قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

العالم بانتظار لقاء تاريخي بين الرئيسين الأميركي والروسي

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟
TT

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

بعد عدة أشهر من التكهّنات والتساؤلات، تقرر انعقاد أول لقاء «قمة» بين الرئيسين الأميركي والروسي دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في هلسنكي، عاصمة فنلندا، يوم 16 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي هذا اللقاء في حقبة تعد من أسوأ الحقب للعلاقات بين واشنطن وموسكو منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

كانت فكرة عقد لقاء قمة بين القائدين الأميركي والروسي (زعيم الاتحاد السوفياتي في حينه) قد ولدت في الأصل عام 1954، وذلك بعد حسم صراع الزعامة السوفياتية في موسكو بإزاحة جورجي مالينكوف، وخروج كل من نيكيتا خروتشوف ونيكولاي بولغانين منتصرين. ذلك أنه مع نجاح الاتحاد السوفياتي في أن يغدو قوة نووية، قبل بضع سنوات، اقتنعت إدارة الرئيس الأميركي (يومذاك) دوايت أيزنهاور بأن «القمم الثلاثية» القديمة، التي كانت انطلقت إبان الحرب العالمية الثانية بمشاركة بريطانيا، ما عادت تعبّر عن واقع ميزان القوى العالمي. إذ بات في العالم قطبان لا ثالث لهما، وصار بمقدور الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي فرض جدول أعمال كثير من القضايا الدولية.
القمة الأولى عقدت بين الرئيس أيزنهاور والثنائي خروتشوف وبولغانين في مدينة جنيف السويسرية في يوليو 1955. إلا أنه سرعان ما سقط بولغانين في جولة جديدة من صراع السلطة في موسكو، خرج خروتشوف «زعيماً» أوحد للاتحاد السوفياتي. ومن ثم، بعد عهد الرئيس الأميركي جون كيندي، تحوّلت القمم الأميركية - السوفياتية إلى لقاءات دبلوماسية روتينية الغاية منها إدارة الأزمات إبان حقبة «الحرب الباردة».

- 22 قمة
هذا «التقليد» اشتمل على 22 قمة، انعقد ما يقرب من نصفها خلال فترة قيادة ميخائيل غورباتشوف المهزوزة «سفينة» الاتحاد السوفياتي وسط أمواج عاتية. ولكن، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حافظت الإدارات الأميركية المتعاقبة على هذا التقليد... ولو كتذكار من الماضي، وطريقة لبقة لبلسمة معنويات روسيا الجريحة، من دون إعطائها أهمية لا تستحقها.
ثم، مع طي صفحة رئاسة بوريس يلتسين لروسيا عندما بدت خلالها موسكو كأنها تبحث عن مكان لها بين «الكبار»، رأى فلاديمير بوتين في تقليد لقاءات القمة عنصراً مهماً في استراتيجيته الكبرى الهادفة لاستعادة روسيا مكانتها «قوة عظمى» تستحق أن يكون لها صوت مسموع ومقرّر في كل القضايا الدولية من دون استثناء.
كان هذا الطموح متعذراً في عهدي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ذلك أن بوش تعامل مع روسيا بفتور يداني قلة الاكتراث. ومع أنه استضاف بوتين وأكرم وفادته فإنه لم يعطه شيئاً. أما أوباما، الذي عمل حتى على تقزيم دور أميركا كقوة عالمية نافذة، فما كان منتظراً منه أن يعامل روسيا أفضل مما تعامل مع بلده!

- مكمن الأهمية
بالمناسبة، قمة هلسنكي المرتقبة لن تكون اللقاء المباشر الأول بين ترمب وبوتين، اللذين سبق لهما أن اجتمعا وجهاً لوجه لفترات قصيرة على هوامش «قمة الدول العشرين» (G 20) ومؤتمرات «دول آسيا وحوض المحيط الهادي»، وخرجا منها بمجاملات متبادلة. غير أن قمة هلسنكي تستحق اهتماماً كبيراً وخاصاً لجملة من الأسباب، على رأسها أنها أول «قمة كاملة» حقيقية بينهما.
في هلسنكي قد تكون الأمور مختلفة بين زعيم يعتبر نفسه قائد «مسيرة استعادة أميركا عظمتها» وزعيم عصبة «روسيا... أولاً»! ثم إن اختيار هلسنكي، في حد ذاته، لا يخلو من دلالات... إذ إنه يعود بالذاكرة إلى أيام «الحرب الباردة» عندما كانت واشنطن وموسكو يضبطان إيقاع العالم. ولكن، في المقابل، فإن العاصمة الفنلندية هي أيضاً المكان الذي صدرت فيه «اتفاقية هلسنكي» عام 1975، وبموجبها وافق قادة 35 دولة بينها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، على إنهاء عملي لـ«الحرب الباردة» بتهدئة الأوضاع في أوروبا عبر اتفاقية أمن وتعاون بين دول القارة.
خلال القمة المقبلة، قد نشهد الفصل الأخير من «اتفاقية هلسنكي» للأمن والتعاون في أوروبا مع إقرار الجانبين الأميركي والروسي بوجود حقائق جديدة على الأرض منذ 1975. إذ انهار الاتحاد السوفياتي وتقسّم، وصار «حلف وارسو» نسياً منسياً مقابل تمدد حلف شمال الأطلسي «ناتو» بعمق أوروبا، وأُجبرت روسيا تحت قيادة بوتين، على الاكتفاء بعرض عضلاتها في جورجيا وأوكرانيا، وبطرق أخرى، في القوقاز وآسيا الوسطى. ولكن، قد يطمح بوتين اليوم في العودة إلى ما قبل «هلسنكي 1975»، وإذا نجح في ذلك قد نشهد حقبة «حرب فاترة» لا «باردة» هذه المرة. وهذا إذا تحقق سيكون «سيناريو» مقلقاً لكثرة من الأوروبيين الذين يشكون في وجود علاقة ودية بعض الشيء بين ترمب وبوتين، وهما زعيمان تطغى على تصرفاتهما وممارساتهما السياسية النوازع الشخصية.
وبصرف النظر عما إذا كانت هناك علاقات ود وإعجاب تربط الرجلين أم لا، فمجرد اجتماعها يمكن أن يبرّد أجواء التوتر الدولي، ولا سيما، في منطقة الشرق الأوسط المأزومة. بل، قد يؤشر إلى بداية مسيرة جديدة نحو تسوية بعض الأزمات عبر ترويج التفاهم حيث أمكن.
والواقع، أنه رغم أزمات الولايات المتحدة الداخلية، فإنها تظل لاعباً يستحيل الاستغناء عنه في معظم مناطق الصراع السياسي، في حين تسعى روسيا لإعادة فرض نفسها لاعباً مناكفاً حيث تستطيع. وما يستحق الإشارة، أن آخر قمة أميركية - روسية عقدت في سبتمبر (أيلول) 2016 في أواخر فترة رئاسة باراك أوباما، فضّل بوتين انتظار نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية. وبالتالي، لم تكن تلك القمة التي استضافتها مدينة هانغتشاو الصينية عملياً أكثر من عرض عضلات متبادل. ذلك أن أوباما حاول في الأيام الأخيرة من حكمه الظهور بمظهر القوي، وسعى بوتين في المقابل جهداً للتقليل من شأنه. وهكذا، بدلاً من أن ينتهي اللقاء بخفض التوتر، شهدت الأجواء تفاقماً وتصعيداً، لا سيما، مع اتهام أوباما للرئيس الروسي بمحاولة التأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية لمصلحة دونالد ترمب.
اليوم، ومع أن ترمب يدرك أنه مهدّد بما يمكن أن ينتهي إليه «تحقيق مولر» في تهم التلاعب الروسي المزعوم بالانتخابات الأميركية، فإن الرئيس الأميركي يتوجه إلى هلسنكي بنية البحث عن «صفقات كبرى».
وفي المقابل، لا يسعى بوتين للمساومة على «صفقات»... لأن هذا ليس من طبعه ولا أسلوبه. إنه يأمل أن يحقق تقدماً ملموساً وحقيقياً على صعيد عودة روسيا «لاعباً أساسياً» في الحلبة العالمية. وفي هذه السبيل يريد إقناع ترمب، وعبر ترمب، إجبار الدول الأوروبية لتقبل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم كأمر واقع لا يستدعي مواجهة مع موسكو من أجله.

- واشنطن وموسكو... وأوروبا
بعض المصادر تتحدث عن إمكانية لجوء واشنطن إلى صيغة دبلوماسية تنقذ ماء وجه الأوروبيين المتنازلين، شبيهة بتلك التي سمحت للغرب بالتبسم مع تجرّعه مرارة ضم روسيا دول حوض البلطيق بعد الحرب العالمية الثانية، وفرضها حياد فنلندا. إذ بين عام 1945 وانهيار الاتحاد السوفياتي، دأبت القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة على رفض الاعتراف بجمهوريات البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) كجزء من الاتحاد السوفياتي لكنها لم تفعل شيئاً لتحريرها. كذلك، أحجمت عن اجتذاب فنلندا المؤيدة للغرب للدخول في التحالف مع الديمقراطيات الغربية.
وبناءً عليه، إذا كان تمرير هذه الصيغة أولوية عند بوتين، فإن بين أولويات ترمب - كما عبر عنها وزير خارجيته مايك بومبيو ومستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون - توضيح وتحديد مطامح روسيا، وبالأخص، في أوروبا والشرق الأوسط. والحال، أن سياسة موسكو الراهنة تبدو كأنها تهدف إلى دق إسفين بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وفعل كل ما بوسعها لخلخلة حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي. وما عاد سراً الدعم المالي والإعلامي الذي يقدمه الكرملين للأحزاب الشعبوية المتطرفة يساراً ويميناً في أوروبا، المعادي منها لواشنطن، والمعادي للاتحاد الأوروبي.
أولاً، قد يزعم بوتين أنه إنما يواجه الاتحاد الأوروبي من قبيل الدفاع عن النفس، وكرد فعل مشروع ضد العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا بسبب أوكرانيا. غير أن الأوروبيين، طالما أكدوا أن العقوبات فرضت على روسيا رداً على عدوانيتها المتمثلة في ضمها القرم، وتهديدها الضمني بالتدخل العسكري في شرق أوكرانيا، ثم في الفترة الأخيرة، الاعتداء بالغاز السام على عميل مزدوج سابق وابنته في مدينة سولزبري بجنوب بريطانيا. والأمر الآخر الذي يسعى إليه بوتين هو منع أي توسع مستقبلي لـ«الناتو»، ولا سيما في أوروبا ومنطقة القوقاز. وهنا، قد لا يجد ترمب صعوبة كبرى في تقديم تنازلات، وذلك في ظل تراجع حماسة البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) للخطة بعكس ما كانت عليه الحال إبان رئاسة جورج بوش الابن. ومهما يكن من أمر، كان موقف ترمب متذبذباً - في الأصل - إزاء «الناتو»، ولا سيما، لجهة إصراره على أن حلفاء واشنطن عليهم زيادة مساهماتهم الدفاعية إلى ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج القومي لكل منهم، كما اتفق عليه عام 2007.
الرئيس الروسي، في هذه الأثناء، قلق من احتمال جر روسيا إلى سباق تسلّح جديد على غرار الذي شل الاقتصاد السوفياتي... وسرّع بالنتيجة في إسقاط الاتحاد السوفياتي. الواقع أن بوتين يحسب منذ الآن حساب مشروع التسلح الجبار الذي باشرته الصين، بما فيه سلاح بحري ضخم ومتطور تعجز روسيا عن بناء مثيل له ونشره في بحار العالم ومحيطاته. ثم إن إمكانية إقدام اليابان، وربما ألمانيا أيضاً، على استئناف التسلّح مسألة إضافية تثير قلقاً شديداً عند الكرملين. وقد يكون وراء قول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنه «ما عاد بوسع الأوروبيين الاعتماد إلا على أنفسهم» تخوفها من صفقة ما يعقدها ترمب مع بوتين تأتي على حساب الاتحاد الأوروبي.

- أزمة سوريا
الموضوع الثاني المهم على جدول أعمال القمة يرجح أن يكون الوضع في سوريا، وذلك في سياق تنامي طموحات موسكو في الشرق الأوسط. والبديهي أن بوتين مهتم جداً بأن يعترف ترمب لروسيا بأنها اللاعب الأقوى في سوريا، بالتوازي مع الموافقة على «مناطق نفوذ» تجسدها ما سمتها موسكو «مناطق خفض التصعيد»، ومقابل ذلك، فإنه يسعى عملياً لإجبار الإيرانيين على الخروج من سوريا برفضهم تأمين الغطاء الجوي لهم في وجه غارات سلاح الجوي الإسرائيلي. وهكذا، عبر إبعاد إيران ومرتزقتها من المناطق المأهولة في سوريا، فإن بوتين يؤدي المهمة التي يريدها الأميركيون وحلفاؤهم منه، والتي كانت تتطلب تدخلهم العسكري المباشر لتحقيقها. ولقاء هذه «الخدمة»، يأمل الرئيس الروسي في إقناع نظيره الأميركي، وعبره إقناع الدول الغربية عموماً، بتقاسم أعباء «استقرار» سوريا، ولاحقاً، إعادة إعمارها.
بوتين يرغب، كما هو واضح، في إبقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في السلطة لفترة قصيرة، ولكنها كافية لتجذّر حضور روسيا ونفوذها إلى درجة يتعذّر معها على أي نظام سوري مستقبلي تجاهلهما. ولـ«بيع» هذه الصفقة للغرب، سيعرض بوتين أمامه إغراءي إبعاد الملالي الإيرانيين من سوريا، ومساعدة تركيا - الدولة العضو في «الناتو» - في التمتع بـ«حقوق مراقبة ورصد» داخل الأراضي السورية على طول الحدود التركية - السورية.
وهنا أيضاً، يهم الرئيس الروسي الحصول على نتائج سريعة بينما تعطيه القوى الغربية والإقليمية النفوذ الذي يشتهيه في سوريا.

- الحرب «السايبرية»
ونصل إلى الموضوع الثالث على جدول الأعمال، الذي لا بد من ضمه إلى الأسلحة البرية والبحرية والجوية كسلاح حربي فتاك آخر، هو الحرب «السايبرية» أو الإلكترونية.
حتى الآن، كان لروسيا قصب السبق وزمام المبادرة في هذه «الحرب» بفضل توقها للمجازفة، مستفيدة من إحجام الديمقراطيات الغربية عن ذلك تخوفاً من المعارضة الداخلية. ولكن في المديين المتوسط والبعيد، لن يكون بمقدور الروس منافسة القوى الغربية التي تتفوق عليها بمراحل على صعيد الموارد العلمية والتكنولوجية. وكما كان الوضع مع التسابق على غزو الفضاء خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عندما حقق السوفيات تقدماً مبكراً على الغرب لبعض الوقت، غير أنهم في نهاية المطاف تخلفوا وسقطوا في السباق قبل خط النهاية.
قد يحاول بوتين كسب بعض النقاط الإعلامية باقتراحه آليات جديدة لرصد وتدمير ترسانات الأسلحة الكيماوية، مصحوبة بصيغة معدلة لـ«خطة تحقق» تقترحها بريطانيا. ومن ثم، فإن إعادة إطلاق مباحثات الحد من التسلح، وبالأخص ما يتعلق بالجيل الجديد من الرؤوس النووية الصغيرة، قد تجد طريقها إلى جدول أعمال القمة، بما أن الجانبين سيسعيان للادعاء أن أموراً أخرى جدّية مطروحة على بساط البحث. وتالياً، من أجل إعطاء القمة فرصة للنجاح، فإن بوتين قدّم بالفعل بعض المغريات لترمب. وبجانب ما يبدو من «تخفيف» تأييده لبشار الأسد، وبدئه سحب القوات الروسية، وافق الرئيس الروسي على زيادة إنتاج النفط تمشياً مع رغبة ترمب المعلنة. إلا أن العنصر الأهم، ربما، هو رفض الكرملين الرمي بثقله خلف إيران لتحدي موقف الرئيس الأميركي الرافض لـ«الصفقة النووية» التي ابتدعها سلفه أوباما.
من جهة ثانية، أمام خلفية المنجزات اللافتة غير المتوقعة لمنتخب روسيا لكرة القدم في مونديال 2018، يتوجه بوتين إلى العاصمة الفنلندية تحت هالة المنتصر. وحقاً، فإن أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها تصوره على أنه «رجل الانتصارات»، زاعمة أنه سيقابل نظيره الأميركي من موقع قوة، بذريعة أن الولايات المتحدة - إن لم يكن الغرب ككل - باتت أكثر حاجة إلى روسيا من حاجة روسيا إليها وإلى الغرب!
ولكن، بغض النظر عن المبالغة في إظهار العزة القومية التي تداني الغطرسة الفاقعة، فحقيقة الأمر أن الاقتصاد الروسي مريض والتوتر الاجتماعي في تصاعد. ومن ثم، فإن وضع بوتين ليس جيداً. ومع أن لا أحد في روسيا يستطيع اليوم تحديه، فربما كان قد بدأ يفقد قدرته على تطوير أفكار ومبادرات وخطط جديدة. وهذا، تماماً على النقيض من ترمب، الذي وإن بدا محاصراً أو مُربكاً، فإن الولايات المتحدة في وضعية اقتصادية جديدة، وتعيد إطلاق خطة التحديث العسكري التي سبق لأوباما إيقافها.
وهكذا، وكيفما نظرنا إلى ما سيحصل في هلسنكي، فإن «قيصر» الكرملين يحتاج إلى رضا الغرب أكثر مما يحتاجه الغرب. وعلى هذا الأساس، خلال القمة المرتقبة، ستكون للرئيس الأميركي اليد العليا، لكن ما يبقى غير محسوم هو ما إذا كان سيسعى للاستفادة من هذه الأفضلية أم لا.

- فلاديمير بوتين... في سطور
عام 1999 عزل الرئيس الروسي (يومذاك) بوريس يلتسين رئيس وزرائه سيرغي ستيباشين، وعيّن ضابط «الكي جي بي» السابق فلاديمير بوتين خلفاً له.
وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، استقال يلتسين وعيّن بوتين رئيساً للجمهورية في مكانه. ومن ثم أعيد انتخاب بوتين رئيساً عام 2004، وفي العام التالي (2005)، في حدث تاريخي بات أول رئيس روسي يقوم بزيارة إلى إسرائيل.
ولكن في عام 2008، مع تعذر ترشحه - دستورياً - للرئاسة، فإن خلفه دميتري ميدفيديف عينه رئيساً للحكومة. ومن ثم في مارس (آذار) 2012، ترشح بوتين مجدداً لرئاسة الجمهورية وعاد إلى المنصب، وأوكل رئاسة الحكومة لميدفيديف، ولاحقاً انتخب لولاية رئاسية رابعة.
ولد فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في مدينة لينينغراد (بطرسبرغ، اليوم)، ثاني كبرى مدن روسيا وعاصمتها القيصرية القديمة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1952. ونشأ مع أسرته في شقة بمجمع سكني شعبي. وإبان فترة دراسته الابتدائية والثانوية أولع بالرياضة ومارسها بشغف. وبعد المدرسة تابع تعليمه الجامعي في جامعة لينينغراد (بطرسبرغ) الحكومية المرموقة وتخرج فيها مجازاً بالحقوق.
في عام 1975 التحق بسلك الاستخبارات (الكي جي بي) ضابط استخبارات، وخدم خصوصاً في ألمانيا الشرقية، وظل في هذا السلك حتى عام 1990، عندما تقاعد برتبة عقيد.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.