قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

العالم بانتظار لقاء تاريخي بين الرئيسين الأميركي والروسي

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟
TT

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

بعد عدة أشهر من التكهّنات والتساؤلات، تقرر انعقاد أول لقاء «قمة» بين الرئيسين الأميركي والروسي دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في هلسنكي، عاصمة فنلندا، يوم 16 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي هذا اللقاء في حقبة تعد من أسوأ الحقب للعلاقات بين واشنطن وموسكو منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

كانت فكرة عقد لقاء قمة بين القائدين الأميركي والروسي (زعيم الاتحاد السوفياتي في حينه) قد ولدت في الأصل عام 1954، وذلك بعد حسم صراع الزعامة السوفياتية في موسكو بإزاحة جورجي مالينكوف، وخروج كل من نيكيتا خروتشوف ونيكولاي بولغانين منتصرين. ذلك أنه مع نجاح الاتحاد السوفياتي في أن يغدو قوة نووية، قبل بضع سنوات، اقتنعت إدارة الرئيس الأميركي (يومذاك) دوايت أيزنهاور بأن «القمم الثلاثية» القديمة، التي كانت انطلقت إبان الحرب العالمية الثانية بمشاركة بريطانيا، ما عادت تعبّر عن واقع ميزان القوى العالمي. إذ بات في العالم قطبان لا ثالث لهما، وصار بمقدور الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي فرض جدول أعمال كثير من القضايا الدولية.
القمة الأولى عقدت بين الرئيس أيزنهاور والثنائي خروتشوف وبولغانين في مدينة جنيف السويسرية في يوليو 1955. إلا أنه سرعان ما سقط بولغانين في جولة جديدة من صراع السلطة في موسكو، خرج خروتشوف «زعيماً» أوحد للاتحاد السوفياتي. ومن ثم، بعد عهد الرئيس الأميركي جون كيندي، تحوّلت القمم الأميركية - السوفياتية إلى لقاءات دبلوماسية روتينية الغاية منها إدارة الأزمات إبان حقبة «الحرب الباردة».

- 22 قمة
هذا «التقليد» اشتمل على 22 قمة، انعقد ما يقرب من نصفها خلال فترة قيادة ميخائيل غورباتشوف المهزوزة «سفينة» الاتحاد السوفياتي وسط أمواج عاتية. ولكن، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حافظت الإدارات الأميركية المتعاقبة على هذا التقليد... ولو كتذكار من الماضي، وطريقة لبقة لبلسمة معنويات روسيا الجريحة، من دون إعطائها أهمية لا تستحقها.
ثم، مع طي صفحة رئاسة بوريس يلتسين لروسيا عندما بدت خلالها موسكو كأنها تبحث عن مكان لها بين «الكبار»، رأى فلاديمير بوتين في تقليد لقاءات القمة عنصراً مهماً في استراتيجيته الكبرى الهادفة لاستعادة روسيا مكانتها «قوة عظمى» تستحق أن يكون لها صوت مسموع ومقرّر في كل القضايا الدولية من دون استثناء.
كان هذا الطموح متعذراً في عهدي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ذلك أن بوش تعامل مع روسيا بفتور يداني قلة الاكتراث. ومع أنه استضاف بوتين وأكرم وفادته فإنه لم يعطه شيئاً. أما أوباما، الذي عمل حتى على تقزيم دور أميركا كقوة عالمية نافذة، فما كان منتظراً منه أن يعامل روسيا أفضل مما تعامل مع بلده!

- مكمن الأهمية
بالمناسبة، قمة هلسنكي المرتقبة لن تكون اللقاء المباشر الأول بين ترمب وبوتين، اللذين سبق لهما أن اجتمعا وجهاً لوجه لفترات قصيرة على هوامش «قمة الدول العشرين» (G 20) ومؤتمرات «دول آسيا وحوض المحيط الهادي»، وخرجا منها بمجاملات متبادلة. غير أن قمة هلسنكي تستحق اهتماماً كبيراً وخاصاً لجملة من الأسباب، على رأسها أنها أول «قمة كاملة» حقيقية بينهما.
في هلسنكي قد تكون الأمور مختلفة بين زعيم يعتبر نفسه قائد «مسيرة استعادة أميركا عظمتها» وزعيم عصبة «روسيا... أولاً»! ثم إن اختيار هلسنكي، في حد ذاته، لا يخلو من دلالات... إذ إنه يعود بالذاكرة إلى أيام «الحرب الباردة» عندما كانت واشنطن وموسكو يضبطان إيقاع العالم. ولكن، في المقابل، فإن العاصمة الفنلندية هي أيضاً المكان الذي صدرت فيه «اتفاقية هلسنكي» عام 1975، وبموجبها وافق قادة 35 دولة بينها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، على إنهاء عملي لـ«الحرب الباردة» بتهدئة الأوضاع في أوروبا عبر اتفاقية أمن وتعاون بين دول القارة.
خلال القمة المقبلة، قد نشهد الفصل الأخير من «اتفاقية هلسنكي» للأمن والتعاون في أوروبا مع إقرار الجانبين الأميركي والروسي بوجود حقائق جديدة على الأرض منذ 1975. إذ انهار الاتحاد السوفياتي وتقسّم، وصار «حلف وارسو» نسياً منسياً مقابل تمدد حلف شمال الأطلسي «ناتو» بعمق أوروبا، وأُجبرت روسيا تحت قيادة بوتين، على الاكتفاء بعرض عضلاتها في جورجيا وأوكرانيا، وبطرق أخرى، في القوقاز وآسيا الوسطى. ولكن، قد يطمح بوتين اليوم في العودة إلى ما قبل «هلسنكي 1975»، وإذا نجح في ذلك قد نشهد حقبة «حرب فاترة» لا «باردة» هذه المرة. وهذا إذا تحقق سيكون «سيناريو» مقلقاً لكثرة من الأوروبيين الذين يشكون في وجود علاقة ودية بعض الشيء بين ترمب وبوتين، وهما زعيمان تطغى على تصرفاتهما وممارساتهما السياسية النوازع الشخصية.
وبصرف النظر عما إذا كانت هناك علاقات ود وإعجاب تربط الرجلين أم لا، فمجرد اجتماعها يمكن أن يبرّد أجواء التوتر الدولي، ولا سيما، في منطقة الشرق الأوسط المأزومة. بل، قد يؤشر إلى بداية مسيرة جديدة نحو تسوية بعض الأزمات عبر ترويج التفاهم حيث أمكن.
والواقع، أنه رغم أزمات الولايات المتحدة الداخلية، فإنها تظل لاعباً يستحيل الاستغناء عنه في معظم مناطق الصراع السياسي، في حين تسعى روسيا لإعادة فرض نفسها لاعباً مناكفاً حيث تستطيع. وما يستحق الإشارة، أن آخر قمة أميركية - روسية عقدت في سبتمبر (أيلول) 2016 في أواخر فترة رئاسة باراك أوباما، فضّل بوتين انتظار نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية. وبالتالي، لم تكن تلك القمة التي استضافتها مدينة هانغتشاو الصينية عملياً أكثر من عرض عضلات متبادل. ذلك أن أوباما حاول في الأيام الأخيرة من حكمه الظهور بمظهر القوي، وسعى بوتين في المقابل جهداً للتقليل من شأنه. وهكذا، بدلاً من أن ينتهي اللقاء بخفض التوتر، شهدت الأجواء تفاقماً وتصعيداً، لا سيما، مع اتهام أوباما للرئيس الروسي بمحاولة التأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية لمصلحة دونالد ترمب.
اليوم، ومع أن ترمب يدرك أنه مهدّد بما يمكن أن ينتهي إليه «تحقيق مولر» في تهم التلاعب الروسي المزعوم بالانتخابات الأميركية، فإن الرئيس الأميركي يتوجه إلى هلسنكي بنية البحث عن «صفقات كبرى».
وفي المقابل، لا يسعى بوتين للمساومة على «صفقات»... لأن هذا ليس من طبعه ولا أسلوبه. إنه يأمل أن يحقق تقدماً ملموساً وحقيقياً على صعيد عودة روسيا «لاعباً أساسياً» في الحلبة العالمية. وفي هذه السبيل يريد إقناع ترمب، وعبر ترمب، إجبار الدول الأوروبية لتقبل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم كأمر واقع لا يستدعي مواجهة مع موسكو من أجله.

- واشنطن وموسكو... وأوروبا
بعض المصادر تتحدث عن إمكانية لجوء واشنطن إلى صيغة دبلوماسية تنقذ ماء وجه الأوروبيين المتنازلين، شبيهة بتلك التي سمحت للغرب بالتبسم مع تجرّعه مرارة ضم روسيا دول حوض البلطيق بعد الحرب العالمية الثانية، وفرضها حياد فنلندا. إذ بين عام 1945 وانهيار الاتحاد السوفياتي، دأبت القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة على رفض الاعتراف بجمهوريات البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) كجزء من الاتحاد السوفياتي لكنها لم تفعل شيئاً لتحريرها. كذلك، أحجمت عن اجتذاب فنلندا المؤيدة للغرب للدخول في التحالف مع الديمقراطيات الغربية.
وبناءً عليه، إذا كان تمرير هذه الصيغة أولوية عند بوتين، فإن بين أولويات ترمب - كما عبر عنها وزير خارجيته مايك بومبيو ومستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون - توضيح وتحديد مطامح روسيا، وبالأخص، في أوروبا والشرق الأوسط. والحال، أن سياسة موسكو الراهنة تبدو كأنها تهدف إلى دق إسفين بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وفعل كل ما بوسعها لخلخلة حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي. وما عاد سراً الدعم المالي والإعلامي الذي يقدمه الكرملين للأحزاب الشعبوية المتطرفة يساراً ويميناً في أوروبا، المعادي منها لواشنطن، والمعادي للاتحاد الأوروبي.
أولاً، قد يزعم بوتين أنه إنما يواجه الاتحاد الأوروبي من قبيل الدفاع عن النفس، وكرد فعل مشروع ضد العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا بسبب أوكرانيا. غير أن الأوروبيين، طالما أكدوا أن العقوبات فرضت على روسيا رداً على عدوانيتها المتمثلة في ضمها القرم، وتهديدها الضمني بالتدخل العسكري في شرق أوكرانيا، ثم في الفترة الأخيرة، الاعتداء بالغاز السام على عميل مزدوج سابق وابنته في مدينة سولزبري بجنوب بريطانيا. والأمر الآخر الذي يسعى إليه بوتين هو منع أي توسع مستقبلي لـ«الناتو»، ولا سيما في أوروبا ومنطقة القوقاز. وهنا، قد لا يجد ترمب صعوبة كبرى في تقديم تنازلات، وذلك في ظل تراجع حماسة البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) للخطة بعكس ما كانت عليه الحال إبان رئاسة جورج بوش الابن. ومهما يكن من أمر، كان موقف ترمب متذبذباً - في الأصل - إزاء «الناتو»، ولا سيما، لجهة إصراره على أن حلفاء واشنطن عليهم زيادة مساهماتهم الدفاعية إلى ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج القومي لكل منهم، كما اتفق عليه عام 2007.
الرئيس الروسي، في هذه الأثناء، قلق من احتمال جر روسيا إلى سباق تسلّح جديد على غرار الذي شل الاقتصاد السوفياتي... وسرّع بالنتيجة في إسقاط الاتحاد السوفياتي. الواقع أن بوتين يحسب منذ الآن حساب مشروع التسلح الجبار الذي باشرته الصين، بما فيه سلاح بحري ضخم ومتطور تعجز روسيا عن بناء مثيل له ونشره في بحار العالم ومحيطاته. ثم إن إمكانية إقدام اليابان، وربما ألمانيا أيضاً، على استئناف التسلّح مسألة إضافية تثير قلقاً شديداً عند الكرملين. وقد يكون وراء قول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنه «ما عاد بوسع الأوروبيين الاعتماد إلا على أنفسهم» تخوفها من صفقة ما يعقدها ترمب مع بوتين تأتي على حساب الاتحاد الأوروبي.

- أزمة سوريا
الموضوع الثاني المهم على جدول أعمال القمة يرجح أن يكون الوضع في سوريا، وذلك في سياق تنامي طموحات موسكو في الشرق الأوسط. والبديهي أن بوتين مهتم جداً بأن يعترف ترمب لروسيا بأنها اللاعب الأقوى في سوريا، بالتوازي مع الموافقة على «مناطق نفوذ» تجسدها ما سمتها موسكو «مناطق خفض التصعيد»، ومقابل ذلك، فإنه يسعى عملياً لإجبار الإيرانيين على الخروج من سوريا برفضهم تأمين الغطاء الجوي لهم في وجه غارات سلاح الجوي الإسرائيلي. وهكذا، عبر إبعاد إيران ومرتزقتها من المناطق المأهولة في سوريا، فإن بوتين يؤدي المهمة التي يريدها الأميركيون وحلفاؤهم منه، والتي كانت تتطلب تدخلهم العسكري المباشر لتحقيقها. ولقاء هذه «الخدمة»، يأمل الرئيس الروسي في إقناع نظيره الأميركي، وعبره إقناع الدول الغربية عموماً، بتقاسم أعباء «استقرار» سوريا، ولاحقاً، إعادة إعمارها.
بوتين يرغب، كما هو واضح، في إبقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في السلطة لفترة قصيرة، ولكنها كافية لتجذّر حضور روسيا ونفوذها إلى درجة يتعذّر معها على أي نظام سوري مستقبلي تجاهلهما. ولـ«بيع» هذه الصفقة للغرب، سيعرض بوتين أمامه إغراءي إبعاد الملالي الإيرانيين من سوريا، ومساعدة تركيا - الدولة العضو في «الناتو» - في التمتع بـ«حقوق مراقبة ورصد» داخل الأراضي السورية على طول الحدود التركية - السورية.
وهنا أيضاً، يهم الرئيس الروسي الحصول على نتائج سريعة بينما تعطيه القوى الغربية والإقليمية النفوذ الذي يشتهيه في سوريا.

- الحرب «السايبرية»
ونصل إلى الموضوع الثالث على جدول الأعمال، الذي لا بد من ضمه إلى الأسلحة البرية والبحرية والجوية كسلاح حربي فتاك آخر، هو الحرب «السايبرية» أو الإلكترونية.
حتى الآن، كان لروسيا قصب السبق وزمام المبادرة في هذه «الحرب» بفضل توقها للمجازفة، مستفيدة من إحجام الديمقراطيات الغربية عن ذلك تخوفاً من المعارضة الداخلية. ولكن في المديين المتوسط والبعيد، لن يكون بمقدور الروس منافسة القوى الغربية التي تتفوق عليها بمراحل على صعيد الموارد العلمية والتكنولوجية. وكما كان الوضع مع التسابق على غزو الفضاء خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عندما حقق السوفيات تقدماً مبكراً على الغرب لبعض الوقت، غير أنهم في نهاية المطاف تخلفوا وسقطوا في السباق قبل خط النهاية.
قد يحاول بوتين كسب بعض النقاط الإعلامية باقتراحه آليات جديدة لرصد وتدمير ترسانات الأسلحة الكيماوية، مصحوبة بصيغة معدلة لـ«خطة تحقق» تقترحها بريطانيا. ومن ثم، فإن إعادة إطلاق مباحثات الحد من التسلح، وبالأخص ما يتعلق بالجيل الجديد من الرؤوس النووية الصغيرة، قد تجد طريقها إلى جدول أعمال القمة، بما أن الجانبين سيسعيان للادعاء أن أموراً أخرى جدّية مطروحة على بساط البحث. وتالياً، من أجل إعطاء القمة فرصة للنجاح، فإن بوتين قدّم بالفعل بعض المغريات لترمب. وبجانب ما يبدو من «تخفيف» تأييده لبشار الأسد، وبدئه سحب القوات الروسية، وافق الرئيس الروسي على زيادة إنتاج النفط تمشياً مع رغبة ترمب المعلنة. إلا أن العنصر الأهم، ربما، هو رفض الكرملين الرمي بثقله خلف إيران لتحدي موقف الرئيس الأميركي الرافض لـ«الصفقة النووية» التي ابتدعها سلفه أوباما.
من جهة ثانية، أمام خلفية المنجزات اللافتة غير المتوقعة لمنتخب روسيا لكرة القدم في مونديال 2018، يتوجه بوتين إلى العاصمة الفنلندية تحت هالة المنتصر. وحقاً، فإن أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها تصوره على أنه «رجل الانتصارات»، زاعمة أنه سيقابل نظيره الأميركي من موقع قوة، بذريعة أن الولايات المتحدة - إن لم يكن الغرب ككل - باتت أكثر حاجة إلى روسيا من حاجة روسيا إليها وإلى الغرب!
ولكن، بغض النظر عن المبالغة في إظهار العزة القومية التي تداني الغطرسة الفاقعة، فحقيقة الأمر أن الاقتصاد الروسي مريض والتوتر الاجتماعي في تصاعد. ومن ثم، فإن وضع بوتين ليس جيداً. ومع أن لا أحد في روسيا يستطيع اليوم تحديه، فربما كان قد بدأ يفقد قدرته على تطوير أفكار ومبادرات وخطط جديدة. وهذا، تماماً على النقيض من ترمب، الذي وإن بدا محاصراً أو مُربكاً، فإن الولايات المتحدة في وضعية اقتصادية جديدة، وتعيد إطلاق خطة التحديث العسكري التي سبق لأوباما إيقافها.
وهكذا، وكيفما نظرنا إلى ما سيحصل في هلسنكي، فإن «قيصر» الكرملين يحتاج إلى رضا الغرب أكثر مما يحتاجه الغرب. وعلى هذا الأساس، خلال القمة المرتقبة، ستكون للرئيس الأميركي اليد العليا، لكن ما يبقى غير محسوم هو ما إذا كان سيسعى للاستفادة من هذه الأفضلية أم لا.

- فلاديمير بوتين... في سطور
عام 1999 عزل الرئيس الروسي (يومذاك) بوريس يلتسين رئيس وزرائه سيرغي ستيباشين، وعيّن ضابط «الكي جي بي» السابق فلاديمير بوتين خلفاً له.
وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، استقال يلتسين وعيّن بوتين رئيساً للجمهورية في مكانه. ومن ثم أعيد انتخاب بوتين رئيساً عام 2004، وفي العام التالي (2005)، في حدث تاريخي بات أول رئيس روسي يقوم بزيارة إلى إسرائيل.
ولكن في عام 2008، مع تعذر ترشحه - دستورياً - للرئاسة، فإن خلفه دميتري ميدفيديف عينه رئيساً للحكومة. ومن ثم في مارس (آذار) 2012، ترشح بوتين مجدداً لرئاسة الجمهورية وعاد إلى المنصب، وأوكل رئاسة الحكومة لميدفيديف، ولاحقاً انتخب لولاية رئاسية رابعة.
ولد فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في مدينة لينينغراد (بطرسبرغ، اليوم)، ثاني كبرى مدن روسيا وعاصمتها القيصرية القديمة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1952. ونشأ مع أسرته في شقة بمجمع سكني شعبي. وإبان فترة دراسته الابتدائية والثانوية أولع بالرياضة ومارسها بشغف. وبعد المدرسة تابع تعليمه الجامعي في جامعة لينينغراد (بطرسبرغ) الحكومية المرموقة وتخرج فيها مجازاً بالحقوق.
في عام 1975 التحق بسلك الاستخبارات (الكي جي بي) ضابط استخبارات، وخدم خصوصاً في ألمانيا الشرقية، وظل في هذا السلك حتى عام 1990، عندما تقاعد برتبة عقيد.


مقالات ذات صلة

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

حصاد الأسبوع ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع الرئيسان بوتين وشي جينبينغ يوسّعان أطر التعاون الثنائي الاستراتيجي (أ.ف.ب)

القطب الشمالي... مواجهة تزداد سخونة وسط ذوبان الثلوج

مع أن «مقدّمات» اشتعال التنافس المباشر في منطقة القطب الشمالي، بين روسيا والصين من جانب، والولايات المتحدة وشريكاتها في حلف شمال الأطلسي «ناتو» من جانب آخر،

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.