الأفراح تعم بلجيكا بعد «الهروب الكبير» في انتظار الصدام مع البرازيل

لاعبو اليابان يبكون خروجهم الدرامي من المونديال وسط إشادة واسعة بأدائهم الرائع

ناصر الشاذلي يسجل في مرمى اليابان ليمنح بلجيكا انتصارا ثمينا (إ.ب.أ)
ناصر الشاذلي يسجل في مرمى اليابان ليمنح بلجيكا انتصارا ثمينا (إ.ب.أ)
TT

الأفراح تعم بلجيكا بعد «الهروب الكبير» في انتظار الصدام مع البرازيل

ناصر الشاذلي يسجل في مرمى اليابان ليمنح بلجيكا انتصارا ثمينا (إ.ب.أ)
ناصر الشاذلي يسجل في مرمى اليابان ليمنح بلجيكا انتصارا ثمينا (إ.ب.أ)

احتاجت بلجيكا إلى إضافة القوة الذهنية إلى أسلحتها ليتمكن «الجيل الذهبي» من تقديم الروح القتالية المطلوبة ليعوض تأخره غير المتوقع بهدفين ويفوز 3 - 2 على اليابان، ليضرب موعدا مع البرازيل في دور الثمانية لبطولة كأس العالم.
ورغم أن ليس هناك أي شكوك حول جودة التشكيلة المليئة بالمواهب، فإن السؤال كان يتركز على ما إذا كانت تمتلك في المقابل رباطة جأش.
وأوحى الخروج أمام ويلز في دور الثمانية ببطولة أوروبا قبل عامين، رغم وجود كل هؤلاء النجوم، بأن هذه المجموعة ربما تكون هشة للغاية وهو انطباع تأكد في أول 60 دقيقة في ملعب روستوف - أون - حين بدا أن المنتخب البلجيكي لا يستطيع مجاراة اليابان خططيا.
لكن تغييرا مزدوجا في الدقيقة 65 رفع مستوى المنتخب البلجيكي وقاده لعودة لا تنسى من التأخر بهدفين إلى الفوز 3 – 2، متجنبا أن يكون في الجانب الخاسر، ما كانت ستصبح واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم.
وكان إشراك ناصر الشاذلي ومروان فيلايني قرارا بديهيا، وبينما لم يكن هناك أي عبقرية خططية من المدرب، فإن التغييرين أوضحا وفرة الموارد التي في حوزة روبرتو مارتينيز.
وساعد الاثنان بلجيكا على تحقيق فوزها المتأخر وأحرز الشاذلي هدف الانتصار في آخر لعبة بالمباراة تقريبا.
وتعين على المنتخب البلجيكي تحرير نفسه بعد أن استخدمت اليابان خطة بسيطة لكن تم تنفيذها بدقة شديدة. وجعل الضغط العالي الياباني من المستحيل تقريبا على مدافعي بلجيكا تمرير الكرة بصورة صحيحة وكان كيفن دي بروين، الذي كان يلعب أمام ثلاثي الدفاع مباشرة، متسرعا للغاية حتى إنه نادرا ما لمس الكرة. وتسبب ذلك في عدم إيصال الكرة بشكل صحيح للأمام وأصاب الفريق بأكمله بالاضطراب.
وأُحبطت سريعا خطة بلجيكا بإشراك ظهيرين مهاجمين ولم يستطع الاثنان التقدم بسبب الكرات الطويلة اليابانية المتكررة على الأطراف.
ونجح لاعبو اليابان بشكل واضح في تنفيذ المطلوب منهم، وبفضل بعض التمريرات الجيدة واللعب الحماسي، بدا المنتخب البلجيكي في موقف صعب.
لكن بمجرد دخول البديلين، أصبح دي بروين حرا في التقدم للأمام ووفر لبلجيكا السرعة في التحضير التي سمحت للفريق، بجانب تفوقه البدني، بشق طريقه بقوة نحو النصر في نهاية المطاف.
غير أن أكثر ما احتاجته بلجيكا هو القوة الذهنية وكانت هناك لحظات عقب تقدم اليابان 2 - صفر ظهرت فيها علامات على الانهيار، ما أوحى بتعثر بلجيكي آخر. وبجهد شديد وبفضل قوته الذهنية، يستطيع المنتخب البلجيكي الآن الإيمان بأن لديه فرصة حقيقية في الفوز على البرازيل والوصول للأسبوع الأخير في البطولة.
وقال مارتينيز مدرب بلجيكا: «عندما تلعب أمام البرازيل تحتاج إلى أن تدرك أنها تملك أقوى فريق في البطولة».
وأضاف المدرب الإسباني الذي وصف مواجهة البرازيل بأنها تمثل حلم الطفولة للاعبي كرة القدم: «يمكن أن نستمتع بالأمر من الدقيقة الأولى. لا أعتقد أن أي شخص يتوقع وصولنا إلى الدور قبل النهائي».
وحول الضغوط التي واجهها في اللقاء أمام اليابان قال: «دخلنا المباراة ونحن المرشحون للفوز، لقد أثر ذلك على أداء اللاعبين وأصابهم بالخوف من عدم تقديم المطلوب منهم كفريق مرشح للانتصار».
وأشار مارتينيز إلى أنه بمجرد أن تأخرت بلجيكا 2 - صفر قبل نصف ساعة من نهاية الوقت الأصلي لم يعد أمام الفريق ما يخسره، ونجح في تحقيق انتفاضة بشكل رائع.
ورفض مارتينيز الإجابة عن أسئلة تتعلق بأسلوبه الخططي واكتفى بالإشادة باليابان وبلاعبي فريقه رغم أن جماهير بلجيكا تتساءل عن قوة الدفاع بوجود ثلاثة لاعبين وكذلك عن قوة الهجوم الذي سجل تسعة أهداف في ثلاث مباريات بدور المجموعات.
لكن مارتينيز، القادم من إيفرتون الإنجليزي لتدريب بلجيكا بعد إحباط الخروج من دور الثمانية في كأس العالم 2014 وبطولة أوروبا 2016، رد على المنتقدين بتغيير مزدوج، منح الفريق الفوز وألهب حماسهم للمواجهة المقبلة، وهو ما علقت عليه صحيفة لوسوار البلجيكية: «رجال المعجزة».
لكن نجم خط الوسط دي بروين أشار إلى أن انتصار منتخب بلاده على نظيره الياباني، لن يعني شيئا، إذ خسرت بلجيكا أمام البرازيل في مباراتهما بدور الثمانية.
وقال دي بروين نجم مانشستر سيتي واللاعب السابق لفرق فيردر بريمن وفولفسبورغ وتشيلسي، في تعليقه على تأخر بلجيكا بهدفين ومواجهة شبح الخروج من دور الستة عشر قبل قلب الموازين: «في بطولة كهذه، ستمر عليك دائما لحظات عصيبة. ولكن يجب ألا تستسلم حينها وإنما تستغل لحظات التألق من أجل تسجيل هدف».
وأضاف: «فعلنا ذلك... لدينا إمكانات عالية كفريق ولكن يفترض أن نطور بعض الجوانب الدفاعية».
ويتوقع أن يواجه الفريق البلجيكي صراعا شرسا في المباراة المقررة في كازان يوم الجمعة المقبل مع المنتخب البرازيلي. وقال دي بروين: «إن كنت تريد التتويج ببطولة، عليك أن تفوز على كل منافس تواجهه. المنتخب البرازيلي واحد من المرشحين للتتويج، ولكن علينا التركيز على ما نقدمه نحن وأن نؤدي عملنا».
وأضاف: «المنتخب البرازيلي أكثر من نيمار... بالطبع ينصب تركيز الجميع عليه ولكن الفريق البرازيلي أكثر من مجرد لاعب، وأعرف قدرات لاعبي البرازيل، حيث لعبت مع عدد منهم في سيتي».
ومن جانبه، قال الشاذلي صاحب هدف الفوز والذي شارك من مقعد البدلاء في الدقيقة 65: «الفوز كان مهما للغاية لتعزيز الثقة. إنه ألقى الضوء على القوة الذهنية للاعبي المنتخب.. العودة في مباراة كهذه تمثل أمرا رائعا... فقد كانت مباراة صعبة للجميع. وأثبتنا أننا نملك الشخصية في طريقنا إلى دور الثمانية».
وستكشف مباراة الجمعة أمام البرازيل مدى قوة الأسلوب الخططي والفني لبلجيكا لكن المعجزة التي تحققت في روستوف ستمنح ثقة كبيرة للمدرب مارتينيز ولاعبيه بكل تأكيد.
في المقابل قد يكون خروج المنتخب الياباني بهذه الطريقة الدرامية هو الأكثر مرارة في تاريخه الكروي.وقال قائد المنتخب الياباني، ماكوتو هاسيبي: «أنا حزين للغاية، بالكاد أستطيع أن أعبر عما أشعر به داخليا، هذا أمر قاس للغاية».
ولم تتولد المرارة الكبيرة التي شعر بها لاعبو المنتخب الياباني وأنصاره من إخفاق الفريق في الوصول إلى دور الثمانية للمونديال للمرة الثالثة على التوالي، ولكن من الطريقة التي جرى بها الخروج، إثر إهدار تقدمه بهدفين وتلقي هدف في الثواني الأخيرة.
وأضاف هاسيبي: «أثبتنا أننا نعرف لعب كرة القدم، ولكن لسوء الحظ لم تتحقق النتيجة المرجوة».
وقال مدرب اليابان، اكيرا نشينو: «اللاعبون ليسوا مذنبين، أنا المذنب، تشككت في خطتي التكتيكية، إنها مأساة، أنا محبط للغاية».
ومن جانبه قال المدافع الياباني، مايا يوشيدا: «لحظة واحدة فقط قتلتنا، من الصعب تقبل هذا الأمر».
ورغم ذلك قدم المنتخب الياباني مباراة رائعة وترك أثرا رائعا، بعد أن نافس المنتخب البلجيكي القوي بندية كبيرة، حتى إن لاعبي الأخير أشادوا بمستوى منافسهم كثيرا.
وقال المدافع البلجيكي فينسينت كومباني: «ما قدموه هو درس بارع في الفكر التكتيكي».
ويأمل المدرب الياباني في أن تندمل جراح فريقه بمرور الوقت بعد هذا الإقصاء الدرامي، حيث قال: «اللاعبون قدموا أفضل ما لديهم، ولكن لا يمكنني إسباغ وصف النجاح على النتيجة، ولكن ربما بعد أربع سنوات عندما ننظر إلى الماضي يمكننا آنذاك أن نصفها بالناجحة».
وكان تعيين أكيرا نيشينو لقيادة اليابان قبل فترة قصيرة من كأس العالم بمثابة الرهان الناجح، لذا لم يكن غريبا بعد ذلك أن يودع الفريق الآسيوي المسابقة بعدما غامر بكل شيء في دور الستة عشر أمام بلجيكا.
وكان تعيين نيشينو نفسه أشبه بالرهان قبل شهرين من انطلاق كأس العالم، ومنذ تولي الرجل البالغ عمره 63 عاما أبدى رغبته في عدم مقارنته بسلفه وحيد خليلوفيتش أو حتى بالكرة اليابانية بصفة عامة.
وبعدما قرر الإبقاء على مجموعة من اللاعبين أصحاب الخبرة، الذين كانوا مهددين بفقدان أماكنهم مع خليلوفيتش، بدأ نيشينو مشواره في المجموعة الثامنة الصعبة بالفوز على كولومبيا والتعادل مع السنغال.
وغامر نيشينو في المباراة الأخيرة أمام بولندا، التي ودعت المسابقة مبكرا، وأجرى ستة تغييرات في التشكيلة الأساسية، ثم غامر مجددا، أثناء التأخر بهدف، وقرر عدم محاولة إدراك التعادل على أمل أن تخفق السنغال في التسجيل في مباراة أخرى في التوقيت ذاته.
وتأهلت اليابان بالفعل بسبب قاعدة اللعب النظيف بعد التساوي في رصيد النقاط والأهداف مع المنتخب الأفريقي.
وأمام بلجيكا استعان نيشينو مجددا بأبرز لاعبيه ولجأ إلى الهجوم وأوفى بوعده بشأن الاعتماد على الأسلوب الهجومي. وفي البداية أتى هذا الأسلوب بثماره وتقدمت اليابان 2 - صفر قبل أن يدرك المنتخب الأوروبي التعادل.
وفي نهاية الوقت الضائع قرر نيشينو الرهان من جديد وطالب لاعبيه بالتقدم في ركلة ركنية على أمل خطف هدف التأهل لدور الثمانية.
لكن بلجيكا استحوذت على الكرة وشنت هجمة مرتدة سريعة في عشر ثوان فقط وسجلت هدف الفوز من التسديدة الأخيرة تقريبا في المباراة.
وقال نيشينو: «أعتقد أن اللوم يجب أن يقع علي وليس اللاعبين.
عندما استقبلنا الهدف وجهت اللوم إلى نفسي وشككت في خططي». وأضاف: «نتيجة لذلك أنا محبط جدا. أنا أشعر بالانهيار. كنت أرغب حقا في تسجيل هدف آخر وسنحت لنا الفرص لذلك». وربما تكون رغبة نيشينو في الفوز كلفت فريقه فرصة الظهور لأول مرة في دور الثمانية لكن أسلوبه الهجومي سيحظى بالتقدير من المشجعين عند العودة لبلاده.


مقالات ذات صلة

بوشل: تركيزنا على إسبانيا… ولا نقلل من الرأس الأخضر

رياضة سعودية بوشل قال إنه لا يجب التقليل من منتخب الرأس الأخضر (رويترز)

بوشل: تركيزنا على إسبانيا… ولا نقلل من الرأس الأخضر

أبدى لاعب المنتخب السعودي، نواف بوشل، رضاه عن خروج المنتخب السعودي بنقطة التعادل أمام منتخب أوروغواي في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026.

سعد السبيعي (ميامي)
رياضة عالمية من المواجهة التي جمعت إيران ونيوزيلندا (أ.ب)

إيران تدشن انطلاقتها المونديالية بتعادل مثير مع نيوزيلندا

خيَّم التعادل الإيجابي 2 - 2 على لقاء منتخب إيران مع منتخب نيوزيلندا، في الجولة الأولى بالمجموعة السابعة من مرحلة المجموعات لبطولة كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عربية غراهام أرنولد خلال المؤتمر (أ.ب)

مدرب العراق: سنواجه النرويج وهالاند بالروح القتالية

قال المدرب الأسترالي للمنتخب العراقي، غراهام أرنولد، إنَّه لا مجال للخوف، في حين يستعد «أسود الرافدين» غير المرشّحين لمواجهة النرويج وعملاقها إرلينغ هالاند.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة سعودية تمبكتي قال إنهم سيقاتلون أمام إسبانيا رغم صعوبة المهمة (إ.ب.أ)

تمبكتي لـ«الشرق الأوسط»: نقطة التعادل لا ترضينا

أكد حسان تمبكتي، مدافع المنتخب السعودي، أنَّ نتيجة التعادل أمام أوروغواي لم تكن مرضيةً لطموحات لاعبي «الأخضر»، مشدداً على أنَّ الهدف كان تحقيق النقاط الـ3.

سعد السبيعي (ميامي )
رياضة عالمية إيرانيون يرفعون علم ما قبل الثورة خلال المباراة أمام نيوزيلندا (أ.ب)

أميركيون - إيرانيون يرفعون شعارات احتجاجية في ملعب لوس أنجليس

توافد إيرانيون - أميركيون على ملعب لوس أنجليس، حيث ارتدى وحمل بعضهم شعارات سياسية؛ احتجاجاً على الحكومة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.