حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال

قصة «أسود الأطلسي» في مونديال المكسيك 1986

حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال
TT

حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال

حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال

جوزيه فاريا عادة ما كان يغوص بقدميه في البلاط الخاص بغرفته في مجمع برشيد قرب الدار البيضاء ، حيث مقر معسكر المنتخبات المغربية بمختلف الألعاب الرياضية، فاريا كان يغسل هموم يومه بمحاكاة حركة قدميه في رمال شواطيء ريو دي جانيرو، محاكياً وضع رأسه على كتف زوجته الأولى، مشاهداً ابنه الوحيد وهو يجرب شعور الجنوح في المحيط دون أن تلمس قدماه الأرض أن يكون بلا أطواق تساعده على الطفو ، أو شباك أمان تلتقطه في أوقات الأزمة ”.
الذهاب مساء إلى ملعب ماراكانا ملاحقاً نادي فلومنينزي ، كل بقايا روائح الستينات القادمة من الطرف الآخر للأطلنطي.
السلسلة الذهبية المتدلية من رقبته العارية العامرة بشقوق في الجلد، بقايا حروق الشمس على الكتفين، الأنفاس المتقطعة التي تليق برجل في مطلع الخمسينيات من عمره هي التي تفيقه من أحلام اليقظة، وتذكره بأنه يقبع في واحدة من ضواحي كازابلانكا، متزوج من سعيدة ، واسمه الآن أصبح المهدي، عائد لتوه من لعب الجولف مع الملك الحسن الثاني في دعوة شبه أسبوعية، خوسيه بدا وكأنه سندباد كروي يعيش تبعات منتصف العمر، حطت رحاله بعد الرحيل عن ريو جي جانيرو والدوحة في محطة نهائية مغربية.
إنها اللحظة التي اكتشف فيها المهدي طبيعة محطته النهائية ، لم يفهم الكثير من تفاصيل الفيلم المصري الذي يتحدث عنه الجميع في المنتخب المغربي خلال الأسابيع الأخيرة، ذلك الرجل القادم من المدينة الذي حل ضيفاً لأيام قليلة على أهل بلدة صغيرة من أجل إنهاء إجراءات ميراث قانونية، ليجد نفسه ذلك الرجل متورطاً مع كل يوم يقضيه في شئون البلدة، حتى عثر على جنته الخاصة وسط حقول البرتقال المتناثرة كحباتها الناضرة على العشب دون ترتيب.
قادماً من عمله المضمون في قطر كان الحضور إلى المغرب فيما بدا وكأنها رحلة عمل قصيرة كمدير فني للجيش الملكي عنوانها الرئيسي هو مزيد من التأمين المادي أصبح حالة ارتباط لا يمكن تفسيرها ، للمرة الأولى لم يشعر ”خوسيه“ أنه مجرد رقم في الموضة البرازيلية الرائجة في الخليج إلى جانب كارلوس ألبرتو بيريرا وإيفرستو وتيلي سانتانا، ليصبح المدرب البرازيلي المعادل الكروي للفيلم المصري ”خرج ولم يعد“، ”خوسيه“ تورط بلقب مزدوج للدوري والكأس المحليين مع الجيش الملكي ، ثم ميدالية ذهبية مع المنتخب في ألعاب البحر المتوسط ١٩٨٣، ثم تأهل لألعاب لوس أنجيليس في العام التالي، ثم أول لقب قاري لنادي مغربي على الإطلاق في العالم الذي يليه.
وكان كل شيء يتعلق برحلة فاريا في المغرب يتعلق ب“اللحظة“، اللحظة التي حط فيها قدمه في كازابلانكا في وقت يبحث فيه ملك البلاد عن مدير فني برازيلي يمكنه أن يعوض الجمهور عن إحباطات ما بعد نشوة الفوز ببطولة كأس الأمم ١٩٧٦، لحظة اصطياد جيل يملكه النهم، تربى على مشاهدة أحمد فراس تلفزيونياً في مونديال ١٩٧٠ في المكسيك، جيل كرة ”الحومة“، جيل التمرس في شوارع الأحياء القديمة في السبعينات، لم تكن الصدفة فقط هي التي جمعت بين مراوغات عزيز أبو دربالة في حي الضبعة البيضاوي ، أو خليفة العابد في القنيطرة، أو مغامرات بادو الزاكي في سيدي قاسم أو مشاغبات محمد التيمومي في العاصمة الرباط.
”اللحظة“ طالما كانت القاسم المشترك في حياة فاريا وجيل الثمانينات كله في المغرب ، إنها اللحظة بين إهدار اللاعب المصري لركلة جزاء في الدور الثالث من التصفيات الأفريقية للمكسيك ٨٦ ، في قلب الدار البيضاء ، والتي كانت كفيلة بإنهاء الرحلة في مهدها ، وبين هدف محمد التيمومي بعدها ب٣٠ ثانية.
هي نفسها ”اللحظة“ المغربية التي حسمت النتيجة في الخمس دقائق الأخيرة من مباراة التأهل في الدور التالي أمام ليبيا، بثنائية من التيمومي وبودربالة ، هي نفسها ”اللحظة“ التي أهدت البديل عبد الرازق خيري هدفين متتالين في المونديال أمام البرتغال ، إنها ”اللحظة“ التي رسم فيها الزاكي لوحته الخاصة بإنقاذ إعجازي أمام الأسطورة الألمانية كارل هاينتس رومينيجه في مباراة الدور الثاني، هي نفسها ”اللحظة“ التي قرر فيها المدافع نور الدين البويحياوي بتردده أن يخرج من حائط الصد المغربي في الدقيقة الأخيرة، متيحاً الفرصة للوثار ماتيوس أن يسجل هدف الحسم الألماني منهياً المغامرة بأكملها.
كل تلك ”اللحظات“ المغربية هي الواجهة لعقد كامل من محاولات الإخفاق والنجاح في الكرة المغربية، بين مناخ محلي مازال يبحث عن هويته، وبين الرغبة في الهجرة والاحتراف أوروبياً، رحلة فاريا في المغرب هي رحلة التوازن بين ألمعية عبد المجيد الضلمي كأسطورة محلية بيضاوية، وبين تجربة ”كريمو“ في باستيا كنجم للفريق الفرنسي المغمور وصيف بطولة كأس الإتحاد الأوروبي ١٩٧٧، والرحالة في البطولة الفرنسية لقرابة عقد كامل.
كل شيء في منتخب فاريا يتعلق بتلك الرحلة للبحث عن النضج، إيجاد تلك النقطة بين رومانسية التوانسة في مونديال ١٩٧٨، وبين اندفاعية الجزائريين في ١٩٨٢، إنجاز ”المهدي“ الحقيقي هو تصميمه لذلك ”الكاتالوج“ الذي قد تستعين به الفرق التي تم تلقيبها بأنها ”صغيرة“ لدى خوضها المناسبات الكبرى. لا يمكنك فقط التأهل عن مجموعة يشاركك فيها إنجلترا وبولندا والبرتغال ، بل يمكنك تصدرها. لا يمكنك فقط تطبيق مباراة فائقة تكتيكياً تفرض فيها إيقاعك الخاص على مدرب مثل الإنجليزي بوبي روبسون أو الألماني فرانز بيكنباور ، بل أيضاً يمكنك أن تصبح واحدا من أفضل الدفاعات في البطولة ، لا يمكنك فقط اقناع الفرق العربية والأفريقية بلعب طريقة ٤- ٤- ٢ بشكل حرفي، بل يمكن صناعة تنويعات هجومية بالغة الذكاء ، كما كان الحال في مباراة البرتغال في وقت كان مازال فيه الإيطالي أريجو ساكي يطور نفس الفلسفة التي اشتهر بها برفقة نادي بارما.
منتخب فاريا ينضح طوال الوقت بما يسمى بالنماذج المبدئية أو ”البروتوتايب“ ، كنوافذ على تطبيقات مستقبلية ، ليس فقط في تنويعات طريقة ٤ - ٤- ٢ ، ولكن أيضاً على المستوى الفردي أيضاً ، الضلمي في وسط الملعب كان يعطي للجميع فكرة عما يمكن أن يفعله رقم ٦ ، وكأنه تقديم عملي لسيرخيو بوسكيتس ، بجانبه مصطفى الحداوي في أدوار يمكن التعرف عليها من خلال أسماء مثل ريدوندو ، عبد المجيد لامريس وخلفية العابد بإنطلاقات الظهيرين النموذجية تعطي فكرة عما سيقدمه لاحقاً فينسنت كانديلا أو كريستاينو بانوتشي في روما ، عزيز بو دربالة كان أشبه بنبوءة عما سيقدمه بعدها بعقد كامل نجم مثل الفرنسي يوري ديوركاييف ، التيومومي كيدنامو لربط الوسط بالهجوم في الثلث الأخير من الملعب سيعطيك نبذة عن لمحات ريفالدو في التسعينات ، حتى بادو الزاكي في حراسة المرمى كان التفسير المثالي لمن في مركزه للقياد بدور ليبرو الفريق خلف رباعي الدفاع ، وتحديداً ثنائي القلب مصطفى البياز والبويحياوي.

ربما كان فوز تونس على المكسيك في ٧٨ هو الأول عربياً وأفريقياً في المونديال ، وربما كان تغلب الجزائر على ألمانيا في ٨٢ هو الأكثر مباغتةً ، إلا أن فوز المغرب على البرتغال في ٨٦ هو الأكثر أهمية ، ليس فقط لأنه كان قد تأهل على المحك مع منافس مباشر على الصدارة ، ولكن للطريقة التي أجهز بها المغاربة على حظوظ منافسيهم ، في عرض هجومي مباغت مغاير تماماً للتحفظ الدفاعي السابق أمام إنجلترا وبولندا ، يكفي تأمل الطريقة التي انتقل بها المغاربة من الدفاع إلى الهجوم في أقل من أربع تمريرات، من اليمين إلى اليسار في سرعة تثير الدوار ، خاصة في الهدف الثاني من خيري ، ثم ذلك الصبر الذي رافق الهدف الثالث لكريمو ، بعد ١٠ لمسات متتالية ضاعفت من دوار البرتغاليين ، وكانها إعادة إنتاج لهدف البرازيل في إيطاليا على نفس الأراضي المكسيكية بنهائي ١٩٧٠.
الأمر لا يتعلق بالمعجزات بالنسبة للمهدي فاريا في المغرب، إنها أقرب لتجربة عمل أفضت إلى واحدة من أعمق العلاقات الإنسانية التي عرفتها كرة القدم الأفريقية والعربية خلال العقود الأربعة الماضية، حتى مع ترهل الجسم ، ثقل الحركة ، بطء ردود الفعل ، البقاء وحيداً في غرفة بشقة الابن يوسف ، فواتير مثقلة بالديون ، مازالت السلسلة الذهبية على صدر حافل بالتجاعيد ، ، مقرراً البقاء حتى اللحظة الأخيرة على الجانب الأخر من أمواج الأطلنطي ، على الجانب الأخر من مدينته في ”الوطن“ ، قدوم ”المهدي“ إلى المغرب لم يكن منتظراً والإخفاق في السنوات التالية لمونديال المكسيك لم يكن متوقعاً ، الرحيل في عام ٢٠١٣ لم يكن صاخباً ، ولكن في كل موقع من مواقع مجمع مولاي برشيد ، أو ملاكب محمد الخامس بالدار البيضاء يمكن أن يشم أي محب لكرة القدم المغربية رائحة هي الأكثر غياباً عن المنتخبات الوطنية المغربية منذ استقبال هدف ماتيوس في الدقيقة الأخيرة ، ليس فقط رائحة النجاح ، ولكنه المغلف أيضاً بالثقة ، وكأن ”المهدي“ رغب فقط في المجيء إلى المغرب لإرشاد أصحاب البلد إلى الطريق قبل الاختفاء مجدداً.


مقالات ذات صلة

أنشيلوتي يراهن على الشباب في قائمة البرازيل لمواجهتي اليابان وسنغافورة

رياضة عالمية الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب المنتخب البرازيلي (رويترز)

أنشيلوتي يراهن على الشباب في قائمة البرازيل لمواجهتي اليابان وسنغافورة

واصل الإيطالي كارلو أنشيلوتي، مدرب المنتخب البرازيلي لكرة القدم، سياسة تجديد دماء الفريق.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
رياضة عالمية الخطوة تمثل تطوراً لافتاً في عملية اختيار الملاعب (د.ب.أ)

مونديال 2030: مدينتان إسبانيتان خارج الترشيح الرسمي تحت مجهر «فيفا»

كشف تقرير إسباني عن أن الاتحاد الدولي لكرة القدم سيدرج مدينتي فالنسيا وفيغو الإسبانيتين ضمن جولاته التفقدية المرتقبة للمدن المرشحة لاستضافة مباريات مونديال 2030

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية تاكيشي أوكادا(الاتحاد الآسيوي)

استقالة مسؤول في الاتحاد الياباني بسبب مواقف الاتحاد الآسيوي لكرة القدم

استقال نائب رئيس الاتحاد الياباني لكرة القدم تاكيشي أوكادا الأربعاء، معتبرا أن «سلسلة المواقف» المتصلة بالجدل المحيط بكأس العالم لا تنسجم مع قناعاته الشخصية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
رياضة عالمية الإنجليزي هاري كين يتوّج بالكرة الذهبية 2026 (أ.ف.ب)

هاري كين يحرز جائزة الكرة الذهبية لعام 2026

تُوّج مهاجم بايرن ميونيخ الألماني، الإنجليزي هاري كين، بجائزة الكرة الذهبية لعام 2026، خلال الحفل الذي أقيم الاثنين في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية لويس دي لا فوينتي المدير الفني لمنتخب إسبانيا يرفع جائزة أفضل مدرب في العالم (أ.ب)

«الكرة الذهبية»: سيطرة إسبانية متواصلة... دي لا فوينتي أفضل مدرب وسيمون أفضل حارس

توّج لويس دي لا فوينتي، المدير الفني لمنتخب إسبانيا، بجائزة أفضل مدرب لفريق كرة قدم للرجال في العالم لهذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

القادسية يقسو على الرياض بسداسية ويعزز صدارته للدوري السعودي

رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
TT

القادسية يقسو على الرياض بسداسية ويعزز صدارته للدوري السعودي

رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)

قسا القادسية على مضيفه الرياض بسداسية نظيفة في المواجهة التي جمعتهما ضمن الجولة الـ12 من الدوري السعودي للمحترفين.

وأحرز الهولندي تيجاني رايندرز هدف التقدم في الدقيقة 18، ثم أضاف عبد الله آل سالم هدفاً ثانياً في الدقيقة 37، وعاد رايندرز ليضيف الثالث ويعزز تقدم القادسية في الدقيقة 56.

وأضاف الفرنسي البديل محمدو سانغاري هدفاً رابعاً للضيوف في الدقيقة 67، بعد 3 دقائق فقط من مشاركته بديلاً على حساب آل سالم.

وأوضح المكسيكي خوليان كينيونيس الهدف الخامس في الدقيقة 87، قبل أن يعزز رايندرز التقدم ويكمل السداسية في الدقيقة 89 ليكمل الانتصار العريض، ويسجل «هاتريك».

واعتلى القادسية صدارة الترتيب مؤقتاً برصيد 28 نقطة من 12 مباراة، بفارق الأهداف عن النصر الوصيف وحامل اللقب، الذي لعب 11 مباراة، بينما يأتي الهلال ثالثاً بـ27 نقطة ولعب 10 مباريات فقط.

وبخسارته اليوم تجمد رصيد الرياض عند 12 نقطة في المركز الحادي عشر.


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.