جهاز لحصاد الرطوبة يمتص ماء الشرب من الهواء

ندرة المياه ستصبح قريباً مشكلة من الماضي

«حاصد المياه» الجديد
«حاصد المياه» الجديد
TT

جهاز لحصاد الرطوبة يمتص ماء الشرب من الهواء

«حاصد المياه» الجديد
«حاصد المياه» الجديد

طوّر باحثون من جامعة كاليفورنيا في بيركلي جهازاً لحصاد المياه يستخرج مياه الشرب من الهواء الصحراوي وفي الأجواء قليلة الرطوبة بتكلفة منخفضة. ويأتي هذا الابتكار على شكل «صندوق متواضع» يكتفي بأشعة الشمس مصدراً للطاقة التي يحتاجها للعمل.
- مياه من الهواء
وقال عمر ياغي الأردني الأصل، البروفسور في الكيمياء في الجامعة، مخترع التقنية التي يعمل بها الجهاز: «لا شيء يشبه هذا الابتكار» حتى الآن. يعمل جهاز حصاد المياه هذا على جمع المياه في الصحراء في درجة حرارة المحيط ويكتفي بأشعة الشمس المتوفرة دون الحاجة إلى أي مصدر آخر للطاقة. وأضاف أن «هذه العملية التي تبدأ في المختبر وتنتهي في الصحراء، أتاحت لنا تحويل عملية حصاد المياه من ظاهرة مثيرة للاهتمام إلى علم حقيقي».
يستخدم هذا الحاصد مكوّنا يعرف بالهيكل الفلزي - العضوي يحتوي على مادة مسامية ذات قدرة عالية على الامتصاص. وتحبس هذه التقنية جزيئات المياه حتى في أجواء الرطوبة المنخفضة ثمّ تنقلها إلى إناء، تتحوّل فيه بسرعة إلى مياه نظيفة قابلة للشرب. وقال ياغي: «إن العامل الأهم في هذا الابتكار هو قدرته على العمل في الأجواء القليلة الرطوبة في المناطق الصحراوية حول العالم».
ويصنع الهيكل الفلزي - العضوي (MOF - 801) المستخدم حالياً من معدن الزركونيوم الباهظ الثمن. ويتوقع الباحثون بفضل هذا الهيكل أن يتمكنوا أخيراً من حصاد نحو 200 ملليلتر من المياه في الكيلوغرام الواحد من الهيكل. ولكنّ ياغي نجح في تطوير هيكل جديد مصنوع بغالبيته من الألمونيوم، بتكلفة أقل بـ150 مرة من الزركونيوم، يستطيع التقاط كمية مضاعفة من المياه في الاختبارات.
ويشرح ياغي: «شهدنا اهتماماً كبيراً بتسويق هذا الابتكار، وهناك شركات ناشئة كثيرة بدأت فعلياً بتطوير جهاز حصاد للمياه لأهداف تجارية». وساهم الألمونيوم في زيادة عمليّة هذا الهيكل في إنتاج المياه بسبب انخفاض كلفته.
وينتشر الهيكل الفلزي - العضوي على سطح الصندوق الداخلي ويعمل كالإسفنجة، ويجمع الصندوق الخارجي المياه الراشحة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.
- مبدأ العمل
كيف يعمل جهاز حصاد المياه؟ يتألف جهاز حصاد المياه من صندوق موضوع في صندوق آخر. وعندما ينتشر الهواء المحيط عبر الهيكل الفلزي - العضوي، تتصل جزيئات المياه بالأسطح الداخلية. وكانت دراسات البلورات بالأشعة السينية قد أظهرت أن جزيئات بخار المياه تتجمع غالباً في مجموعات من ثمانية لتشكّل مكعبات.
ترفع أشعة الشمس التي تدخل عبر النافذة درجة حرارة الهيكل وتدفع المياه المجتمعة باتجاه المكثّف، الذي تعادل حرارته درجة الحرارة الخارجية. ويتكثف البخار على شكل سائل ويقطر في الإناء. ويمكن للمادة أن تعطي فعالية أكبر في ظلّ درجات رطوبة أعلى أو أدنى. ويخطط الباحثون لإجراء الاختبار الميداني التالي في أواخر هذا الصيف في منطقة «ديث فالي» (وادي الموت)، حيث يمكن لدرجات الحرارة أن تصل إلى 110 درجات مئوية.


مقالات ذات صلة

«ServiceNow» لـ«الشرق الأوسط»: «عصر المساعد الذكي أصبح وراءنا بشكل كبير»

خاص يعيد هذا التحول تعريف الإنتاجية من عدد المهام المنجزة إلى جودة المخرجات وسرعة القرار ومعدل التصعيد ودور الإنسان في الحكم

«ServiceNow» لـ«الشرق الأوسط»: «عصر المساعد الذكي أصبح وراءنا بشكل كبير»

ينتقل الذكاء الاصطناعي المؤسسي من المساعدة إلى التنفيذ؛ ما يعيد تعريف الإنتاجية والحوكمة والعمل المعرفي داخل المؤسسات وعلى نطاق أوسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات ذكاء اصطناعي «مخصَّصة» لمتابعة الأخبار

أدوات ذكاء اصطناعي «مخصَّصة» لمتابعة الأخبار

ا يسعني مواكبة كافة الأخبار التي تهمني؛ لذا بدأت في استكشاف طرق جديدة للحصول على تحديثات موجزة ومنقحة. واليوم، أشارككم ثلاث أدوات جديدة نالت إعجابي.

جيريمي كابلان (واشنطن)
الاقتصاد لوحة تعريفية لشركة «المعمر لأنظمة المعلومات» في مدينة الرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

تراجع أرباح «المعمر لأنظمة المعلومات» السعودية 64 % في الربع الأول

تراجع صافي أرباح شركة «المعمر لأنظمة المعلومات (إم أي إس)» السعودية بنسبة 64 في المائة إلى 12 مليون ريال (3.2 مليون دولار) للربع الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد زوار لجناح «رسن» في أحد المعارض بالسعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

أرباح «رسن» السعودية لتقنية المعلومات تقفز 194 % خلال الربع الأول

قفز صافي أرباح شركة «رسن لتقنية المعلومات» السعودية بنسبة 194 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، ليصل إلى 88.3 مليون ريال (23.5 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف (واس)

الخريّف: السعودية مؤهلة لتصبح جسراً يربط منتجي ومستهلكي المعادن في العالم

قال وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف إن الموقع الجغرافي للمملكة وثقلها الاقتصادي يؤهلانها لتصبح جسراً عالمياً للمعادن.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول )

«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي

«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي
TT

«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي

«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي

لا تكتفي المؤسسات الرائدة في تبني الذكاء الاصطناعي بإضافة أدوات جديدة، بل تعيد هيكلة العمل نفسه. هذا ما توصلت إليه أحدث نسخة من الدراسة الموسومة: «مؤشر اتجاهات العمل السنوي لمايكروسوفت Microsoft’s annual Work Trends Index »، المنشورة اليوم، كما كتب جاريد ليندزون(*).

استطلاع دولي من «مايكروسوفت»

تشير الدراسة، التي شملت استطلاعات رأي مع 20000 موظف يستخدمون الذكاء الاصطناعي في 10 دول، - إضافة إلى تريليونات من مؤشرات الإنتاجية التي ترصدها برمجيات «مايكروسوفت 365» - إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج قيمة هائلة، لكن النجاح يعتمد على ثقافة مكان العمل السائدة.

وتقع على عاتق القادة مسؤولية توحيد استراتيجياتهم المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وتوفير الوقت والمساحة للتجربة الجماعية، وتبني نهج أقل تقييداً لكيفية إنجاز العمل على نطاق أوسع.

ارتفاع وتيرة إنجاز الأعمال

وفقاً للدراسة، يُنجز 58 في المائة من مستخدمي الذكاء الاصطناعي أعمالاً لم يكونوا قادرين على إنجازها قبل عام. وترتفع هذه النسبة إلى 80 في المائة في المؤسسات التي أعادت تصميم نموذج تشغيلها لدعم دمج الذكاء الاصطناعي (المشار إليها في الدراسة باسم «الشركات الرائدة»)، حيث تبني عملياتها بشكل أساسي حول قدرات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من محاولة دمج الأدوات الجديدة مع الأنظمة القديمة.

دور حاسم للعوامل التنظيمية وثقافة المؤسسة

على الرغم من النظرة الغالبة بأن تبني الذكاء الاصطناعي هو مسؤولية فردية، فقد وجدت الدراسة أن العوامل التنظيمية، مثل ثقافة المؤسسة ودعم المديرين، لها تأثير مضاعف على الذكاء الاصطناعي مقارنةً بالعوامل الفردية، مثل عقلية الموظفين وسلوكهم.

ويوضح مات فايرستون، المدير العام لتسويق منتجات «كوبايلوت» Copilot و«اجنتس» Agents في مايكروسوفت: «رغم أن الموظفين يحرزون تقدماً ملحوظاً في إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن المؤسسات نفسها لم تتغير... لم يستجب القادة بالسرعة الكافية لإطلاق كامل إمكاناته».

ولتحقيق هذه القيمة، يحتاج القادة إلى التوقف عن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه حلاً برمجياً يُضاف إلى عمليات العمل الحالية، والبدء في التفكير فيه كعامل محفز لتحول أكبر بكثير يُعيد تصميم كيفية إنجاز الأمور في بيئة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

العاملون يواجهون معضلة «التحول»

يصطدم العديد من أولئك الذين يحاولون إعادة تصميم أساليب عملهم بالتزامن مع الذكاء الاصطناعي بهياكل مكان العمل التي لا تدعم هذه الجهود.

ووفقاً للدراسة، يعتقد ربع مستخدمي الذكاء الاصطناعي فقط أن قيادتهم متوافقة بشكل واضح ومستمر مع الذكاء الاصطناعي. أما البقية فهم عالقون فيما تسميه الدراسة «معضلة التحول»، حيث «يتعارض الدافع نحو الأداء مع الدافع نحو التحول».

على سبيل المثال:

* يخشى 65 في المائة من مستخدمي الذكاء الاصطناعي التخلف عن الركب إذا لم يتكيفوا بسرعة.

* ومع ذلك، يقول 45 في المائة منهم إن العمل على أهدافهم الحالية أكثر أماناً بالنسبة لهم.

* في الواقع، أفاد 13 في المائة فقط بتلقيهم مكافآت مقابل استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة ابتكار أساليب عملهم، حتى لو لم تتحقق النتائج المرجوة.

ويوضح فايرستون: «يمكن حل هذه المعضلة بتغيير الهيكل التنظيمي، بحيث تتوافق كفاءة الأفراد مع كفاءة المؤسسة. وعند القيام بذلك، نحصل على دورات إيجابية من التطوير الذاتي».

تحويل التركيز من المهام إلى النتائج

وفقاً للدراسة، يكون لتبني الذكاء الاصطناعي أكبر الأثر في المؤسسات التي يتعلم فيها الأفراد ويتعاونون ويطورون أنفسهم بشكل جماعي، بدلاً من إسناد المهام الفردية إلى أدوات مؤتمتة.

لكن تهيئة بيئة يشعر فيها الأفراد بالتمكين للتجريب معاً لا تزال تشكل تحدياً للقادة الذين اعتادوا النظر إلى أدوات الإنتاجية كحل محدد لمشكلة محددة، بدلاً من كونها محفزاً لتغيير نظامي أوسع. يقول فايرستون: «إن خلق تلك الثقافات التي تقوم على البناء المشترك - البناء بشفافية، وارتكاب الأخطاء، وتعزيزها، والتعلم من بعضنا - يمثل تحولاً تنظيمياً هائلاً، بدلاً من التركيز على إنجاز عمل محدد فقط».

ثقافة التجريب التعاوني

يوضح فايرستون أن المؤسسات المتميزة في دمج الذكاء الاصطناعي تعزز ثقافة التجريب التعاوني. في هذه الثقافات، تُهمَل المهام والمسؤوليات الفردية، ويُشجَّع الفرق على التفكير في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق نتيجة جماعية مرغوبة، وهو ما يشبهه بمسابقة هاكاثون، وهي مسابقة محمومة من المبرمجين تتوج عادة بإنتاج برنامج جديد.

ثم يشرح قائلاً: «عندما تشارك في هاكاثون، تجد سؤالاً غامضاً، ولا توجد إجابة صحيحة، فالمهم هو مدى سرعة إنجازك له، ومدى فاعلية النتيجة التي توصلت إليها». ويضيف: «الرائع في أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة هو أنها تُطبّق هذا المبدأ على سياق العمل المعرفي، حيث يجتمع الناس ويُطلقون العنان لطموحاتهم لبناء أشياء لم يكونوا قادرين على بنائها من قبل».

التغيير يبدأ من القمة

قد يتعارض هيكل مكان العمل الجديد الذي وصفه فايرستون مع ممارسات الإدارة التقليدية، التي تشجع الموظفين على أداء مهمة معينة بطريقة محددة.

ويقول: «مهمة أي قائد ناجح هي التفكير في العمليات التي تناسب فريقه، وكل واحد من أفراده، ووظيفته». فالأمر يتعلق بإنجاز العمل، «هذا النوع من التفكير القائم على النتائج هو جوهر الأمر».

استعداد للتبني المبكر

عامل رئيسي آخر يحدد نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي هو استعداد القادة لتبنيه مبكراً. وفقاً لدراسة منفصلة أجرتها «مايكروسوفت»، أفاد أولئك الذين قام مديروهم بنمذجة استخدام الذكاء الاصطناعي بما يلي:

* زيادة قدرها 17 في المائة في القيمة المتصورة للذكاء الاصطناعي.

* زيادة قدرها 22 في المائة في التفكير النقدي حول استخدامهم الشخصي للذكاء الاصطناعي.

* زيادة قدرها 30 في المائة في الثقة بالذكاء الاصطناعي الآلي.

ويقول فايرستون: «عندما ترى مديرك، أو مدير مديرك، يجسد استخدام الذكاء الاصطناعي بنشاط - أي بناء وكلاء، أو مشاركة التوجيهات في «كوبايلوت»، أو مشاركة سير عملهم - فإن الأفراد يستجيبون». عندما يُطبّق المدير نموذجاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، يُمكن ملاحظة التغييرات السلوكية، وقياسها وتحديدها كمياً.

ووفقاً للدراسة، شهد المديرون الذين يُرسّخون ثقافة التجريب القائمة على بيئة عمل آمنة نفسياً زيادةً بنسبة 20 في المائة في استعداد موظفيهم لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتقديرهم له. كما كانوا أكثر عرضةً بنسبة 1.4 مرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي الفعّال بشكلٍ متكرر.

ويضيف فايرستون: «الجميل في الأمر هو سهولة البدء باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. لا توجد أدلة أو وثائق معقدة للبدء: يُمكنك ببساطة تنزيل البرنامج والبدء في استخدامه... إن طبيعة الفضول والاستكشاف والتفاؤل هذه هي ما يُميّز هذه التقنية عن غيرها».

* مجلة «فاست كومباني»


الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة
TT

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

في وقت يسعى فيه ملايين الأشخاص لإبطاء آثار التقدم في العمر، تكشف دراسة دولية حديثة أن الإجابة لا تكمن فقط في نمط الحياة الصحي، بل أيضاً في تركيبتنا الجينية. فالعلاقة بين ما نأكله وكيف نعيش ومدى احتفاظنا بصحتنا مع التقدم في العمر تبدو أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.

تأثير العوامل اليومية

الدراسة التي قادها أزميراو أماري من كلية الطب والصحة في جامعة أديلايد بأستراليا ونُشرت في دورية «The Journals of Gerontology» في 23 فبراير (شباط) 2026 تقدم دليلاً جديداً على أن تأثير العوامل اليومية -مثل النظام الغذائي، والنشاط البدني، والنوم، والتدخين- لا يكون متساوياً لدى الجميع، بل يختلف بحسب الاستعداد الجيني لكل فرد.

«قدرات الإنسان الجوهرية»

في سعي العلماء لفك لغز الشيخوخة ظهر مفهوم جديد يُعرف بـ«القدرة الجوهرية» Intrinsic Capacity، وهو مقياس يجمع بين القدرات الجسدية والعقلية التي يحتاجها الإنسان للحفاظ على استقلاليته، وجودة حياته. هذه القدرة تشمل الحركة، والتفكير، والتواصل، وأداء الأنشطة اليومية. وفي دراسة مكثفة اعتمدت على بيانات أكثر من 13 ألف مشارك ضمن الدراسة الكندية الطولية حول الشيخوخة (CLSA) Canadian Longitudinal Study on Aging وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى أعلى من هذه القدرة يعيشون حياة أكثر نشاطاً وصحة، بينما يعاني آخرون من تراجع وظيفي أسرع مع التقدم في العمر.

نمط الحياة «لا يعمل وحده»

وأظهرت النتائج أن العوامل الصحية المعروفة -مثل ممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والمشاركة الاجتماعية، والتعليم الجيد- ترتبط جميعها بشيخوخة أكثر صحة. في المقابل ارتبط التدخين وسوء النوم بانخفاض القدرة الجسدية والعقلية مع التقدم في العمر. لكن المفاجأة كانت أن هذه التأثيرات لا تنطبق بنفس القوة على الجميع. فالجينات تلعب دوراً كبيراً في تحديد مدى استفادة الشخص من هذه العوامل، أو تأثره بها.

البعض يمتلك «أفضلية جينية»

ووفقاً للدراسة، يمتلك بعض الأفراد «أفضلية جينية» تجعلهم أقل عرضة للتأثر السلبي بعوامل مثل قلة النوم، بينما قد يكون آخرون أكثر حساسية لهذه العوامل، مما يؤدي إلى تدهور أسرع في صحتهم.

النوم مثالاً... ليس دائماً بسيطاً

من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن النوم -سواء كان قليلاً أو مفرطاً- يرتبط سلباً بالشيخوخة الصحية. لكن التأثير يختلف حسب الجينات. فالأشخاص الذين ينامون لفترات قصيرة قد لا يتأثرون بنفس الدرجة إذا كانوا يمتلكون استعداداً جينياً إيجابياً، بينما أظهر النوم الطويل نتائج أكثر سلبية لدى فئة منتصف العمر حتى من لديهم ميزة جينية. وتشير هذه النتائج إلى أن النصائح الصحية العامة قد تحتاج إلى تخصيص أكبر مستقبلاً بدلاً من تطبيقها بشكل موحد على الجميع.

التعليم والنظام الغذائي... تأثير مستمر

في المقابل برزت بعض العوامل كعناصر قوية لتعزيز الشيخوخة الصحية بغض النظر عن الخلفية الجينية. فقد أظهرت الدراسة أن اتباع نظام غذائي شبيه بنظام البحر المتوسط، إلى جانب التعليم الجيد، يرتبطان بنتائج إيجابية طويلة الأمد حتى لدى الأفراد الذين لا يملكون أفضلية جينية واضحة. وهذا يعزز فكرة أن الجينات ليست قدراً محتوماً، وأن الخيارات اليومية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار الحياة الصحية.

منتصف العمر نقطة التحول

تشير الدراسة أيضاً إلى أن تأثير الجينات يكون أكثر وضوحاً في منتصف العمر، بينما تصبح العوامل البيئية والتراكمية -مثل نمط الحياة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية- أكثر تأثيراً مع التقدم في السن. بمعنى آخر قد تبدأ حياتنا بتأثير جيني قوي، لكن مع مرور الوقت تزداد أهمية القرارات اليومية والتجارب الحياتية في تشكيل صحتنا.

ماذا تعني هذه النتائج؟

بالنسبة للخبراء تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق للعلاقة بين الطبيعة (الجينات) والتربية (نمط الحياة). وهي تفتح الباب أمام تطوير استراتيجيات صحية أكثر دقة تأخذ في الاعتبار الفروق الفردية بين الناس. كما تحمل رسالة إيجابية هي أنه رغم تأثير الجينات، فلا يزال بإمكان الأفراد تحسين فرصهم في الشيخوخة الصحية من خلال خيارات بسيطة، مثل الحركة اليومية، والتغذية المتوازنة، والنوم الجيد، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية.

نحو طب أكثر تخصيصاً

يأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تطوير برامج وقائية وعلاجية موجهة تستند إلى فهم أعمق للتفاعل بين الجينات ونمط الحياة. فبدلاً من انتظار ظهور الأمراض يمكن التركيز على الحفاظ على القدرة الوظيفية والاستقلالية مع تقدم العمر. في النهاية يبدو أن الشيخوخة ليست مجرد رحلة بيولوجية محددة سلفاً، بل هي مسار يتشكل من تفاعل معقد بين ما نحمله في جيناتنا... وما نختاره في حياتنا اليومية.


العين «مرآة الدماغ الصامتة» تكشف عن الأمراض مبكراً

حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
TT

العين «مرآة الدماغ الصامتة» تكشف عن الأمراض مبكراً

حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم

في الطب القديم، لم يكن السؤال هو البداية بل النظرة الأولى. كان المطبّبون يتأملون العين قبل أن يستمعوا إلى الشكوى، لا بوصفها أداة للإبصار فقط، بل نافذة دقيقة تعكس ما يجري في أعماق الجسد. لم تكن تلك الملاحظة ضرباً من الحدس وحده، بل ممارسة تشخيصية قائمة على خبرة تراكمت عبر قرون.

اليوم، وبعد مسار طويل من التقدم العلمي، يعود هذا المفهوم بصيغة جديدة أدق وأكثر تعقيداً. لكن هذه المرة، لا يقوم به حدس الطبيب وحده، بل خوارزميات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل صور العين واستخراج أنماط خفية تتجاوز قدرة النظر البشري.

بين حدس الطبيب وعيون الخوارزمية

لم تعد الإشارات مقتصرة على ملامح الوجه أو نبرة الصوت، بل تمتد إلى أعماق العين نفسها.

فهل يمكن حقاً أن تكشف العين عن أمراض لم تظهر أعراضها بعد؟

وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرى في شبكية العين ما لا نستطيع نحن إدراكه؟

مرآة الدماغ الصامتة

تُعد شبكية العين امتداداً مباشراً للجهاز العصبي المركزي، وهي الجزء الوحيد من الدماغ الذي يمكن رؤيته بشكل غير جراحي. لهذا السبب، فإن أي تغيير دقيق في الأوعية الدموية داخل العين قد يعكس اضطرابات أعمق في الدماغ، أو القلب، أو التمثيل الغذائي.

خلال السنوات الأخيرة، أظهرت دراسات متقدمة أن تحليل صور قاع العين يمكن أن يكشف مؤشرات مبكرة لأمراض مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب. ومن أبرز هذه الجهود، أبحاث طورتها شركة «ديب مايند» بالتعاون مع مستشفى «مورفيلدز للعيون» في لندن، حيث أُنتج نموذج قادر على تحليل صور الشبكية بدقة تضاهي كفاءة كبار أطباء العيون، بل وتتجاوزها في حالات معينة.

وفي دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، قاد الباحث جوزيف لِدسام (Joseph Ledsam) من شركة ديب هيلث (Deep Health) – لندن، المملكة المتحدة – فريقاً طوّر نموذجاً ذكياً لتحليل صور الشبكية بهدف التنبؤ بالمخاطر القلبية الوعائية. ولم تقتصر النتائج على تحسين الدقة التشخيصية، بل أظهرت قدرة النظام على تقدير العمر البيولوجي، ومستويات ضغط الدم، وحتى خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، اعتماداً على تفاصيل دقيقة في شكل الأوعية الدموية يعجز الإنسان عن تفسيرها بسهولة.

كما أظهرت أبحاث أخرى من جامعة ستانفورد الأميركية أن الدمج بين الصور الطبية والبيانات الحيوية يفتح الباب أمام تشخيص الأمراض المزمنة قبل ظهور أعراضها بسنوات.

هنا لا تتحدث الخوارزمية بلغة التشخيص التقليدي، وإنما بلغة الأنماط الخفية، أنماط لا نبحث عنها عادة، لكنها كانت موجودة طوال الوقت.

العين التي تقرأ الجسد قبل أن ينطق المرض

من العيادة إلى الهاتف

لم تعد هذه التقنيات حبيسة المختبرات أو المراكز المتخصصة. فقد بدأت أدوات تحليل صور العين تنتقل إلى أجهزة أبسط، بل وحتى إلى الهواتف الذكية. في هذا النموذج الجديد، قد يتحول فحص العين من إجراء يُجرى خلال زيارة طبية إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، ترصد التغيرات الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان.

وهنا يتغير مفهوم التشخيص ذاته. لم يعد حدثاً مرتبطاً بموعد، بل عملية ديناميكية تراقب الإشارات الصامتة للجسد بصورة متواصلة.

في العالم العربي، حيث ترتفع معدلات السكري وأمراض القلب بشكل ملحوظ، قد تمثل هذه التقنيات فرصة حقيقية لإعادة تعريف الوقاية قبل أن تتحول إلى علاج.

ورغم هذا التقدم، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل يمكن الوثوق بما «تراه» الخوارزميات؟ فالذكاء الاصطناعي لا يرى الإنسان بوصفه كائناً متكاملاً، بل يرى بيانات. وهذه البيانات قد تكون ناقصة، أو متحيزة، أو غير ممثلة لجميع الفئات. كما أن كثيراً من هذه الأنظمة، رغم دقتها العالية، تفتقر إلى القدرة على تفسير قراراتها، فتخبرنا بما قد يحدث، دون أن تشرح لماذا.

هنا تظهر فجوة جديدة في الطب الحديث: فجوة بين الرؤية والفهم، بين الدقة والمعنى.

ربما لم يكن الأطباء القدماء مخطئين حين جعلوا العين مدخلاً أساسياً للتشخيص، لكنهم كانوا يعتمدون على الخبرة والحدس والارتباط المباشر بالمريض. أما اليوم، فيقدم الذكاء الاصطناعي دقة أعلى، لكنه يظل محدود الفهم خارج إطار البيانات.

وفي هذا التوازن الدقيق، لا يصبح دور الطبيب قراءة الصورة فحسب، بل تفسير ما وراء الصورة، وربط النتائج بسياق إنساني لا تستطيع الخوارزميات إدراكه. فالخطر ليس أن ترى الآلة أكثر منا، بل أن نثق بما تراه دون أن نفهمه.

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد العين مجرد وسيلة للرؤية، بل أصبحت مصدراً غنياً بالبيانات قد يكشف المستقبل الصحي للإنسان.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فيما يمكن رؤيته، بل في ما قد لا ننتبه إليه؛ في الإشارات التي تلتقطها الأنظمة دون أن نفهم معناها الكامل.

ولهذا، لم يعد السؤال: هل نرى المرض؟ بل أصبح: ما الذي تراه الخوارزميات فينا... ولم نتعلم بعد كيف نراه نحن؟