون للعدالة التركية». وعبّر سفير تركيا لدى الولايات المتحدة سردار كليج، عن أسفه لعدم أخذ السلطات الأميركية نصائحه بالحسبان، قائلا: «رسالتي كانت واضحة ودقيقة، وينبغي للجميع ألا ينتظر من تركيا أن تخضع للتهديدات، كما أنه على الولايات المتحدة بصفتها حليفة لبلادنا، ألا تقوم بتهديدنا. من المؤسف أن السلطات الأميركية لم تعر اهتماما لجميع النصائح التي شاركت بها على جميع المستويات».
إلى ذلك، نفى مسؤول تركي رفيع المستوى، أنباء ترددت عن وجود اتفاق بين تركيا والولايات المتحدة على إطلاق سراح القس برونسون، مقابل الإفراج عن المواطنة التركية إبرو أوزكان التي اعتقلت قبل فترة في إسرائيل ثم أفرج عنها بشرط عدم المغادرة.
وقال المسؤول التركي لوكالة أنباء الأناضول، التي لم تكشف عن اسمه، أمس: «اطلعنا على أنباء عن وجود اتفاق بين تركيا والولايات المتحدة لإطلاق سراح القس أندرو برونسون، مقابل الإفراج عن إبرو أوزكان التي أوقفت في إسرائيل باتهامات ملفقة بالإرهاب.. وأؤكد أن هذه الأنباء غير صحيحة إطلاقا».
وكانت صحف أميركية زعمت وجود اتفاق بين أنقرة وواشنطن من أجل إطلاق سراح برونسون مقابل إفراج إسرائيل عن أوزكان.
بموازاة ذلك، أصدر ممثلو الادعاء في تركيا مذكرات اعتقال بحق 8 أشخاص للاشتباه بارتباطهم بحركة غولن. وقالت مصادر أمنية إن المشتبه بهم متهمون بتسريب امتحان إلى ضباط الشرطة المرتبطين بحركة غولن قبل اختبار عام 2011.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».