حملة روسية للدفاع عن «العميلة» ماريا بوتينا

موسكو اعتبرتها محاولة لتقويض نتائج قمة هلسنكي

صورة غير مؤرخة لبوتينا تتحدث في اجتماع لخبراء روس (رويترز)
صورة غير مؤرخة لبوتينا تتحدث في اجتماع لخبراء روس (رويترز)
TT

حملة روسية للدفاع عن «العميلة» ماريا بوتينا

صورة غير مؤرخة لبوتينا تتحدث في اجتماع لخبراء روس (رويترز)
صورة غير مؤرخة لبوتينا تتحدث في اجتماع لخبراء روس (رويترز)

في الوقت الذي أطلقت فيه موسكو حملةً سياسية وإعلامية للدفاع عن الطالبة الروسية التي أوقفت قبل أيام لممارسة أنشطة «عميل أجنبي» في واشنطن، ذكر مدعون فيدراليون أميركيون أن لها علاقات مباشرة بالاستخبارات الروسية، وتواصلت معهم خلال إقامتها في الولايات المتحدة.
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن وثيقة قدَّمها مدعون فيدراليون أمام محكمة بواشنطن، أن ماريا بوتينا (29 عاماً) كانت على علاقة شخصية بناشط سياسي أميركي (56 عاما) «لأسباب عملية» وفق الوثيقة، كما عرضت «خدمات جنسية» على شخص أميركي آخر «مقابل منصب في منظمة ذات اهتمام».
وكانت وزارة العدل الأميركية قد وسّعت قائمة اتهاماتها ضد الشابة المولعة بالأسلحة النارية، واعتبرت أنه فضلاً عن قضية «التآمر للعمل لمصلحة حكومة أجنبية دون ترخيص من وزارة العدل، تمت إضافة تهمة ممارسة نشاط كعميل أجنبي» دون تسجيل رسمي، وفقاً لقانون العملاء الأجانب، ما يزيد من شدة التهمة ومدة الحكم بالسجن التي يمكن أن تصدر ضدها.
ومثلت بوتينا أمام محكمة بواشنطن أمس، بداعي محاولتها التسلل للجهاز السياسي الأميركي خدمة لروسيا، وذلك عبر لوبي السلاح في الولايات المتحدة. وبوتينا معروفة ضمن اللوبي المحافظ بنشاطها في منظمة روسية مؤيدة لحمل الأسلحة هي «الحق في الأسلحة»، كما ذكرت وكالة «رويترز».
وكانت وزارة العدل قد أفادت الاثنين، بأنه تم إلقاء القبض على المواطنة الروسية وهي طالبة مقيمة في واشنطن، بتهمة التجسس لصالح روسيا. وجاء في نص الاتهام أن بوتينا كانت تعمل، ابتداء من عام 2015 وحتى فبراير (شباط) عام 2017 على الأقل، «بأمر من مسؤول رفيع في الحكومة الروسية كان في الماضي عضوا في البرلمان الروسي ثم أصبح مسؤولاً رفيعاً في البنك المركزي الروسي»، وتشمله حالياً العقوبات الأميركية.
وذكرت تقارير أميركية أن الأمر يتعلق بألكسندر تورشين، العضو الدائم في لوبي السلاح الأميركي. وبرأي وزارة العدل، فقد أرادت بوتينا استخدام اتصالاتها الشخصية مع المسؤولين الأميركيين لـ«إقامة اتصالات غير رسمية» و«التسلل إلى المؤسسات المرتبطة بالسياسة الأميركية» لخدمة المصالح الروسية.
وتتحدر بوتينا من بارنول بسيبيريا، وكثيراً ما تظهر بسلاح في اليد عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مندّدة بقوانين الأسلحة المتشددة في بلادها. لكن المحققين الأميركيين مهتمون باتصالاتها المتعددة منذ 2015 بمسؤولين في جمعية «ناشونال رايفل»، أكبر لوبيات السلاح الأميركية وتدعم الحزب الجمهوري.
ولا تخفي بوتينا هذه الاتصالات، حيث نشرت صورها مع مسؤولين أميركيين على مواقع التواصل الاجتماعي. وتظهر في الصور مع الرئيس السابق للجمعية ديفيد كيين، والحاكم الجمهوري لويسكونسن سكوت والكر. كما التقت أيضاً الرئيس الحالي للوبي السلاح الأميركي واين لابيير.
وخلال فعالية انتخابية لدونالد ترمب في 2015، سألت المرشح الجمهوري حينها عن علاقاته بروسيا. وردَّ عليها قائلاً: «أعتقد أنني سأتفاهم بشكل جيد مع بوتين».
ورفض محامي بوتينا روبرت دريسكول، الاتهامات الأميركية. وقال إنها أدلت طوعاً بشهادة أمام لجنة التجسس الخاصة التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي وقدمت لها «آلاف الوثائق». واعتبر أن وزارة العدل «تضخم عمداً الاتهامات الموجهة ضد موكلته».
وتابع أن «موكلتي ليست عميلة للاستخبارات الروسية، بل هي مواطنة روسية موجودة في الولايات المتحدة بتأشيرة طالب، وهي تخرجت أخيراً في الجامعة الأميركية بواشنطن بدرجة ماجستير في العلاقات الدولية. وحصلت على تصريح عمل، واستخدمت شهادتها الأكاديمية لبناء مستقبل مهني في مجال الأعمال».
وزاد أنه «لا يوجد دليل على أن بوتينا كانت تحاول التأثير أو تقويض أي سياسة أميركية أو قانون أميركي محدد، كانت فقط تحاول تحسين العلاقات بين البلدين. إن لائحة الاتهام هي ببساطة إساءة لقانون العملاء الأجانب».
كما اعتبر أن إضفاء وصف «مؤامرة» على ترتيب عشاء ودي في مطعم مع مجموعة من الأميركيين والروس لمناقشة العلاقات بين البلدين، هو أمر صادم في الواقع لطالبة روسية تدرس العلاقات الدولية وتعيش في واشنطن.
وأوضح تأكيد محامي بوتينا جانباً من طبيعة الاتهامات الموجهة ضدها، وكانت شبكة «نيوز رو» الروسية واسعة الانتشار قالت أمس إن بوتينا حاولت مرتين تنظيم لقاء يجمع الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره دونالد ترمب خلال الحملة الانتخابية الرئاسية للأخير، ورغم أنها فشلت في تنظيم اللقاءين اللذين أحيطا بسرية، لكنها نجحت في ذلك الحين في ترتيب لقاء حضره نجل ترمب وعدد من الشخصيات المقربة من حملة ترمب الرئاسية وحضرته شخصيات روسية.
بدورها، حذّرت الخارجية الروسية، أمس، مما وصفته بـ«محاولات تقوم بها الأجهزة الأميركية لتقويض نتائج قمة هلنسكي»، من خلال توقيت وملابسات الإعلان عن اعتقال بوتينا، وتوجيه اتهامات ضدها بممارسة أنشطة مخالفة للقوانين الأميركية.
وأطلقت موسكو حملة للدفاع عن بوتينا، وطالبت السلطات الأميركية بالسماح لموظفي القنصلية الروسية في واشنطن بزيارتها والاطلاع على ملفات القضية. ولم تستمر طويلاً أجواء الترحيب بنتائج أول قمة تجمع الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب التي سيطرت على تعليقات النخب السياسية وتغطيات وسائل الإعلام، إذ جاء الإعلان عن اعتقال بوتينا وإعداد لائحة اتهامات ضدها ليضعف الحماسة التي أثارتها نتائج القمة حيال فرص فتح صفحة جديدة في العلاقات بين موسكو وواشنطن.
ورأت الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن توقيت الإعلان عن اعتقال ماريا بوتينا، بالتزامن مع انعقاد القمة هدف إلى تقويض نتائجها. وزادت أن موسكو «اطلعت بقلق على التقارير حول اعتقال المواطنة الروسية، في الولايات المتحدة يوم 15 يوليو (تموز). وبحسب المواد المنشورة على موقع وزارة العدل الأميركية، تواجه بوتينا اتهامات بالقيام بأنشطة غير قانونية تضعها تحت طائلة قانون العملاء الأجانب، لكن مثل هذه الادعاءات المفبركة المنسوبة لمواطنتنا تبدو غريبة».
وفي إطار الشكوك الروسية حول توقيت وملابسات تفجير القضية، قالت زاخاروفا: «يبدو أن هناك أحداً أخذ ساعة وآلة حاسبة لتحديد الموعد المناسب لاتخاذ هذا القرار حول اعتقال ماريا بوتينا لتقويض العمل المشترك للرئيسين»، موضحة أنه «يمكن تحليل هذه القضية كثيراً، لكن الانطباع الذي يتشكل لدينا مفاده أن هذا الإجراء، أي الاعتقال، تم اتخاذه لإقناع الداخل الأميركي والحلفاء في الخارج، بجدية الاتهامات حول مسائل التدخل الروسي المزعوم. ولهذا السبب بدأت وسائل الإعلام فوراً التحدث عن بوتينا كجاسوسة وربطها بالاستخبارات الروسية، وتصعيد حدة التوتر وذلك على الرغم من غياب أي معلومات حقيقية قد تشكل أساساً لمثل هذه الادعاءات».
وشددت على قناعة موسكو بأن «الهدف الواضح يتمثل بالتقليل من النتائج الإيجابية للقمة لأقصى درجة ممكنة وتنفيذ هذه المهمة بأسرع وقت ممكن».
من جانبه، قال رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الفيدرالية الروسي (الشيوخ) قسطنطين كوساتشوف، أن القضية قد تكون رد فعل «الآلة المناهضة لروسيا» في الولايات المتحدة على نتائج قمة هلسنكي.
في هذه الأثناء، أعلن السفير الروسي لدى واشنطن أناتولي أنطونوف أن موسكو «لا ترى جديداً في قضية بوتينا انطلاقاً من التصرفات الأميركية». وأشار إلى أن «الاستخبارات الأميركية قامت وتقوم بملاحقة المواطنين الروس، ليس في الأراضي الأميركية فحسب، بل على أراضي دول أخرى».
وزاد أن روسيا تعمل ما بوسعها، لإطلاق سراح ماريا بوتينا في أسرع وقت ممكن، منتقداً تجاهل السلطات الأميركية طلبات روسية بتسهيل وصول موظفي القنصلية الروسية إلى المواطنة الروسية بالإضافة إلى الطلب المتعلق بالاطلاع على ملفات القضية.
وأصدرت السفارة الروسية في واشنطن بياناً قالت فيه إن الدبلوماسيين الروس يحققون في الظروف المحيطة باحتجاز بوتينا في واشنطن.
وورد في البيان أن الاتصالات متواصلة «مع السلطات الأميركية، للحصول منها على تصريح يجيز الوصول القنصلي إلى المواطنة الروسية من أجل حماية حقوقها المشروعة».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».