وسائل حديثة لإعادة إحياء الأبنية التاريخية

إضفاء الملامح العصرية بهدف الاقتصاد في الطاقة والحفاظ على البيئة

مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك
مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك
TT

وسائل حديثة لإعادة إحياء الأبنية التاريخية

مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك
مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك

تكتسب الأبنية التاريخية حول العالم شهرتها العظيمة بفعل صمود عمارتها أمام اختبار الزمن... ولكن ما الأسرار الكامنة بين واجهات هذه الأبنية العتيّة؟
- بنايات قديمة
يتطوّر التصميم والهندسة بسرعة، ويشمل هذا المباني الحديثة. إلا أن كثيرا من المباني المدنية - نحو نصف مساحة البنايات المكتبية في مدينة نيويورك بني قبل 1945 - أنشئت قبل ظهور مفاهيم كالاستدامة، وتغيّر المناخ، وحتى إعادة التدوير، مما يؤدي إلى مساهمتها في مزيد من الهدر وعدم الكفاءة.
ومع الدخول في مرحلة العصرنة، شهدت الأبنية التاريخية تحديثات شملت النوافذ ونظم الإضاءة والتركيبات الصحية وأنظمة التبريد والتدفئة الجديدة، مما سيساهم أخيراً في توفير أموال المالكين والمشغلين وحفظ الطاقة في وقت واحد.
تستهلك الأبنية نحو 73 في المائة من الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة، وتساهم بشكل غير مباشر في 38 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أي بنسبة تفوق الانبعاثات الناتجة عن الصناعة ووسائل النقل. وللفوز بمعركتها في مواجهة تغيّر المناخ، تحتاج المدن إلى الاعتماد على أبنية أكثر فعالية على صعيد الطاقة.
- مباني نيويورك وباريس
تورد مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» الأميركية عددا من الأبنية التاريخية التي سلكت طريقاً صحيحة في هذا المجال، يترتب على الأبنية الأخرى سلوكها:
> مبنى «إمباير ستايت»: جذب مبنى «إمباير ستايت» أنظار مدينة نيويورك عندما كشف عن أضواء «ليد»، (الصمامات الثنائية الباعثة للضوء) البراقة التي اعتمدها عام 2012. لم يقد هذا التغيير في خيارات اللون إلى زيادة من 9 ألوان إلى مليون لون فحسب، بل ساهم أيضاً في انخفاض استهلاك المبنى من الكهرباء إلى الربع. وفي الوقت الذي جذب فيه عرض الأضواء الليلية هذا أنظار العالم، كان المبنى القديم على موعد مع تغيير قريب سيبرهن على إمكانية إدخال ناطحات السحب القديمة في عالم الحداثة.
احتاج ملاك البناء إلى التعامل مع شكوى مستمرة من 30 ألف موظف من العاملين في المكاتب: خلال فصل الصيف، كان التصميم الداخلي القديم يتسبب بأجواء تتراوح بين الحرّ الشديد والبرودة العادية. دعا الحلّ التقليدي المالكين إلى الاستعانة بمصادر برودة أقوى (مبدئياً، ستكون على شكل وحدات تكييف هوائية عملاقة) تصل تكلفتها إلى نحو 17 مليون دولار. ولكنّ الإدارة قرّرت الاستثمار في تحسينات تساهم في تخفيف استهلاك الطاقة، على أمل الحصول على نتيجة مرضية في نهاية العملية.
بعدما عمل فريق من الخبراء على تحليل المبنى، تمّ تقديم نحو 60 فكرة؛ اختيرت 8 من أهمّها وأكثرها عملية بعد عرضها بواسطة عروض المحاكاة بالكومبيوتر. تراوحت التحديثات بين مكونات التبريد والتدفئة والأضواء التي تنطفئ أوتوماتيكياً خلال النهار، وحواجز بسيطة تقي من الحرّ الذي تفرزه شبكات التبريد عبر الجدران.
خلال التحليل، تبيّن أنّ نوافذ المبنى ذات الطبقات المزدوجة تتسبب بكثير من الهدر أيضاً. ولكن بدل تغييرها، تمّت إزالتها، وتجديدها، وتركيبها ومن جديد بعد ساعات لتفادي التعطيل. وخلال ترميمها، أضاف الخبراء عليها طبقة ثالثة رقيقة تحتوي على نوع من الغاز، لتصبح هذه النوافذ اليوم «نوافذ خارقة» تخفف حرّ الصيف وهدر الشتاء إلى أكثر من النصف.
> برج إيفل: وهو البرج الأشهر في مدينة النور. ومع الإبقاء على السبب الأساسي لبناء هذا البرج الذي يعد رمزاً هندسياً عالمياً، تمّ تحديث برج إيفل في إطار عملية ترميم استمرت 4 سنوات انتهت عام 2015، وبلغت تكلفتها 28 مليون يورو (32 مليون دولار).
شهد الطابق الأول، على ارتفاع 187 قدما، بناء أو ترميم 3 أجنحة ضمّت مطعماً وصالة للمؤتمرات ومتجرا، وتمّ تركيب أكثر من مائة قدم مربّعة من الألواح الشمسية في أسقف الأجنحة، لتوليد الطاقة الكافية لتسخين نصف كمية المياه المستخدمة في هذا الطابق، بالإضافة إلى الاستعانة بأنابيب جديدة لجمع مياه الندى المتساقط وتوزيعها على الحمّامات، لتوفير المياه وتخفيف عبء العمل على المضخات. لعبت أضواء «ليد» دوراً في تخفيف استهلاك الكهرباء، وساهم تعزيز التزجيج المدعّم في الأقسام الزجاجية بتخفيف حرارة الشمس بنسبة 25 في المائة، بالإضافة إلى تقليص الحاجة إلى التكييف الهوائي خلال الصيف.
وإلى جانب توفير الطاقة، أصبح البرج اليوم يولّد قسماً من طاقته؛ إذ تشارك 17 قدما من التوربينات المصنوعة من الحديد المطاوع والمركّبة فوق مطعم الطابق الثاني في توليد الطاقة عبر الرياح. ويفيد ارتفاع الـ400 قدم في التقاط أفضل أنواع الرياح، وتدور المحاور العمودية لدواليب الهواء بمعزل عن اتجاه الرياح، لتولّد التوربينات نحو 10 آلاف كيلوواط/ ساعة من الكهرباء في السنة. صحيح أن إنتاج الطاقة هذا لا يشكّل إلا القليل من حاجة البرج للكهرباء، ولكنه يكفي لطابق أول فعّال على صعيد الطاقة.
- بين سيدني وبرلين
> دار سيدني للأوبرا: تعد الأشرعة المرتفعة فوق دار سيدني للأوبرا تحفة فنية من التصميم العضوي، المستوحى من الأجنحة وأشجار النخيل، والصدف البحري، ومعلماً يستمدّ من الطبيعة ما هو أبعد من الشكل الخارجي. ومنذ تدشينه عام 1973، يحصل نظام التبريد الهوائي في هذا المبنى على برودته من مياه البحر المجرورة من الميناء المحيط به، في إطار حلّ ريادي يقلّل استخدام المياه العذبة.
خلال العقد الماضي، عملت إدارة الدار على توسيع روح الاستدامة هذه في سائر أقسام المبنى وحتى المناسبات التي تقام فيه. فقد ساهم استبدال مصابيح «ليد» بأضواء الدار في تقليص استهلاك قاعة الحفلات للطاقة بنحو 75 في المائة، مما خفّف تكلفة الكهرباء السنوية بنحو 44.5 ألف دولار.
وعملت الإدارة أيضاً على تقليل المخلّفات الناتجة عن طاقم العاملين في الدار وزوار صالاتها ومطاعمها مع كلّ سنة. كما نمت أنواع المواد المعاد تدويرها من اثنين إلى ثمانية، مما أدّى إلى ارتفاع نسبة إعادة التدوير الإجمالية من 20 إلى 65 في المائة، على أمل أن تصل إلى 85 في المائة.
لم تكن جميع الحلول المعتمدة في الدار عالية التقنية. فبهدف إطالة حياة مواد البناء، عمد طاقم التنظيف فيها إلى استبدال المنظفات الطبيعية بالمنظفات الكيميائية، والتي ساهمت أيضاً في تحسين نوعية الهواء الداخلي. واستخدم بيكربونات الصودا مثلاً لغسل الإسمنت بينما اعتمد زيت الزيتون والكحول لتلميع البرونز.
> مبنى الرايخستاغ: إنّ عملية تحديث مبنى الرايخستاغ، المقرّ السابق والحالي للبرلمان الفيدرالي الألماني، كانت مشروعا عصرياً مهماّ جداً لألمانيا الحديثة. عند اكتمال عملية التحديث عام 1999، بات هذا المبنى المقام في القرن التاسع عشر أكثر من مجرّد دار للتشريع، وتحوّل إلى رمز يعد بمستقبل أفضل.
تعد القبّة الزجاجية، التي صُنفت تحفة فنية على صعيد الشكل والفعالية، العامل الأبرز في التصميم الذي قدّمه المعماري الرائد نورمان فوستر. يعمل مجسّم مخروطي من المرايا على عكس الضوء الطبيعي نحو الغرفة الموجودة أسفله، ما يقلّل الحاجة إلى الإضاءة الصناعية. تتولى سحابة آلية، تغذّيها ألواح شمسية موجودة على السطح، إدارة المجسم المخروطي بشكل يحجب الأشعة المباشرة، للتخلّص من وهج الشمس وخفض الحرارة.
وتعمل القبّة أيضاً على طرد الهواء الساخن من الأعلى دون مراوح. وفي الليل، ينعكس الضوء الصناعي المنبعث من المبنى إلى الخارج، على شكل «منارة».
يتميّز نظاما الطاقة والتبريد الهوائي للرايخستاغ بالابتكار وصداقتهما للبيئة. يتولّى مولّد كهربائي يعمل بالوقود الحيوي، إنتاج 80 في المائة من كهرباء المبنى، و90 في المائة من حرارته. تتلقّى فعالية هذا النظام الدعم من مضخة حرارية تعمل بالطاقة الحرارية الجوفية، وتطرد فائض الحرارة أو البرودة عبر دائرة من الأنابيب الموجودة تحت الأرض، الأمر الذي يساهم في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 94 في المائة.
يعد البناء عاملاً ضرورياً جداً لأهداف ألمانيا الطموحة في مجال الطاقة. تستهدف السياسة الحالية للبلاد تخفيض استهلاك الطاقة فيها بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2050. وحتى ذلك الوقت، من المقرر أن تعمل المباني على خفض طلبها على الطاقة بنسبة 80 في المائة من خلال عمليات التجديد السريعة واستخدام المواد المتجدّدة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.


الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
TT

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

تتجه الأدلة العلمية بشكل متزايد إلى حقيقة صادمة هي أن إساءة معاملة الأطفال لا تُلحق الأذى بالنفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على امتداد العمر.

الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً

وقد كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة عن أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تصبح منقوشة بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية طويلة الأمد.

وتمثل هذه النتائج مجتمعةً نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال إذ لم تُعد مسألة اجتماعية أو نفسية فحسب، بل عامل خطر بيولوجي له تبعات جينية قابلة للقياس.

دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة

في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قام باحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب بيانات عن إساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة. وباستخدام أساليب جينومية متقدمة أثبت الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية عدة.

وكانت النتائج مذهلة، إذ إن الأفراد الذين تعرَّضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة واجهوا خطراً أعلى بـ5 أضعاف تقريباً للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في وقت لاحق من حياتهم.

التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية

وعلى المستوى البيولوجي كشفت الدراسة عن أن سوء معاملة الأطفال يترك آثاراً جينية مستمرة، لا سيما التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيِّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.

ومن بين آلاف هذه التغيرات، حدَّد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية. الجدير بالذكر أن كثيراً من هذه الجينات متورطة أيضاً في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، ما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي في مراحل لاحقة من العمر.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.

الصدمة المكتوبة في الدماغ

وتكمل هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 ركّزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معاً.

وقاد الدراسة البروفسورة أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني، وكلاهما من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة. واستخدم الفريق نهجاً واسع النطاق لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالاً صغاراً ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، إضافة إلى حالات تشريح قضائي. وعلى خلاف الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات محددة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» epigenome للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.

و«الإبيجينوم» هي مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA) والبروتينات التي تؤثر على وقت ومكان وكيفية التعبير عن الحمض النووي. ويمكن أن تنتقل هذه التغيُّرات إلى نسل الكائن الحي وراثياً عبر الأجيال.

وحدَّد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة أهمها «FOXP1»، وهو جين يُعد مفتاحاً رئيسياً لتنظيم تطور الدماغ.

وارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطاً مباشراً بتغيُّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعد هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي. وهي وظائف غالباً ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.

ومن خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ تقدّم الدراسة دليلاً بيولوجياً قوياً على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي ذاته.

الكشف المبكر والوقاية

والأهم أن الدراستين لا تكتفيان بالتشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية. فقد حدَّدت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تتوسط العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والمرض العقلي اللاحق. وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، وكذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التحصيل العلمي. ويمكن للتدخلات الموجّهة في هذه المجالات أن تقلّل الضرر طويل الأمد بشكل ملموس.

في المقابل طوَّر فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الـ4 المرتبطة بالصدمة. وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة والذين لا يملكون ذلك التاريخ باستخدام بيانات مستقلة؛ ما يفتح المجال مستقبلاً لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرُّف المبكر إلى الأطفال المعرّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.

ويرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحوّلاً جذرياً، إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات حكراً على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية لمعالجة تحديات صحية عامة واسعة الانتشار مثل إساءة معاملة الأطفال.

ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة

وتبعث هاتان الدراستان برسالة واضحة هي أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تُشكّل الصحة النفسية طوال الحياة. ورغم أن بعض التغيّرات اللاجينية قد يصعب عكسها فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، ألا وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فاعلية.

ومن خلال فهم الكيفية التي تُكتب بها الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا يمنحنا العلم إلحاحاً أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»