قوانين تمويل الإرهاب تحاصر الأنشطة الإقليمية لـ«الحرس» الإيراني

«الخزانة» الأميركية تهدد البنوك اللبنانية بسبب أموال «حزب الله»

جلسة ساخنة شهدها البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي حول الانضمام إلى اتفاقية منع تمويل الإرهاب... وتمكن النواب المعارضون للحكومة من تعطيل التصويت لشهرين (ميزان)
جلسة ساخنة شهدها البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي حول الانضمام إلى اتفاقية منع تمويل الإرهاب... وتمكن النواب المعارضون للحكومة من تعطيل التصويت لشهرين (ميزان)
TT

قوانين تمويل الإرهاب تحاصر الأنشطة الإقليمية لـ«الحرس» الإيراني

جلسة ساخنة شهدها البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي حول الانضمام إلى اتفاقية منع تمويل الإرهاب... وتمكن النواب المعارضون للحكومة من تعطيل التصويت لشهرين (ميزان)
جلسة ساخنة شهدها البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي حول الانضمام إلى اتفاقية منع تمويل الإرهاب... وتمكن النواب المعارضون للحكومة من تعطيل التصويت لشهرين (ميزان)

في صباح 7 مايو (أيار) من عام 2008 استفاق البيروتيون على مئات من عناصر ميليشيا «حزب الله» منتشرين في الشوارع بعتادهم العسكري وسلاحهم الثقيل. كانت المرة الأولى التي تنتشر فيها هذه الميليشيات بهذا الشكل العلني في مناطق خارج نفوذها. أعادت حينها تلك الصور إلى الذاكرة مشاهد الحرب الأهلية في لبنان. كان الهدف الرئيسي لاحتلال الميليشيات العاصمة آنذاك، مطار بيروت. فقبل 3 أيام اكتُشفت كاميرا مراقبة على أحد مدرجات المطار، تبين أن «حزب الله» هو من نصبها. بعدها خرج زعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط في مؤتمر صحافي ليدعو إلى طرد السفير الإيراني من لبنان وإيقاف الرحلات التابعة للخطوط الجوية الإيرانية التي قال إنها تنقل شحنات أسلحة إلى «حزب الله». وكشف أيضا عن شبكة اتصالات أرضية موازية لشبكة الدولة أقامها «حزب الله». تلا ذلك اجتماع طويل للحكومة خرج بمطلبين: إقالة قائد جهاز أمن المطار، وهو طلب وصفته الميليشيات بأنه «تخطٍّ للخطوط الحمر»، وتفكيك شبكة اتصالات «حزب الله»، ومحاسبة مقيميها قضائيا. فكان رد «حزب الله» ما حصل في «7 أيار». تراجعت الحكومة عن مطالبها وانسحبت الميليشيات إلى مواقعها السابقة. وبقي مطار بيروت، أو جزء منه، تحت سيطرة الحزب، واستمرت الطائرات التابعة للخطوط الجوية الإيرانية في الهبوط بالمطار... معادلة ما زالت سارية حتى اليوم.

في مطار بيروت اليوم بوابة خاصة خارجة عن رقابة الأمن والجمرك، تعرف بـ«بوابة (حزب الله)». هناك تحط طائرات تفرغ شحنات لا تمر عبر الجمارك ولا الأمن. يتسلمها رجال «حزب الله» مباشرة. في مرفأ بيروت أيضا معبر شبيه، تفرغ فيه شحنات من سفن آتية عبر البحر دون أن تمر على مسؤولي الجمارك أو أمن الدولة.
تمويل إيران لـ«حزب الله» ليس خافيا. فالجماعة نفسها تتبجح بأن تمويلها وتسليحها يأتي من إيران. وفي عام 2006؛ بعد الحرب، وصلت للحزب شحنات أموال نقدية عبر مطار بيروت آتية من السفارة الإيرانية في دمشق. فهذه السفارة، كما تؤكد مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، هي المركز الذي تنقل إليه الأموال بالحقائب الدبلوماسية منذ سنين وتوزع على جماعات طهران في المنطقة.
في العراق لا تختلف الصورة كثيرا. تقول مصادر عشائرية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن «الإيرانيين يسيطرون عبر ميليشياتهم وجماعاتهم في العراق» على مطارات بغداد والسليمانية والنجف.
وفي سوريا تحولت الحرب إلى «تجارة» مربحة لإيران في مجالات النفط والسلاح والمخدرات، تمول منها عملياتها في الأراضي السورية.
طوال السنين الماضية نجحت إيران ببناء شبكة معقدة ومتشابكة لتمويل جماعاتها في المنطقة عبر وسائل مختلفة تقليدية، أي عبر تهريب أموال برا وبحرا وجوا، وغير تقليدية عبر تبييض الأموال واستخدام وسطاء مجهولي الهوية. ورغم أن كثيرا من جماعات إيران نجحت ببناء شبكاتها التمويلية الخاصة المستقلة عن إيران، فإن «وجودها» الكلي ما زال يعتمد على النظام في طهران.

- أموال «حزب الله» تهدد البنوك اللبنانية
حاولت إيران في السنوات الماضية الالتفاف على العقوبات المفروضة ضد قطاعها المصرفي، عبر تأسيس مصارف إيرانية صغيرة في لبنان والعراق ودول أخرى تستخدمها لتبييض الأموال وتمويل جماعاتها. وتقول مصادر مصرفية رفيعة في بيروت لـ«الشرق الأوسط» إن «البنوك الإيرانية في لبنان مسجلة على أنها شركات لبنانية وتعمل بشكل شرعي على الورق»، وتضيف أنها «لا ترسل تحويلات إلى الخارج؛ بل تبقي الأموال داخل لبنان».
وتتحدث المصادر المصرفية عن «صعوبة» تتبع مصدر الأموال، وتقول إن الحزب يعتمد على تحويلات بأسماء مستعارة، أو على أشخاص غير مذكورة أسماؤهم على اللوائح السوداء. وتضيف هذه المصادر: «حصل في السابق أنه كانت لدينا حسابات أشخاص هم بالنسبة إلينا تجار، تبين لاحقا أن هناك اتهامات وجهت إليهم بانتمائهم وتمويلهم لـ(حزب الله)». وتتحدث المصادر عن صعوبة تحديد «المنتمين» إلى «حزب الله» وتقول: «لا يمكن أن نمنع أي شخص ينتمي للطائفة الشيعية من فتح حساب لأنه قد يكون ينتمي إلى (حزب الله). هذا يعني الشك في شريحة كبيرة من المجتمع اللبناني، وهذا لا يمكن أن يحصل».
مصادر أخرى مطلعة تتحدث عن ضغوط كبيرة تتعرض لها المصارف اللبنانية من «الخزانة» الأميركية لإغلاق حسابات المنتمين والممولين لـ«حزب الله». وعن هذا يقول مصرفي لبناني رفيع المستوى إنه عندما «صدرت قوانين وزارة الخزانة الأميركية بوضع (حزب الله) على لائحة المنظمات الإرهابية ومنعت التعامل معه، أصيبت مصارف كثيرة بالهلع وبدأت بإغلاق حسابات عشوائيا، لأن (مصرف لبنان) طلب منهم الالتزام بالقوانين. ولكن هذا تسبب بفوضى كبيرة».
وتضيف المصادر المصرفية أنه عندما «يفضح أمر شركة ويتبين أنها واجهة لتبييض أموال (حزب الله)، تغلق الشركة وتفتح أخرى في اليوم نفسه باسم ثان في المكان نفسه والعنوان نفسه». وتقول هذه المصادر إن المصارف اللبنانية تطبق القوانين الدولية بأعلى المعايير، وتشرح أنه كلما تقدم أحدهم طالبا فتح حساب بنكي، تتم مقارنة اسمه بكل اللوائح السوداء المحلية والدولية التي تتضمن أسماء أشخاص أو شركات، والتي «يزيد عددها على مائتي لائحة».
ولكن مصادر أخرى مطلعة تقول إن المصارف اللبنانية «تغض الطرف» عن كثير من الحسابات التي تثير الشك. وتقول إن السبب تحول هؤلاء المشكوك بهم إلى مودعين كبار في وقت تحتاج فيه هذه المصارف إلى الودائع مع تراجع الاستثمارات وسوق العقارات في البلاد.
وتقول هذه المصادر إن «حزب الله» «يرسل شاحنات مخدرات إلى الخارج عبر البر وعبر شبكات موجودة في سوريا والدول المجاورة، وتعود الشاحنات نفسها محملة بالأموال النقدية». وتؤكد هذه المصادر أن كثيرا من المصارف تغض الطرف عن «مصادر» هذه الأموال لحاجتها إلى الودائع النقدية.
ويعترف المصدر المصرفي بأن «المصارف في لبنان لا تأخذ المبادرات، بل تطبق ما يطلب منها بحرفيته في ما يتعلق بعدم التعامل مع الموضوعين على اللوائح السوداء». ويعطي مثلا بأنه إذا حصل شك لدى المصرفي الذي يتلقى ودائع بأن هذه الأموال تم تهريبها من دون المرور عبر الجمارك أو من دون دفع ضرائب، فإن المصرف لا يتحرك ويبلغ الجهات الرسمية المعنية. ويقول: «إذا فعلنا ذلك، فهذا يعني أن جهات نافذة كثيرة ستتأذى».
في هذا الصدد، يقول الصحافي اللبناني فداء عيتاني إن ميزانية «حزب الله» السنوية تفوق 900 مليون دولار، من بينها رواتب لأكثر من مائة ألف شخص، وإن معظم هذا التمويل يأتي من إيران، ولكن الحزب يجمع نسبة كبيرة منه من الزكاة التي يفرضها على مؤيديه في أفريقيا وأوروبا وأميركا، إضافة إلى شبكة تبرعات كبيرة نسجها من مؤيديه في العالم.
وتتحدث المصادر المصرفية عن «تكتيكات» يعتمدها بعض «التجار» في أفريقيا لتهريب الأموال إلى «حزب الله» في لبنان، وتقول إنها تلتف على القوانين الأفريقية التي لا تسمح بإخراج مبالغ كبيرة من البلاد عبر تأسيس شركات «وهمية» في عدة دول في أوروبا ولبنان تجري عبرها التعاملات المالية فيما الخدمات تقدم في الدول الأفريقية.
ولكن الصحافي الشيعي المعارض علي الأمين يعدّ بأنه حتى لو تمكن «حزب الله» من جمع أموال بشكل مستقل عن إيران، «فإن طهران لا يمكن أن تقبل باستقلالية الحزب المادية». ويضيف أن الأموال التي يجمعها الحزب «لا يمكن أن تكون بديلا عن الدعم الإيراني المادي لأنه لا يرتبط بحاجة (حزب الله) للمال فقط، بل بالعلاقة التي تربط إيران بـ(حزب الله)». ويصف الأمين «حزب الله» بأنه «فصيل إيراني موجود في لبنان لا يسمح له بأن يكون مستقلا عن الإدارة الإيرانية حتى في الجهة المالية التي هي أساسية لجهة التبعية لأنها قد تعني تفلتا وخروجا عن السيطرة الإيرانية».
وتقول مصادر مطلعة إن إدارة أموال «حزب الله» الآتية من مصادر خارج إيران تتم أصلا عن طريق «الحرس الثوري» الإيراني وليس بمعزل عنه.

- إيران تعزز وجودها المالي في العراق
وفي العراق ليست الحال بأفضل؛ إذ تتحدث مصادر عدة عن «تغلغل» إيران في النسيج السياسي للعراق. وتقول مصادر متطابقة إن إيران تمول ميليشيات «الحشد الشعبي» من أموال النفط العراقي «الذي تنهبه».
وتؤكد مصادر مقربة من رئاسة الوزراء العراقية أن «الإيرانيين لا يصرفون في العراق من الأموال الإيرانية؛ بل من الأموال العراقية، وهم مسيطرون على وزارات النفط والاستثمار». وتضيف المصادر أن إيران نجحت في التجذر عمقا في العراق والتمدد في كل الوزارات الخدماتية والأمنية.
وتقول مصادر عشائرية إن «مسؤولين عراقيين كبارا متورطين في التعاملات مع إيران». وتتحدث المصادر عن نقل أسلحة إيرانية «متقدمة جدا» تمت تجربتها في العراق وسوريا، عبر المطارات بعد تسهيلات من مسؤولين عراقيين. وتتحدث المصادر عن «نقل أموال بالحقائب الدبلوماسية تستخدم لشراء أسلحة في السوق السوداء من دول أوروبا الشرقية عبر البر».
ويضم «الحشد الشعبي» 66 فصيلا بمجموع 80 ألف مقاتل. وتقول مصادر مطلعة في بغداد إن «44 فصيلا من هؤلاء يتبعون ولاية الفقيه ويرتبطون دينيا بالمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي».
وبالإضافة إلى لبنان والعراق، تدعم إيران نظام الأسد في سوريا منذ سنوات، وتقول مصادر مطلعة إن «الحرس الثوري» يمول حربه في سوريا من «التجارة» هناك. وتتحدث المصادر عن كسب إيران مبالغ من تجارة النفط الذي كانت تستقدمه من أراضي داعش، وتجارة السلاح... وغيرهما.
وفي اليمن لا يختلف الأمر كثيرا؛ حيث مكنت إيران حلفاءها الحوثيين من تنفيذ انقلاب على الدولة بعد تقديم الدعم العسكري والمالي لهم. وأرسلت مستشارين من ميليشيات «حزب الله» لتدريبهم على القتال، إضافة إلى تزويدهم بصواريخ بعيدة المدى يستخدمونها لقصف الأراضي السعودية.

- النفط الإيراني الحل لمواجهة تمويل الإرهاب
كل هذه التحركات الإيرانية غير القانونية «معروفة» للولايات المتحدة التي تعيد العمل بنظام العقوبات الاقتصادية على إيران بعد إعلان الرئيس دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي، كما تؤكد مصادر نفطية رفيعة في واشنطن. ولكن الصعوبة بالنسبة لواشنطن، كما تقول هذه المصادر، هي تتبع خطوات تبييض الأموال بسبب توسع شبكة «الحرس الثوري» الإيراني وامتدادها من آسيا إلى أميركا.
وتقول هذه المصادر إن الطريقة الوحيدة الفعالة لمنع إيران من تمويل جماعاتها هي إضعاف إنتاجها النفطي الذي يعد ركيزة الاقتصاد الإيراني ويدر أكثر من 90 في المائة من الدخل العام. وتضيف هذه المصادر أن العقوبات المباشرة على النفط غير ممكنة بسبب القوانين الدولية، ولكنها تتحدث عن قوانين غير مباشرة مثل ما بدأ يحدث الآن، أي عبر الضغط على الشركات التي تتولى صيانة حقول النفط، وتقول: «اقتصاد النفط بحاجة إلى مليارات الدولارات للحفاظ على البنية التحتية. فالنفط لا يمكن ضخه بسهولة، وإيران لديها أكثر من ألفي بئر نفط يجب أن تتم صيانتها».
وبعد إعلان ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي وإمهاله الشركات الأوروبية العاملة هناك 6 أشهر للانسحاب تحت طائلة تعرضها للعقوبات، انسحبت شركة «توتال» الفرنسية من عقد كانت وقعته لصيانة أكبر حقول النفط في إيران. ويجري الحديث عن إمكانية تسلم شركة صينية للعقد بدلا من «توتال»، ولكن المصادر في واشنطن ترى أن الصين لن تتمكن من تعويض خسائر انسحاب الشركات الأوروبية لأنها لا تتعامل بالدولار الأميركي، مما يضيق السوق والخيارات الاقتصادية بالنسبة لإيران، وترى أن انسحاب «توتال» سيؤثر من دون شك على إنتاج النفط الإيراني.
وتقول المصادر إن إيران بحاجة إلى ما بين 35 و40 مليون دولار لقطاعها العام؛ أي هي بحاجة لتصدير مليوني برميل نفط يوميا لدفع مرتبات موظفيها في الداخل فقط، وتضيف أن أي إنتاج أقل من ذلك يعني تقليص قدرة إيران على تمويل الحروب في المنطقة. وتضيف هذه المصادر أن ذلك سيعني صعوبة في استئناف برنامجها النووي لأنها تدفع مقابل التكنولوجيا والقطع التي تحتاج ما يعادل 6 مرات قيمتها في السوق لأنها تشتريها من السوق السوداء.
وتؤكد هذه المصادر أن دولا أخرى يمكنها أن تعوض عن النفط الإيراني في السوق، مثل الولايات المتحدة التي تمر «بتخمة نفطية»، والمملكة العربية السعودية التي يمكنها ضخ مزيد من النفط عندما ترى حاجة.
وتضيف هذه المصادر الأميركية التي عملت قبل سنوات مع البنتاغون، أنه يمكن لواشنطن أن تمارس ضغوط أيضا على من يشتري النفط الإيراني، وتقول: «عندها يصبح السؤال: كيف يمكن للحرس الثوري أن يمول جماعاته؟ وإذا أرادوا العودة لتخصيب اليورانيوم، فلن يتمكنوا حتى من دفع المرتبات ولا شراء اللازم».

- نشاط إيران المالي تحت مجهر منظمات دولية
وبالإضافة إلى هذه «الخيارات» الأميركية، تتعرض إيران الآن لضغوط كبيرة من منظمة غير معروفة كثيرا ولكنها من أقوى المنظمات العالمية والوحيدة التي تعمل على مكافحة تبييض الأموال المتعلقة بتمويل الإرهاب. هذه المنظمة تدعى «مجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية المتعلقة بغسل الأموال»، أو اختصارا «فاتف»، ومقرها باريس. وقد تم تأسيها عام 1989 بمبادرة من مجموعة الدول السبع بهدف مكافحة تبييض الأموال. وفي عام 2001 بعد اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) تم توسيع مهمتها لتشمل أو تصبح مركزة على مكافحة تبييض الأموال المتعلقة بالإرهاب.
وتصدر هذه المنظمة توصيات على الدول أن تترجمها بقوانين ملزمة لمكافحة تبييض الأموال. والدول التي لا تلتزم أو تعد «غير متعاونة» توضع على لائحة سوداء، وحسب «خطورة» تعاملاتها؛ إما يحذر من التعامل معها، أو توصي المنظمة الدول الأعضاء فيها باتخاذ تدابير مضادة فعالة لإعاقة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ضد الدولة المعنية. ويعد البعض أن تأثير هذه المنظمة على الدول التي تضعها على لائحتها السوداء وتدعو لتدابير مضادة ضدها، قد يكون أقوى حتى من العقوبات الاقتصادية.
ومنذ عام 2012 وإيران على رأس اللائحة السوداء هي وكوريا الشمالية. في عام 2015 بعد الاتفاق النووي مع إيران علقت «فاتف» التدابير المضادة بحقها لمنحها فرصة لإدخال إصلاحات تتعلق بمكافحة غسل الأموال، ولكنها أبقتها على اللائحة السوداء، أي أبقت التوصية بضرورة الحذر في التعاملات مع هذه الدولة.
ومنذ ذلك الحين، ما زالت هذه التدابير المضادة معلقة. وفي الاجتماع الأخير لـ«فاتف» في فبراير (شباط) الماضي، دعت إيران إلى ترجمة تعهداتها أفعالا. وأعلنت أنها ستبقي التدابير المضادة معلقة لتفسح للبرلمان الإيراني، الذي بدأ بمناقشة قوانين تتعلق بغسل الأموال، المجال لتبنيها. وستناقش «فاتف» من جديد قرار إبقاء التدابير معلقة أو إعادتها في اجتماع لها نهاية هذا الشهر.
في فبراير الماضي، طلبت «فاتف» من إيران إدخال قوانين «تجرم تمويل الإرهاب وإزالة الإعفاء لجماعات حددتها إيران بأنها تحاول إنهاء احتلال أجنبي واستعمار»، في إشارة إلى تعريف إيران الجماعات التي تمولها مثل «حزب الله» و«حماس» المصنفتين إرهابيتين. ومن بين ما دعت إيران إلى تحقيقه قبل اجتماعها المقبل نهاية هذا الشهر، «تجميد أصول تابعة لإرهابيين بحسب قرارات مجلس الأمن»، وتقديم «إثباتات على كيفية تحديد السلطات للتحويلات المالية غير القانونية والتأكد من أن التحويلات تتضمن المعلومات المطلوبة حول متلقي الأموال وأسباب التحويلة».
ورغم وجود «الإرادة» السياسية لدى حكومة حسن روحاني في إيران لإدخال تعديلات على قوانينها المتعلقة بتبييض الأموال، فإن عوائق أساسية تقف أمام ذلك... الأول أن قرار تمويل الجماعات الإرهابية بيد «الحرس الثوري» الإيراني وليس الرئيس أو الحكومة، مما يجعل أي قرار أو التزام يصدر عن الأخيرين، لا معني له. الثاني أن تعريف الجماعات الإرهابية بالنسبة للطرفين، أي إيران و«فاتف»، مختلف تماما، مما يعني أنه لا أساس أصلا للاتفاق على تطبيق أي إصلاحات في هذا المجال.
وقبل اجتماع «فاتف» في فبراير الماضي، وجه مجموعة من النواب والدبلوماسيين الأميركيين رسالة إلى «فاتف» طلبوا إليها إعادة التدابير المضادة بحق إيران. وكان من بين الموقعين على الوثيقة جون بولتون الذي عين بعد أشهر من ذلك مستشارا للرئيس الأميركي. وفي الرسالة التي وقعها أيضا السيناتور جوزيف ليبرمان وجيب بوش ودنيس روس الذي عمل مستشارا للرئيس السابق باراك أوباما، قال هؤلاء إن «الحرس الثوري الإيراني المصنف منظمة إرهابية والذي مكن نظام الأسد من قصف آلاف المدنيين الأبرياء بالبراميل المتفجرة، سيتلقى تمويلا إضافيا يبلغ 8 مليارات دولار بحسب الميزانية المقترحة من الحكومة الإيرانية للعام المقبل». وتابعت الرسالة تقول إن إيران زادت أيضا من تمويلها لـ«حزب الله» المصنف أيضا منظمة إرهابية، واستندت إلى تحقيق نشرته صحيفة «فايننشيال تايمز» يقول إن إيران «دفعت ما يوازي 853 مليون دولار أميركي لعشرات المؤسسات التي تروج لآيديولوجية الولي الفقيه»، في زيادة تبلغ 9 في المائة عن العام السابق. وأضافت أن اثنتين من هذه المنظمات تمول «حزب الله». وتابعت الرسالة أن الحزب يتلقى أيضا مخصصات مالية مباشرة من ميزانية خامنئي الخاصة التي هي خارج ميزانية الدولة ولا تخضع لأي مراقبة أو محاسبة».
وقبل الاجتماع المقبل، يتوقع متخصصون في الشؤون الإيرانية ضغوطا أميركية إضافية على «فاتف» لإعادة العمل بالتدابير المضادة. ويقول علي فائز، مدير «برنامج إيران» في «المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات» في واشنطن إن «الولايات المتحدة ستسعى بالتأكيد إلى دفع (فاتف) لإعادة التدابير المضادة، لكي تزيد تأثير العقوبات التي أعادت فرضها على إيران». ولكن فائز توقع أن تتخذ إيران تدابير إضافية مطلوبة من «فاتف» قبل الاجتماع المقبل كي تتمكن من الحصول على وقت إضافي، وقال: «(فاتف) أعطت دولا مثل البوسنة وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية 3 سنوات لتطبيق المعايير المطلوبة، ولذلك عليها منح إيران فترة إضافية».
وترى آنا برادشو، مستشارة قانونية في لندن متخصصة في قضايا مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، أنه «في حال أعادت (فاتف) إيران إلى اللائحة السوداء، فإن هذا يضع في خطر أي محاولات لإبقاء الأعمال الأوروبية في إيران، لأنها قد تعد مناقضة أو تقلل من شأن التزام الأوروبيين بمعايير (فاتف) ومكافحة تبييض الأموال». وتضيف أن الأوروبيين يبحثون تقديم ضمانات لإيران للبقاء في الاتفاق النووي تتعلق بقروض أو تحويلات من البنك المركزي الأوروبي إلى طهران، ولكن هذا الحل تقول برادشو «قد لا يكون ممكنا إذا قررت (فاتف) إعادة إيران للائحة السوداء».
ويرى فائز أن إعادة «فاتف» التدابير المضادة بحق إيران يعني أن محاولة الأوروبيين إنقاذ الاتفاق النووي ستصبح في مهب الريح.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.