تقرير أممي: المهاجرون يساهمون في التنمية الاقتصادية

لاسي سوينج لـ {الشرق الأوسط}: 90 % من المتوجهين إلى إيطاليا يعبرون من ليبيا

جانب من مؤتمر وكالة الأمم المتحدة للهجرة في القاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من مؤتمر وكالة الأمم المتحدة للهجرة في القاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
TT

تقرير أممي: المهاجرون يساهمون في التنمية الاقتصادية

جانب من مؤتمر وكالة الأمم المتحدة للهجرة في القاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من مؤتمر وكالة الأمم المتحدة للهجرة في القاهرة أمس («الشرق الأوسط»)

وصف تقرير وكالة الأمم المتحدة للهجرة لعام 2018 عمليات الهجرة بـ«الإيجابية»، وأشاد بما حققه بعض المهاجرين من إنجازات اقتصادية واجتماعية، وطالب قيادات الدول والشعوب بضرورة التخلي عن النظرة السلبية تجاه المهاجرين، ودمجهم اقتصاديا واجتماعيا في بلادهم.
جاء ذلك خلال المؤتمر الذي عقدته وكالة الهجرة بأحد فنادق القاهرة، أمس، لتدشين التقرير. وقال السفير ويليام لاسي سوينج، مدير الوكالة، إن «بعض الدول تقوم بزيادة الفجوة بين المهاجرين والدول التي يهاجرون إليها بدلا من سد الثغرات الاجتماعية، وسط أخبار سيئة جدا عن أوضاع المهاجرين في الآونة الأخيرة وخاصة عبر البحر المتوسط، حيث تقوم دول بإعاقة حركة البشر، بينما تسمح للبضائع في التنقل والعبور». وأضاف: «لذلك وجهنا دعوة للأطراف المعنية بضرورة الحوار والاستماع إلى جميع وجهات النظر لحل الأزمة بشكل أفضل، مع التأكيد على أن الناس جميعهم بشر، وأصلهم واحد»، مشددا على «ضرورة تذكر أوضاع اللاجئين الأوروبيين إلى دول جنوب البحر المتوسط أثناء الحرب العالمية الثانية».
وأضاف ويليام أنه تم إصدار 9 تقارير دولية حول الهجرة حتى الآن، ساهمت في وضع رؤية دقيقة وشاملة حول أوضاع المهاجرين ومقاصدهم، لافتا إلى أن وكالة الأمم المتحدة للهجرة، بالتعاون مع «الإسكوا» (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا)، قد قامتا بجمع بيانات صحيحة من مصادر معتمدة، وتحليلها بشكل دقيق لتقديمها إلى صناع القرار للاستفادة منها في المفاوضات الدولية الجارية حول الهجرة.
وأوضح أن «التقرير يثبت أن الهجرة ظاهرة إيجابية وتساعد على التنمية المستدامة، وليست ظاهرة سلبية كما يدّعي الكثيرون. فهناك دول اقتصادية كبيرة تم بناؤها بالاعتماد على المهاجرين». وتابع: «هناك إحصاءات دولية رسمية تؤكد أن 50 في المائة من أغنى أغنياء العالم من المهاجرين، وأن أغنياء المهاجرين يمثلون 3 في المائة من إجمالي سكان العالم، ويمتلكون 9 في المائة من ثروة العالم. وهذه الأدلة القوية التي يسوقها التقرير تؤكد أن الهجرة ظاهرة إيجابية، تبني الدول وترفع الاقتصاد ولا تمثل عبئا سياسيا أو اقتصاديا في أغلب الأحوال».
وأشار مدير الوكالة إلى أن متوسط عمر المهاجرين أقل من 18 سنة، بينما يكون متوسط أعمار المدن التي يهاجرون إليها نحو 50 سنة، وبالتالي تكون الهجرة في صالح هؤلاء السكان لتحقيق التنمية المستدامة، لأن معظم المهاجرين بغرب أفريقيا على سبيل المثال يكونون من العاطلين.
وفي تصريحات خاصة، قال ويليام لاسي سوينج مدير الوكالة لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أن منطقة شمال أفريقيا منطقة عبور إلى أوروبا، فإن بها عددا كبيرا من المهاجرين، وتعتبر ليبيا من أكثر الدول التي يوجد بها مهاجرون، بالإضافة إلى تونس والجزائر والمغرب ومصر، والسودان أيضا التي تستقبل مهاجرين من إثيوبيا وتشاد». وأضاف أن «الأرقام الحالية تشير إلى انخفاض أعداد المهاجرين إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المائة. لكن 90 في المائة من المهاجرين يعبرون إلى إيطاليا من السواحل الليبية، وخاصة عبر خط طرابلس ومصراتة».
في السياق نفسه، أفاد تقرير عام 2018 للهجرة بضرورة تغيير النظرة السلبية تجاه المهاجرين في الكثير من الدول لعدم تعرض المهاجرين للخطر. إذ يعتقد مواطنو بعض الدول أن المهاجرين أتوا ليأخذوا وظائفهم وخدماتهم العامة، فتحرك البشر ليس استعمارا ولا يمثل مشكلة، بحسب التقرير. وذكر كذلك أن هجرة العمالة تساهم في تحقيق التنمية المستدامة وزيادة فرص القطاعات الاقتصادية، ولا توجد دولة في العالم تستطيع العمل بمفردها. وسلط التقرير الضوء على التغيرات الديموغرافية الكبيرة في قارة آسيا، بعدما شهدت عدة بلدان انخفاض معدلات الخصوبة وزيادة شيخوخة السكان، ما أدى إلى إعادة النظر في سياسات الهجرة، وشهدت اليابان نموا سكانيا سلبيا، أما كوريا الجنوبية فلديها أدنى معدل ولادات وأسرع معدل شيخوخة من بين بلدان منظمة التعاون الاقتصادي.
وذكر التقرير أن منطقة الشرق الأوسط تستضيف نحو 45 في المائة من إجمالي النازحين والمهاجرين في العالم بسبب الحرب في سوريا، ومعظمهم يقيم في تركيا (3 ملايين لاجئ) ولبنان (مليون لاجئ) والأردن (أقل من مليون لاجئ). وتتحمل هذه الدول عبئا اقتصاديا إضافيا لبقاء اللاجئين بها، في انتظار للموافقة على طلبات اللجوء.
إلى ذلك، قالت كريمة القري، مدير وحدة التنمية المستدامة بمنظمة «الإسكوا»، إن «منطقة جنوب شرقي آسيا تشهد عمليات هجرة غير نظامية، ونزوحا جماعيا يتسبب سنويا في مصرع المئات، بسبب الصراعات السياسية، بينما كانت أستراليا أكثر البلاد استقبالا للاجئين في السنوات الأخيرة. ويحتاج آلاف المهاجرين إلى رعاية عاجلة وطويلة الأمد بعد انقطاع السبل بهم في البحر بعد هروب المهربين وخاصة في دول جنوب آسيا الفقيرة».
وأضافت القري أن المهاجرين الشباب يمثلون 51 في المائة من المهاجرين حول العالم، وطالبت بدمج المهاجرين في المجتمعات التي يهاجرون إليها اجتماعيا واقتصاديا، مشيرة إلى أن الذئاب المنفردة الذين يقومون بتنفيذ هجمات إرهابية في بعض الدول الأوروبية لم يندمجوا بشكل كامل في تلك المجتمعات.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

المشرق العربي فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، الاثنين، عن القلق البالغ إزاء قرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي السماح بسلسلة من التدابير غير القانونية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

قالت الأمم المتحدة اليوم الاثنين إنها تترقب تفاصيل حول موعد سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها المتأخرة من الميزانية، وذلك بعد وعد قطعته واشنطن الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟