أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا

تحالفات متقاطعة... وتمركزات مفاجئة... وحشود عسكرية سريعة الحركة

أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا
TT

أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا

أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا

تُظهر أحدث خريطة لتوزيع القوى المسلحة في ليبيا تحالفات متقاطعة، وتمركزات مفاجئة في المواقع، وحشودا عسكرية سريعة الحركة. وباستثناء قوات الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، في الشرق، يبدو أن باقي التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية، في الغرب، تفتقر إلى عقيدة واضحة بشأن الهدف من وجودها، وما تريد أن تفعله في الحاضر والمستقبل.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي... ومنذ تفرُّق الجيش تحت ضربات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 2011، تشكلت في غالبية المدن مجالس عسكرية لتأمين المرافق وحياة الناس فيها، يعد أقواها هو المجلس العسكري لمدينة مصراتة، إلا أن الصراع على النفوذ، تسبب سريعا في حروب صغيرة هنا وهناك، سقط ضحيتها مئات القتلى وآلاف المصابين، وتشريد الألوف.
ومن بين خلافات المجالس العسكرية، تسللت عناصر متطرفة وصلت في بعض المدن إلى تولي رئاسة تلك المجالس، والدخول بليبيا للمجهول، ما أدى إلى ارتفاع أسهم الجيش الوطني في الشرق، بعد أن تمكن من هزيمة المتطرفين، وفرض سلطة موحدة على مساحات شاسعة من البلاد.
وفي المقابل بقيت مدن الغرب، خاصة طرابلس ومصراتة، تحت وطأة تنافس محموم من جانب مسلحين من مشارب متعددة، رغم وجود سلطة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، المدعوم دوليا. وفي التقرير التالي صورة عن أهم مناطق وجود القوى المسلحة في عموم ليبيا، وفقا لما حصلت عليه «الشرق الأوسط» من مصادر عسكرية وأمنية مختلفة في ليبيا.
منذ عام 2014 تمكن المشير خليفة حفتر من إعادة تكوين «القوات المسلحة العربية الليبية»، وهو الاسم الذي كان يطلق على الجيش في عهد العقيد معمّر القذافي. ويبلغ قوام عناصر الجيش القديم التي كانت منتظمة في الخدمة نحو 140 ألف ضابط وجندي. لكن العدد الحالي الذي رجع للعمل تحت إمرة حفتر، يبلغ تقريبا ربع عدد القوات السابقة.
وكان الهدف من تجميع الجيش تحت اسم «عملية الكرامة»، قبل أربع سنوات، هو التصدي للجماعات المتطرفة التي استوطنت بنغازي، ثاني أكبر المدن والعاصمة التاريخية للشرق.
ولم ينجح حفتر فقط في دحر تنظيمات مصنفة دوليا كجماعات إرهابية، بل تمكن أيضاً من بسط سلطة الدولة على بنغازي، وكل مدن الشرق، ومعظمها مطل على البحر المتوسط، لكن ما زالت هناك بؤر إرهابية منتشرة في مدينة درنة التي تبعد نحو 250 كيلومترا من الحدود مع مصر، وبؤر أخرى في الصحراء الجنوبية الشرقية، وهي منطقة وعرة التضاريس.
- تمركزات الجيش
يتمركز الجيش في الوقت الراهن في معسكرات يقع معظمها في شرق البلاد حول مدينة بنغازي، خاصة منطقة الرجمة التي يدير منها المشير حفتر العمليات القتالية. وتمكن خلال الشهور الماضية من فرض حصار محكم على درنة لتضييق الخناق على الجماعات المتطرفة. ونجح في فتح معسكرات له داخل بنغازي، وفي مناطق القبة والبيضاء، وغيرها.
وللجيش وجود في الشمال الأوسط من البلاد أيضا، يمتد من إجدابيا، حتى مشارف مدينة سرت غربا. وإلى الجنوب من سرت انتزع الجيش قاعدة الجفرة الحيوية من أيدي جماعات متباينة التوجهات، لكنها كانت متحدة ضد الجيش.
وفي الجنوب قاتل حفتر بضراوة من أجل استعادة قاعدة براك الشاطئ الاستراتيجية من أيدي متطرفين في الشهور الماضية. وما زال يسيطر عليها، حيث يقوم بين حين وآخر باستخدام قاعدتها الجوية لتنفيذ غارات على جماعات متشددة في أقصى الجنوب.
وتتوزع القوى الرئيسية ذات التسليح القوي بين أربع مناطق الآن هي: الشرق، وطرابلس، ومصراتة في الغرب، وسبها في الجنوب.
- انقسامات طرابلس وما حولها
وقعت في طرابلس وما حولها حروب صغيرة متعددة كان أبرزها الحرب التي دارت في 2014 بين قوات من مدينة الزنتان الواقعة إلى الجنوب الغربي من العاصمة، وقوات من مدينة مصراتة، التي تبعد نحو مائتي كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. لكن الأمور تغيرت والتحالفات أيضا. وفيما بعد تمكنت قوات تتكون في معظمها من أبناء العاصمة، من طرد مقاتلي مصراتة وتحالفاتهم مع الإسلاميين المتشددين، من طرابلس في صيف العام الماضي. وتوالي القوات الطرابلسية وجود السراج كحاكم في طرابلس.
- مخاوف من تاجوراء
من ناحية أخرى، الاثنين الماضي، جرى رصد تحرك من عناصر من ميليشيات مصراتة في اتجاه منطقة القره بولي في شرق العاصمة، حيث تتمركز قوات أخرى مناوئة للسراج، منذ شهور، في منطقة تاجوراء التي تفصل القره بولي عن طرابلس. وتعرف هذه القوات باسم كتيبة بشير البقرة، وهي خليط من متعاونين سابقين مع السراج، وجماعات متطرفة.
وفي اليوم التالي وصل عدد القوات الجديدة التي قدمت من مصراتة، إلى أكثر من تسعين سيارة دفع رباعي وعليها نحو خمسمائة مقاتل مدجّجين بالأسلحة. وكان من السهل رؤيتها في منطقتي العلوص والقويعة، بينما أرسلت قوات البقرة وفودا للترحيب بالمقاتلين الذين وصلوا توا.
يقول قائد في إحدى الميليشيات، إن ممثلين عن قوات على خصومة مع السراج جاءت من مقار تمركزها قرب مطار طرابلس الدولي في الجنوب، لتقديم التهنئة بسلامة وصول تلك القوات المصراتية أيضا، و«هذا لا يصب في مصلحة القوات الطرابلسية».
بيد أن هذا لا يمنع من أن تتغير كل هذه الخطط خلال أيام. فقد وقع تململ من جانب بعض العسكريين المنخرطين في القوات التي جاءت مؤخرا من مصراتة، بسبب تأخير ساعة التقدم إلى وسط العاصمة، فكان الرد أنه لم يتم حسم الأمر بعد، لأن هناك آراء، في مصراتة، تقول إن توجيه القوات لاستعادة قاعدة الجفرة العسكرية، من قوات حفتر، أهم من الدخول في حرب مع قوات السراج في طرابلس.
- قوات على حافة التمرد
ولدى القوات المتمركزة في شرق العاصمة تنسيق مع قوات تابعة لقائد عسكري يفترض أنه يعمل تحت قيادة السراج، في غرب وجنوب غربي العاصمة. لكن في الوقت الراهن يبدو أن هذا القائد، وهو برتبة لواء، لم يعد على سابق الوفاق مع السراج. ويعتقد كبار رجال الأمن في طرابلس أنه إذا ما قام هذا اللواء بالاشتراك مع مصراتة في الهجوم على العاصمة من الغرب والشرق، فإنه يمكن لقواتهما السيطرة على المدينة بسهولة. وتتحرك قوات «اللواء» في ورشفانة حيث تسيِّر دوريات عسكرية في مناطق الزهراء، والعزيزية، والساعدية، والتوغار، والماية، والكسارات، وغيرها.
وفي أحدث مؤشر على ما يشبه التمرد في أوساط قيادات عسكرية في الغرب على السراج، يتحدث مصدر عسكري عن مشادة وقعت بين ضباط بالمنطقة الدفاعيـة لطرابلس، بقيادة اللواء عبد الباسط مروان التي تعمل تحت إمرة السراج، وضباط تابعين لقائد المنطقة العسكرية الغربية، المعين من السراج، اللواء أسامة الجويلي.
ولقد لاحظ عسكريو المنطقة الدفاعية لطرابلس، وجود تحركات لأكثر من ألف عنصر من قوات تابعة لجويلي، على تخوم طرابلس، دون أن تحصل على إذن من السراج بصفته القائد الأعلى للجيش... «وهذا مثير للقلق»، كما يشير المصدر نفسه. وتم إخطار السراج بهذه التطورات، إلا أن كل شيء تغير سريعا إلى الأسوأ بالنسبة لرئيس المجلس الرئاسي، إذ تمادت دوريات القوات المشار إليها، في اتجاه طرابلس، دون إبلاغ السراج، ووصلت إلى مناطق متقدمة من جنوب العاصمة مثل العزيزية، على بعد 45 كيلومترا، والسواني على بعد 20 كيلومترا.
- القوات الطرابلسية
توجد حالياً في وسط العاصمة قوات هي خليط من المدنيين والعسكريين، محسوبة على السراج، وإن كانت تعمل بشكل فيه نوع كبير من الاستقلالية. وهذه القوات تتبع قادة معروفين منهم هيثم التاجوري، وعبد الرؤوف كارا، وعبد الغني الككلي. لكن قواتهم تعد متواضعة إذا ما قورنت بالقوات التي تملكها كل من مصراتة والزنتان مجتمعة. وتعمل القوات الطرابلسية باعتبار أنها قوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، لكنها مع ذلك تتصرف في معظم الوقت كقوات مستقلة، ولديها سجون خاصة لا تتبع أي سلطة بما فيها السلطة القضائية. وفي كثير من الأحيان تدخل في مناوشات مع السراج نفسه.
وتسببت مخاوف القوات الطرابلسية من تنامي قوات الحرس الرئاسي، وهي قوة نظامية تابعة للسراج، برئاسة العميد نجمي الناكوع، في التضييق على هذه القوة، وتهميش الناكوع نفسه. بيد أن القوات الطرابلسية ليست على قلب رجل واحد في معظم الوقت. فهي تتنافس أيضا على النفوذ فيما بينها. ودخلت في صراع ضد بعضها بعضا، قبل شهرين، بسبب رغبة كل منها في الاستحواذ على شحنة سيارات «بيك آب» مستوردة من الخارج. ويقول وسيط شارك مرات عدة في حل الخلافات بين القوات الطرابلسية: التاجوري وكارا، هما عمود الدفاع عن طرابلس، إلا أنهما لم يعودا على وفاق كما كانا في الماضي.
- الكرّ والفرّ
هذه ليست المرة الأولى التي تقترب فيها قوات ضاربة تابعة لمصراتة من العاصمة. فقد جرت مثل هذه التحركات في الشهور الماضية، دون تنسيق مع الزنتان. وفي كل مرة يبدأ التحشيد لحرب كبيرة في طرابلس، إلا أن القوات المصراتية إما أنها تعود إلى مدينتها، أو تظل متمركزة قرب العاصمة لعدة أسابيع. لكنها، ومنذ أواخر العام الماضي، حصلت على مكسب من الخلافات التي وقعت بين كتيبة البقرة والسراج. وكان بشير البقرة مكلفا بالمشاركة في تأمين العاصمة، إلى أن قام بمحاولة لاقتحام مطار إمعيتيقة، ما دفع السراج إلى رفع الغطاء القانوني عنه.
ووجد خصوم السراج فرصة لدعم البقرة والتحالف معه. وتتمركز قوات البقرة، المكونة من مئات المقاتلين، في تاجوراء شرق العاصمة، وتتعاون مع قوات من ترهونة والخُمس، بالإضافة إلى مصراتة. وهي حاليا مصدر تهديد كبير.
- قوات وزير دفاع السراج
وزير الدفاع في حكومة المجلس الرئاسي، العقيد المهدي البرغثي، يبدو أنه ليس على وفاق مع السراج. ووقع الخلاف بين الطرفين بعد حادث الهجوم على قاعدة براك الشاطئ، في جنوب البلاد منذ نحو سنة، التي تهيمن عليها قوات من الجيش الوطني الذي يقوده حفتر. وجرى قتل وإصابة عشرات الجنود في القاعدة. وتبادل السراج ووزير دفاعه الاتهامات حول المتسبب في هذه الكارثة التي هزت المجتمع الليبي.
وفي الوقت الراهن يعمل وزير الدفاع بشكل شبه مستقل عن السراج، ولديه قوات في محيط طرابلس، ولا يعلن عادة عن نياته. ولديه اتصالات مع قوى مختلفة، بما فيها قوات تقع في الخانة المناوئة للسراج. ويبلغ عدد القوات الموالية لوزير الدفاع نحو ألف مقاتل، ويوجدون في مجموعات لها أسماء عسكرية منها الكتيبة 28، وموجودة في طريق الشط، وميدان الشهداء، وسوق الثلاثاء، ووسط طرابلس، والكتيبة 92 في شارع الزاوية، ومنطقة صلاح الدين، والكتيبة 301، موجودة في طريق المطار، والسواني، والكريمية، وغيرها.
ودعم وزير الدفاع عملية «البنيان المرصوص» التي أدت إلى طرد تنظيم داعش من مدينة سرت، لكن قيادات «البنيان المرصوص» - ومعظمهم من مصراتة - تفرقت بهم السبل، فبعضهم ما زال مواليا للسراج، والبعض الآخر يناصبه العداء وينحاز للمتطرفين.
ولم يعرف موقف البرغثي من هذه الاختلافات. ولم يسجل أي اشتباك مباشر لقواته في مناطق التماس بين الإخوة الأعداء حول طرابلس، أي في تاجوراء والزاوية، ووادي الربيع، حيث يوجد هناك خليط من المئات من العناصر المسلحة، بعضها من الموالين للسراج وبعضها من خصومه.
- العودة إلى المطار
جدير بالذكر، أنه وقعت الحرب بين مصراتة والزنتان في 2014. وكان آخر مظاهرها الاقتتال الشرس حول مطار طرابلس الدولي. ولقد تحصن مقاتلو الزنتان في المطار، وقامت قوات مصراتة بقصفهم بكل أنواع الأسلحة، ما أدى لحرق المطار بما فيه من طائرات، وانسحاب الزنتان إلى مدينتهم.
واليوم، إذ تخشى أطراف في المجلس الرئاسي من مغبة تحالف هاتين القوتين، يجري بحث مقترحات تقدمتا بها لأطراف في المجلس الرئاسي، بشكل غير رسمي، لكي تقتسم مصراتة والزنتان إدارة المطار وما حوله من أراض ومزارع في جنوب العاصمة.
ويقول مستشار في طرابلس، إن هذا مخرج مهم لتجنب وقوع حرب، لكنه يضيف أن هناك من يعارض هذا المقترح، وعلى رأس هؤلاء القوات الطرابلسية، فأي وجود لمصراتة والزنتان في أي مكان في طرابلس هو بمثابة تهديد مباشر لمئات من قوات التاجوري، وكارا، والككلي، وهي القوات التي يعتمد عليها السراج في نهاية المطاف.
- أنصار النظام السابق
أخيراً، تقول مصادر ممن كانت في الماضي من معاوني القذافي، إن هناك نحو سبعين ألفا من الضباط والجنود ممن لم يلتحقوا، منذ 2011، بالجيش الذي يقوده المشير حفتر، لأسباب سياسية تتعلق بانحياز حفتر إلى الانتفاضة التي أطاحت القذافي. ويشير إلى أن هؤلاء إما أنهم لجأوا إلى المنافي الاختيارية في مصر وتونس والجزائر وغيرها، للحفاظ على أرواحهم، أو اختاروا البقاء داخل ليبيا انتظارا لتغير الظروف على الأرض، خاصة من جانب المجتمع الدولي الذي يرفض عودة قادتهم للواجهة.
ومع ذلك، فإن معظم القيادات العسكرية التي تعمل مع حفتر هم أساساً من الجيش الليبي السابق. لكن بالنسبة لمن هم في داخل ليبيا، وينتظرون تغير الأوضاع، فيتركز وجودهم في مدينة بني وليد التي ما زالت تعلق صور القذافي على جدران المباني. وتوجد بعض البلدات في إقليم فزان، جنوبا، ما زال فيها قادة عسكريون يتمسكون بمبادئ القذافي، رغم أن بعضهم يتولى القيادة في مناطق عسكرية تابعة لحفتر.
- قوات الجضران
> ظهر اسم إبراهيم الجضران آمرا لحرس المنشآت النفطية في المنطقة الواقعة بين مدينتي إجدابيا وسرت. وكان يزعم أن لديه آلاف المقاتلين في تلك المنطقة التي تحوي مصافي لتصدير النفط، ودخل في حروب ضد المشير حفتر لحكم المنطقة بالقوة، لكنه خسرها، ومن ثم تفرق معظم مقاتليه. وجرى إقالته من جانب السلطات الحاكمة في شرق ليبيا وغربها.
وألقي القبض على الجضران قبل سنة، وأودع سجن في بلدة نالوت، جنوب غربي طرابلس، إلا أنه فر من محبسه ثم ظهر قبل أسبوعين في مصراتة، التي أصبح يهيمن عليها تحالف من زعماء «الإخوان» و«القاعدة» و«داعش».
ويقول مصدر أمني: «هناك أطراف محلية وإقليمية تعمل ضد حفتر، هي من ساعد على جمع المقاتلين، من متطرفين ومرتزقة أفارقة، لشن هجوم على المصافي النفطية، انطلاقاً من مركز عمليات يديره متشددون في مصراتة، في محاولة لتشتيت جهود الجيش في درنة. ويخشى المتطرفون من أي تقدم لحفتر في اتجاه غرب البلاد».
- جيش الصحراء
> يوم الخميس من الأسبوع الماضي، وأثناء الإعداد لشن هجوم على منطقة «الهلال النفطي»، شوهدت قوات تابعة لجماعات من متطرفين ومرتزقة في الصحراء الليبية والمعروفة باسم «جيش الصحراء»، وهي في طريقها للالتحاق بالهجوم على مصافي النفط. وتتمركز هذه القوات في مناطق ذات طبيعة صخرية بركانية في وسط الصحراء منها «الهروج» و«الجبال السود» و«أم الغرانيق» و«قرارة خلف الله».
ولا يقتصر وجود المقاتلين هناك على «جيش الصحراء» الذي شكله مقاتلو «داعش»، الفارون من مدن الشمال، ولكن المنطقة تضم مسلحين مناوئين لحكومات بلادهم في أفريقيا ومتطرفين قادمين من دول أفريقية، وآخرين فارين من مناطق القتال في العراق وسوريا. وانخرط مرتزقة من هؤلاء في الهجوم على الهلال النفطي.



حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.