غوتيريش لمجلس الأمن: المعاناة في غزة تنذر بحرب

«الشرق الأوسط» تحصل على تقرير لا سابق له حول تنفيذ القرار 2334

صورة أرشيفية لأنطونيو غوتيريش خلال مشاركته في ندوة اقيمت في جامعة جنيف (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لأنطونيو غوتيريش خلال مشاركته في ندوة اقيمت في جامعة جنيف (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش لمجلس الأمن: المعاناة في غزة تنذر بحرب

صورة أرشيفية لأنطونيو غوتيريش خلال مشاركته في ندوة اقيمت في جامعة جنيف (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لأنطونيو غوتيريش خلال مشاركته في ندوة اقيمت في جامعة جنيف (أ.ف.ب)

حمل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقرير مكتوب لا سابق له حول تنفيذ القرار 2334، بشدة على النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، مؤكداً أنها «تقوض الآمال في إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة».
وحذر من أن «المعاناة الهائلة» الأخيرة في غزة تنذر باقتراب الوضع من حافة الحرب، مكرراً مطالبته بإجراء تحقيق «مستقل وشفاف» في الأسباب التي أدت إلى مقتل العشرات وجرح الآلاف من المدنيين الفلسطينيين قرب السياج الحدودي للقطاع مع إسرائيل. وأكد أن الخطوات الأحادية من أي طرف يسعى إلى تغيير طابع القدس «تشكل عقبة أمام السلام».
وكان الأمين العام للأمم المتحدة يعدّ تقارير شفهية لمجلس الأمن عن تنفيذ هذا القرار الذي أصدره في نهاية عام 2334.
وقال الأمين العام في خلاصات تقريره المكتوب الأول الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه أن «النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية تتواصل بلا هوادة»، مؤكداً أنها «تقوض الآمال والآفاق العملية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة». وأشار إلى أن القرار الذي اتخذته إسرائيل في 30 مايو (أيار) الماضي بالموافقة على إعطاء تراخيص لبناء نحو 3500 وحدة سكنية في الضفة الغربية المحتلة، في أكبر دفعة منذ يونيو (حزيران) 2017 «يوجد المزيد من العراقيل أمام دفع حل الدولتين متفاوض عليه». وكرر إن «كل النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، يشكل انتهاكاً صارخاً بموجب اﻟﻘﺎﻧﻮن الدولي كما حدد القرار 2334، ويجب أن يتوقف فوراً وتماماً».
وأضاف، إن قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في 24 مايو السماح بهدم كل الأبنية تقريباً في خان الأحمر - أبو الحلو «يضع المجتمع المحلي في خطر داهم»، معبراً عن «القلق من أن القرار الحالي يمثل سابقة رئيسية، ويشكل تهديداً لمجتمعات الرعي البدوية الأخرى في كل أنحاء المنطقة (سي) من الضفة الغربية المحتلة». وطالب الحكومة الإسرائيلية بـ«إلغاء خططها لتنفيذ الهدم الشامل ونقل سكان خان الأحمر - أبو الحلو»، مذكراً كل الأطراف بأن «مثل هذه الأعمال داخل الأراضي المحتلة يمكن أن تشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي».
ولاحظ أن الفترة الراهنة «شهدت معاناة هائلة لشعب غزة وتصعيداً هو الأخطر منذ نزاع 2014 بين حماس وإسرائيل»، مضيفاً إن ذلك «ينبغي أن يكون إنذاراً للجميع حيال مدى اقتراب الوضع من حافة الحرب». وشدد على أنه «فقط عبر تغيير الواقع على الأرض - وعبر الاعتراف بمحنة الفلسطينيين في غزة ومعالجتها وضمان التزام جميع الأطراف بتفاهمات وقف النار لعام 2014ـ ودعم الجهود التي تقودها مصر لاستعادة سيطرة الحكومة الفلسطينية الشرعية في غزة - يمكننا الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية كاملة التمثيل ومستقلة وقابلة للحياة ومستقلة والحيلولة دون وقوع نزاع مميت وكارثي آخر». وندد «بما لا لبس فيه بالخطوات التي اتخذتها كل الأطراف التي أوصلتنا إلى هذا المكان الخطير والهش».
وأكد أنه «صُدم بعدد الوفيات والإصابات التي لحقت بالفلسطينيين نتيجة استخدام القوات الإسرائيلية للنيران الحية منذ بدء الاحتجاجات على طول السياج الحدودي مع غزة في 30 مارس (آذار)»، موضحاً أنه «تقع على عاتق إسرائيل مسؤولية ممارسة الحد الأقصى من ضبط النفس في استخدام النيران الحية وعدم استخدام القوة القاتلة إلا ملاذاً أخير في حال وجود خطر وشيك بالموت أو الإصابة البالغة». وإذ أقر بأنه «يجب على إسرائيل أن تحمي مواطنيها»، شدد على أنه «يجب عليها أن تفعل ذلك مع احترام القانون الإنساني الدولي»، لافتاً إلى أن «قتل الأطفال، وكذلك الصحافيين والعاملين الطبيين المعروفين بوضوح لدى القوى الأمنية خلال المظاهرة أمر غير مقبول». ونبّه إلى أنه «يجب السماح لهم بأداء واجباتهم من دون خوف من الموت أو الإصابة»، مضيفاً إن «الهجمات على الفرق الطبية في غزة لا تهدد حياة العاملين الصحيين والمرضى وصحتهم فحسب، بل تقوض أيضاً القدرة الكلية للنظام الصحي في غزة». وأكد أنه على رغم أن الجيش الإسرائيلي أنشأت فريقاً لدرس الحوادث الأخيرة، فإنه يكرر دعواته من أجل «إجراء تحقيق مستقل وشفاف في هذه الحوادث».
وقال إن «أعمال حماس وغيرها من الجماعات المسلحة تعرض للخطر ليس حياة الإسرائيليين والفلسطينيين فحسب، وإنما أيضاً الجهود الرامية إلى استعادة الكرامة واحتمالات إيجاد مستقبل قابل للحياة عند الفلسطينيين في غزة»، مضيفاً إنه «في سياق مسيرة العودة الكبرى، حاول البعض اختراق السياج الحدودي أو وضع متفجرات عليه أو بالقرب منه؛ مما يعد استغلالاً وتقويضاً لحق الأفراد المشروع بالاحتجاج بطريقة غير عنيفة». واعتبر أن «الصواريخ التي أطلقت في اتجاه إسرائيل بين 29 مايو و30 منه قرّبتنا من نزاع شامل لم نره منذ عام 2014»، مؤكداً أن «كل هذه الأعمال غير مقبولة، وفي حالة إطلاق الصواريخ عشوائياً على السكان المدنيين، فإن ذلك يمكن أن يشكل انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي». وطالب «حماس» وغيرها بـ«الامتناع عن إطلاق الصواريخ وخرق السياج»؛ لأن «التصعيد يزهق فقط أرواحاً أكثر ثمينة».
ورأى أن «تحريض قيادة حماس المتظاهرين في غزة أجج الوضع الهش للغاية»؛ مما «ساهم في أعمال عنف عند السياج وجازف بتصعيد خطير»، موضحاً أنه «في مناسبات عدة، دعا قادة حماس المتظاهرين مباشرة إلى اختراق السياج والسعي إلى الاستشهاد». لكنه استدرك إن «تصريحات المسؤولين الحكوميين الإسرائيليين الكبار التي تدعي زوراً أن جميع الفلسطينيين هناك منتسبون إلى حماس، وهم بالتالي أهداف مشروعة، تشير إلى سياسة إسرائيلية تسمح باستخدام النيران الحية ضد المتظاهرين»؛ مما «ساهم في المأساة التي شهدناها طوال الأسابيع الأحد عشر الماضية». وانتقد ما سماه «الخطاب الاستفزازي من المسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين»؛ لأنه «يقوض الثقة بين الطرفين ولا يخدم مصالح السلام في الشرق الأوسط»، مذكراً بأنه «تقع على عاتق الزعماء مسؤولية الحد من التوتر وليس زيادته، وبناء الجسور وليس إيجاد العقبات، ومواجهة نظريات المؤامرة وليس إدامتها».
وإذ لحظ قرار الحكومة الإسرائيلية بزيادة الاستثمار في القدس الشرقية المحتلة، عبّر عن «قلقه» من «الفجوات في البنية التحتية وتقديم الخدمات في الأحياء الفلسطينية»، مضيفاً إن «بعض العناصر، فضلاً عن الخطاب السياسي المصاحب لها، تثير المخاوف، خصوصاً لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية من أن الخطوات المقررة يمكن أن تقضي على روابطهم السياسية والثقافية والاقتصادية مع بقية أنحاء الضفة الغربية»، فضلاً عن أنها «تهدد ممتلكاتهم وتعمّق سيطرة إسرائيل على القدس». وأكد أن «الخطوات الأحادية من أي طرف يسعى إلى تغيير طابع القدس أو الحكم المسبق على الوضع النهائي لها، والذي يجب أن يحدده الطرفان عبر المفاوضات على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع الأخذ في الاعتبار الهواجس المشروعة لكل من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لا تتسق مع قرارات الأمم المتحدة وهي عقبة أمام السلام».
ورحب بانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني للمرة اﻷولى منذ 22 عاماً، لكنه أعرب عن «القلق» بشأن بعض جوانب البيان الختامي، مشيراً خصوصاً إلى «النص المتعلق بوقف كل أشكال التنسيق الأمني وتحرير (أنفسهم) من روابط التبعية الاقتصادية المنشأة بموجب بروتوكول باريس، بما في ذلك المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الاحتلال، دعماً لاستقلالية الاقتصاد الوطني وتنميته وتعليق الاعتراف بإسرائيل حتى تعترف بدولة فلسطين على حدود 4 يونيو 1967، ونقض قرار ضم القدس الشرقية ووقف المستوطنات». وأوضح أن «هذه الخطوات إذا اتخذت يمكن أن تعكس مسار التقدم الذي تحقق خلال سنوات من المفاوضات والجهود المبذولة في بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية، كما أنها تجعل العودة إلى المفاوضات المجدية أكثر صعوبة».
وعبّر عن «قلق عميق من الانهيار الاقتصادي» في غزة بسبب نظام الإغلاق التقييدي الذي تفرضه إسرائيل، ولفت إلى أن «عدم دفع المرتبات من الحكومة الفلسطينية لموظفيها في غزة يزيد الوضع تعقيداً»، داعياً إلى «إلغاء هذا الإجراء وغيره من التدابير الخطيرة وعدم فرض أي تدابير جديدة». وأضاف أنه «يجب أن تستمر الجهود الرامية إلى الحفاظ على الروابط وتوحد غزة مع الضفة الغربية، بدءاً من عودة غزة إلى السيطرة الكاملة للحكومة الفلسطينية الشرعية». وحذر من مخاطر تدهور الحال الإنسانية الوضع في غزة، مؤكداً أن «الحالة اليائسة تتفاقم بسبب التعليق المحتمل لبرامج رئيسية للأمم المتحدة تعد بمثابة حبل نجاة للفلسطينيين في غزة». وقال إن «الوضع المالي غير المستقر لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (الأونروا) هو مصدر قلق خاص، ليس فقط لنحو مليون لاجئ فلسطيني في غزة (...)، لكن أيضاً لمتلقي خدمات (الأونروا) في كل أنحاء الضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا»، مضيفاً إن «العجز الكبير الذي يصل إلى 250 مليون دولار، إذا لم يجرِ تسديده على وجه السرعة، ينطوي على خطر كبير يتمثل في تعطيل خدمات الوكالة». وناشد كل الدول تقديم المزيد من الدعم لـ«الأونروا» مع اقتراب موعد مؤتمر المانحين الخاص بها في 25 يونيو في نيويورك.
وعبر عن «القلق البالغ من حالة جهودنا الجماعية للنهوض بالسلام»، مناشداً الشركاء الإقليميين والدوليين الرئيسيين «مواصلة السعي لتحقيق حل الدولتين»، معتبراً أن الرباعية «تبقى المنتدى الأبرز لمناقشة وجهات النظر لحل الصراع». وندد بشدة بـ«التدابير الأحادية، التي تعرض للخطر احتمالات السلام»، مذكراً بأن القرار 2334 ينص صراحة على أنه «لن يعترف بأي تغييرات تطرأ على خطوط 4 يونيو 1967، بما في ذلك القدس، بخلاف تلك التي يتفق عليها الطرفان من خلال المفاوضات».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.