مع ظهور بطل الكريكيت على الساحة السياسية... باكستان إلى أين؟

استطلاعات الرأي ترجّح كفة حزب نواز شريف وانتخاب شقيقه رئيساً للوزراء

ملصق انتخابي على عربة الريكشو في شوارع راولبندي وتظهر فيه صورة عمران خان (يسار) زعيم حزب «حركة الإنصاف» الباكستانية (أ.ف.ب)
ملصق انتخابي على عربة الريكشو في شوارع راولبندي وتظهر فيه صورة عمران خان (يسار) زعيم حزب «حركة الإنصاف» الباكستانية (أ.ف.ب)
TT

مع ظهور بطل الكريكيت على الساحة السياسية... باكستان إلى أين؟

ملصق انتخابي على عربة الريكشو في شوارع راولبندي وتظهر فيه صورة عمران خان (يسار) زعيم حزب «حركة الإنصاف» الباكستانية (أ.ف.ب)
ملصق انتخابي على عربة الريكشو في شوارع راولبندي وتظهر فيه صورة عمران خان (يسار) زعيم حزب «حركة الإنصاف» الباكستانية (أ.ف.ب)

مع اقتراب الموعد الانتخابات التشريعية الباكستانية ظهر منافسان قويان على منصب رئيس وزراء البلاد في الساحة السياسية، هما بطل لعبة الكريكيت عمران خان، زعيم «حركة الإنصاف»، الذي سيتنافس ممثلاً لحزبه باعتباره الأكثر ترشيحاً للفوز، حسب استطلاعات الرأي لشغل ذلك المنصب الرفيع. وعلى الناحية الأخرى، وبعد استبعاد رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف من شغل المناصب العامة على خلفية قضية فساد، يقود شقيقه شهباز شريف حزب «الرابطة الإسلامية»، هو الآخر المعركة الانتخابية للفوز في رئاسة الوزراء.
ويتوجه جمهور الناخبين في هذا البلد الإسلامي، الذي يقارب عدد سكانه 200 مليون نسمة ويمتلك أسلحة نووية معلنة، في 25 يوليو (تموز) المقبل لانتخاب أعضاء الجمعية الوطنية (البرلمان)، الذي يبلغ عدد مقاعده 342 مقعداً، في منافسة قوية بين «الرابطة الإسلامية»، و«حركة الإنصاف». وهناك عدد من الأحزاب السياسية الصغيرة الأخرى التي تحظى بتأثير إقليمي في المناطق العاملة فيها وتتبع أصولها العرقية. ومن بينها «رابطة مسلمي باكستان» في كراتشي، وحزب «عوامي الوطني» في خيبر بوختونخوا. كما شكل حزبان دينيان كبيران، هما «الجماعة الإسلامية» و«جمعية علماء الإسلام»، ائتلافاً انتخابياً مع ظهور مرشحين مشتركين عنهما للانتخابات المقبلة. ولقد تحول حزب الشعب الباكستاني، الذي كان أحد الأحزاب الحاكمة في البلاد ذات مرة، إلى حزب إقليمي ليس له نفوذ إلا في المناطق الريفية من إقليم السند. وليس له وجود تقريباً في إقليم البنجاب الكبير.
وتظهر استطلاعات الرأي فوزاً واضحاً لحزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نواز شريف)، في إقليم البنجاب، حيث توجد أغلب مقاعد الجمعية الوطنية (البرلمان). وأظهر أحد استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة «غالوب» للاستطلاعات، أن نسبة 34 في المائة ممن شمهم الاستطلاع سوف يصوتون إلى حزب الرابطة (جناح نواز شريف)، و26 في المائة لصالح «حركة الإنصاف»، و15 في المائة لصالح «حزب الشعب». وأظهر استطلاع «بولس كونسولتانت» للرأي نتائج مشابهة مع 36 في المائة من المشاركين يؤيدون حزب الرابطة، ونسبة 23 في المائة تؤيد حركة الإنصاف، ونسبة 15 في المائة لصالح حزب الشعب الباكستاني. ومع ذلك، بدأت التصدعات السياسية في الظهور بين صفوف حزب الرابطة الإسلامية (جناح نواز شريف)؛ إذ قرر الكثير من المؤيدين الابتعاد عن قيادة الحزب. كما قرر عدد من قادة أيضاً خوض الانتخابات مرشحين مستقلين وليسوا ممثلين للحزب نفسه.
ويقول المحللون السياسيون، إن حكم محكمة المساءلة في قضايا الفساد المالي ضد رئيس الوزراء السابق نواز شريف قد يزيد من وتيرة الانقسامات داخل صفوف الرابطة قبل الانتخابات البرلمانية. وعلى نحو مماثل، هناك 42 عضواً في البرلمان السابق، من الذين يعتبرون من الفائزين المرجحين في أي منافسات انتخابية. ويقول هؤلاء إنهم قرروا الابتعاد عن قيادة الحزب بسبب الاستراتيجية السياسية الانتخابية المناهضة للقضاء والمناهضة للجيش في البلاد.
ومن المثير للاهتمام، تعكس جاذبية «حركة الإنصاف» الاتجاه الجديد في المنافسات السياسية بين الأحزاب داخل باكستان. وفي عام 2008، ابتعد الناخبون عن الرابطة الإسلامية المؤيدة لبرويز مشرف في ذلك الوقت واختاروا الانضمام إلى حزب الشعب الباكستاني بناءً على الرأي العام السائد وقتها في البلاد. وفي عام 2013، عادوا فأيدوا حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (نواز شريف) للسبب نفسه.
وفي الوقت الراهن، تشير استطلاعات الرأي كافة إلى تفضيل حزب الرابطة الإسلامية (نواز شريف)، ومع ذلك فإن الناخبين أصبحوا يميلون إلى حركة الإنصاف. وهذا يعني أن الناخبين يمضون في اتجاه في حين يمضي الرأي العام السائد في اتجاه آخر.
فهل يعني ذلك أن هناك عنصر إكراه مجهولاً في هذه العملية؟ ربما. فإن صورة عمران خان مرشحاً مفضلاً لدى المؤسسة الحاكمة لها علاقة كبيرة بهذه الأمور. كذلك، حقيقة أن الخصوم قد فقدوا التأييد اللازم وصاروا معارضين صرحاء للمؤسسة العسكرية الوطنية، هي من العوامل الأخرى التي أجبرت الناخبين في البنجاب على الانضمام إلى حركة الإنصاف.
ولا يضيّع عمران خان أي فرصة لإظهار نفسه بأنه المرشح المفضل لدى المنصب السياسي الرفيع في البلاد. وقراره بخوض الانتخابات البرلمانية على خمسة مقاعد في الجمعية الوطنية يعكس رغبته القوية في النهوض بصفته زعيماً وطنياً للبلاد. ولقد تقدم بأوراق الترشح لدى لجنة الانتخابات الباكستانية عن دائرتين في البنجاب، ودائرة واحدة في كل من خيبر بوختونخوا، والعاصمة الاتحادية، وإقليم السند.
يقول متحدث باسم الحركة «يخوض عمران خان الانتخابات من ثلاثة أقاليم لأننا نريد أن نبعث برسالة واضحة مفادها أن حركة الإنصاف الباكستانية هي حزب لكافة الأقاليم الأربعة. فإن خاض عمران خان الانتخابات عن دائرة واحدة فسوف تكون هناك تعبئة انتخابية في الدوائر الانتخابية المجاورة أيضاً».
وعلى نحو تقليدي في باكستان، يتنافس كبار زعماء الأحزاب السياسية على أكثر من مقعد واحد لضمان الفوز في إحداها على الأقل. لكن في حالة عمران خان، يعتقد المتحدث أنه يتنافس في خمس دوائر انتخابية؛ مما يعني أنه يريد الظهور بمظهر الزعيم الوطني متجاوزاً الحدود العرقية الضيقة.
وقد أثار قرار عمران خان بالتنافس الانتخابي في كراتشي دهشة المراقبين السياسيين في البلاد؛ كونها المدينة التي لا تزال خاضعة لقبضة السياسات العرقية حتى الوقت الراهن. وتضم كراتشي مناطق ذات أغلبية من الناطقين باللغة الأوردية، التي أرسلت بمرشح الجماعة الإسلامية إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) في عام 2002؛ مما يشير إلى تقليد متبع في المنطقة بإرسال المرشحين من خارج الحركة القومية المتحدة إلى البرلمان. يقول موسى كليم، الصحافي الكبير من كراتشي: «هذه منطقة من الطبقة الوسطى في البلاد، ويُعتقد أن عمران خان يتوقع حصوله على أصوات الناخبين من الطبقة المتوسطة المتعلمة. وهو لم يقيم استراتيجيته الانتخابية على أسس عرقية نظراً لوجود أقلية بشتونية ضئيلة في هذه المنطقة».
ويأمل عمران خان في إرساء اتجاه جديد داخل كراتشي من خلال التخلي عن السياسات العرقية، وربما ينجح في ذلك هذه المرة. غير أن استراتيجية حزبه لا تزال تقليدية للغاية، ولا سيما في وسط وجنوب البنجاب. ففي جنوب البنجاب، تمكن عمران خان من جذب الناخبين الأقوياء، لكن في وسط وشمال البنجاب، وهي معاقل حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (نواز شريف) منذ عام 1993، فإن الحقائق على أرض الواقع مختلفة للغاية. ويقول زايغام خان: «لقد رسخ عمران خان التصويت المناهض لنواز شريف تحت رايته الانتخابية».
ومن الواضح، أن كافة الناخبين المناهضين لنواز شريف وحزبه قد انضموا أخيراً إلى حركة عمران خان. وحتى الحساب النهائي للأصوات، سوف تكون هناك الكثير من التكهنات، لكن في الوقت الحاضر على الأقل، يمكن القول بأمان إن عمران خان قد خاض مخاطر كبيرة للغاية من خلال التنافس الانتخابي انطلاقاً من لاهور على اعتبار أنها من المعاقل القوية لحزب الرابطة الإسلامية (نواز شريف).



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.