نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول

ما تبقى من تجربة دانييل أورتيغا «الثورية» أمام الامتحان الأصعب

نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول
TT

نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول

نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول

ثمّة بلدان تبدو محكومة بقَدَر الطغاة. يتعاقبون عليها فصولاً من القهر والعذاب. يأكلون من لحم أبنائها، ويطردون الأحلام من أهدابهم كلّما أطلّت مواسم التغيير والآمال. نيكاراغوا من هذه البلدان، التي ما إن تطوي مأساة حتى تبدأ بالاستعداد لمواجهة أخرى. تهدر فيها الفرص والطاقات، وتحرق الوعود المؤجلة باستمرار.
خلال زيارتي الأولى إلى نيكاراغوا بعد انتصار «الثورة الساندينية» عاينت بلداً من أجمل بلدان القارة الأميركية، وشاهدت كيف كانت عائلة الطاغية أناستاسيو سوموزا تمارس الحكم بوحشية لا نظير لها، وتتصرّف كما لو أنها تملك البلد بأكمله، لا رقيب أو حسيب. على فظائعها مطمئنة إلى دعم الولايات المتحدة التي كانت يومها تعتبر أميركا اللاتينية بأسرها «حديقتها الخلفية»، لها فيها الربط والحلّ.
كان مستحيلاً ألا تتفجر ثورة في كل شبر من تلك الأرض المعذّبة. كانت مسألة وقت، إلى أن قامت مجموعة من الشبان الجامعيين والمزارعين بتأسيس «الجبهة الساندينية للتحرير الوطني» عام 1961، مستلهمة نضال الجنرال أوغوستو ساندينو، الذي تمكّن على رأس مجموعة من الثوّار من طرد القوات الأميركية التي كانت تحتل نيكاراغوا عام 1934. لكن واشنطن كانت قد عمدت قبل سحب قواتها إلى تشكيل قوة عسكرية عالية الدربة هي «الحرس الوطني»، وعيّنت قائداً لها الجنرال سوموزا، الذي كان اغتيال ساندينو أولى العمليات التي نفذها بعدما تسلّم مهامه.
طويلة ومكلفة كانت حرب العصابات التي شنتها «الجبهة الساندينية» من الأرياف في نيكاراغوا، ضد نظام الطاغية السابق أناستاسيو سوموزا. وفي نهاية المطاف، اضطر سوموزا للهرب من العاصمة صيف عام 1979، ليدخلها ثوار «الجبهة»، وعلى رأسهم «الكوماندانتي» دانييل أورتيغا، الذي كان سوموزا قد أفرج عنه قبل سنوات، في أعقاب اعتقاله إثر محاولة للسطو على أحد المصارف مع مجموعة من الثوار. ومن ثم، جرت مقايضة أورتيغا وعدد من رفاقه مقابل إفراج «الجبهة الساندينية» عن مسؤولين كبار احتجزتهم، بعدما اقتحمت إحدى مجموعاتها المسلحة منزل حاكم البنك المركزي، الذي كان يستضيف السفير الأميركي وشقيق سوموزا.
ترأس أورتيغا «حكومة الإعمار الوطني» التي تشكلت في نيكاراغوا بعد سقوط سوموزا، وتولّى شقيقه أومبرتو قيادة القوات المسلحة حتى إجراء الانتخابات الأولى عام 1984. في هذه الانتخابات فاز دانييل أورتيغا ليصبح أول رئيس للجمهورية، ويعلن قيام نظام اشتراكي ماركسي – لينيني، كان يتلقّى الدعم الفني والعسكري من كوبا، ومساعدات مالية سخيّة من ليبيا التي منحته «وسام القذافي الدولي لحقوق الإنسان»!.
إلا أن سياسات الاقتصاد الموجه التي انتهجها أورتيغا، وعملية الحصار الخانق الذي فرضته عليه واشنطن كالذي كان مفروضاً على كوبا، أدّت إلى أزمة اجتماعية ومعيشية خطيرة، تصاعدت معها الضغوط الإقليمية والدولية عليه، إلى أن أُجبر على الدعوة إلى إجراء انتخابات عام 1990. في هذه الانتخابات فازت قوى المعارضة بقيادة رفيقته السابقة في «الجبهة» فيوليتا تشامورو، التي كانت قد انشقت عنه مع نائبه سيرجيو راميريث، الكاتب المعروف الذي فاز بجائزة ثرفانتيس العام الماضي.
- أورتيغا: المنعطف الكبير
تلك الهزيمة في الانتخابات كانت المنعطف الذي بدأت عنده مرحلة التحوّل الشخصي والسياسي الأعمق والأغرب عند أورتيغا، ومعها رحلة الابتعاد عن الجذور والانتماءات الآيديولوجية الأولى.
إذ راح الزعيم الثوري ينأى عن دائرة التأثير الكوبي، وينسج علاقات مع مراكز النفوذ المالي والاقتصادي والحركات الدينية المحافظة. كذلك قرر الاستعاضة عن نشيد «الجبهة الساندينية» بسيمفونية بيتهوفن التاسعة. ثم عاد ليفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2006، ويعيّن رفيقته آنذاك وزوجته حالياً، روزاريو موريّو نائباً له، بعدما كان معظم رفاق دربه قد انشقّوا عنه أو انضموا إلى المعارضة.
وعندما فاز مجدداً في انتخابات عام 2011، كان أورتيغا قد رسّخ أسس نظام حكم ديكتاتوري يمسك فيه بمقاليد القرار السياسي والعسكري والمالي، ملغياً هامش المناورة وقنوات الحوار مع الخصوم والمعارضة، ومصرّاً على قمع الاحتجاجات أيا كانت مصادرها أو دوافعها.
أخذ يتجاهل كل الانتقادات التي تستهدف أسلوب حكمه التوتاليتاري، والقمع الذي تمارسه أجهزة الأمن التابعة له مباشرة في حق المعارضين، والثروة الطائلة التي جمعتها أسرته، والفساد المستشري حوله، والتهم التي وجهتها ضده مؤسسات دولية بالتعامل مع المنظمات الإجرامية لتهريب المخدرات، مثل «كارتل» بابلو أسكوبار الكولومبي، لتمويل حزبه وأعوانه. ورغم التحذيرات والنصائح التي وجهتها لأورتيغا جهات إقليمية ودولية عدة، إزاء تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية، وارتفاع مستوى الفقر ومنسوب الاستياء الشعبي، فإنه ترشّح للانتخابات مرة أخرى عام 2016، وفاز بنسبة 75 في المائة من الأصوات، ما أثار موجة عارمة من الاحتجاجات أخمدها بيد من حديد بسرعة قياسية.
- مفتاح ما يجري اليوم
هذه الوقائع التاريخية التي تعاقبت منذ سنوات في مسرى دانييل أورتيغا السياسي والشخصي، هي المفتاح الوحيد لقراءة ما يحصل اليوم في نيكاراغوا، ويهدد بإغراقها مجددا في حمام آخر من الدم والدمار.
يوم 18 أبريل (نيسان) الماضي، أصدر أورتيغا مرسوماً رئاسياً بتعديل نظام الضمان الاجتماعي؛ بحيث يخدم مصالح أصحاب العمل، ويحرم الطبقات الفقيرة والفلاحين والطلاب من تعويضات مالية وخدمات أساسية باهظة التكاليف في القطاع الخاص. تلك كانت الشرارة التي أشعلت النار في هشيم الأوضاع المتأزمة من سنوات، فانطلقت مظاهرات حاشدة في معظم أنحاء البلاد، يتقدمها الطلاب والفلاحون مطالبين بإلغاء المرسوم الذي لم يناقش في البرلمان، وباستقالة أورتيغا، والدعوة إلى إجراء انتخابات حرة بمراقبة دولية.
لم يستطع أورتيغا أن يتحمّل مشهد المظاهرات الحاشدة التي تطالبه بالاستقالة في كل أنحاء البلاد، والتي عادت به سنوات إلى الوراء، عندما كان يتزعّم الاحتجاجات ضد نظام سوموزا، فأمر قواته بقمعها من غير رحمة. وأدى القمع الدامي إلى سقوط أكثر من 80 قتيلاً خلال الأيام الثلاثة الأولى، معظمهم من الشباب الذين أصيبوا بطلقات نارية في رؤوسهم أو صدورهم.
الشهود الذين عاينوا عمليات القمع أصيبوا بالهلع إزاء تلك المشاهد التي استحضرت عهد سوموزا، بينما سارعت الكنيسة الكاثوليكية النافذة في نيكاراغوا إلى مطالبة أورتيغا «بسحب قواته فوراً من الشوارع، ووقف أعمال القتل والاعتقال العشوائي» كشرط أوّلي لبدء الحوار مع القطاعات المحتجة.
- تفاوض تحت الضغط
وبعد ثلاثة أسابيع من المماطلة والتسويف والمراهنة على تراجع حدة الاحتجاجات التي لم تهدأ، أعلن أورتيغا أنه مستعد «للتفاوض من أجل التوصل إلى مخرج من الأزمة السياسية» التي بدأت تضرب الاقتصاد الضعيف. إذ قدّر البنك المركزي أن الخسائر التي نجمت عن الاضطرابات بلغت 350 مليون دولار، وأن ودائع بمقدار 300 مليون دولار قد سُحبت من المصارف في الأسابيع الثلاثة الماضية. هذا، وكان الفلاحون والمنظمات الطلابية قد قطعوا معظم الطرقات الريفية المؤدية إلى العاصمة التي ما زالت شبه معزولة عن بقية المناطق. وطالبت الكنيسة أورتيغا بالإسراع في الإقدام على خطوات إصلاحية توسّع إطار الحريات والديمقراطية.
أما رئيس اتحاد المنتجين والمزارعين، فهو يرى أن المفاوضات لا بد أن تؤدي إلى «تنحّي أورتيغا أو استقالته، وتشكيل حكومة جديدة تعيد النظام والاستقرار، وتدعو إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة». وهدّد، في حال فشل المفاوضات، بشل الحركة الإنتاجية في البلاد، والدعوة إلى «إضراب عام مفتوح إلى أن تسقط الحكومة».
في المقابل، توقّف المراقبون باستغراب عند التصريحات الأخيرة التي صدرت عن أورتيغا، عندما قال إن حكومته تسعى إلى الحوار والسلام، مشيراً إلى المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي أخيراً، وذهب ضحيتها عشرات القتلى من الفلسطينيين في غزة. إلا أنه لم يتطرّق إلى عشرات القتلى الذين سقطوا في نيكاراغوا برصاص قوات الأمن والقناصة، والجماعات شبه العسكرية الموالية له في الأسابيع الأخيرة، بل سقط أمس فقط أكثر من 100 قتيل.
- الغالبية مع رحيله
وفق استطلاع للرأي نُشر أخيراً، أفاد الاستطلاع بأن 70 في المائة من المواطنين يؤيدون رحيل أورتيغا، نصفهم من «الساندينيين» الذين يعتبرون أنه قد خان مبادئ الثورة، وأنه يدفع بالبلاد نحو وضع مشابه لوضع فنزويلا.
ومن جانب آخر، يحذّر مراقبون دبلوماسيون في العاصمة ماناغوا، من أن الجنوح الديكتاتوري في مسار أورتيغا، وسيطرته الكاملة على أجهزة الأمن والقوات المسلحة، من العوامل التي قد تدفعه إلى تصعيد القمع، إذا ما شعر بأن استمراره في الحكم بات مهدداً، ومن ثم، يفتح أبواب الأزمة على مصاريعها وأسوأ احتمالاتها.
واللافت أن أورتيغا يتنقّل منذ بضع سنوات في سيارة فاخرة مصفّحة، بعكس ماضيه الثوري، عندما رافقه كاتب هذه السطور في إحدى جولاته الانتخابية بالمناطق الريفية على صهوة حصان، ويصافح مؤيديه من غير حراسة.
كل المراقبين الذين يتابعون عن كثب تطورات الأزمة في نيكاراغوا، يجدون صعوبة في تحديد التوقعات بشأن الخطوات التي يمكن أن يُقدم عليها أورتيغا، الذي تنقّل بسهولة وبراعة - ونجاح حتى الآن - في كل السيناريوهات السياسية الممكنة. ثمّة من يرجّح نزوعه إلى استخدام مزيد من العنف لقمع الاحتجاجات، مراهناً على تراجع حدتها مع مرور الوقت، والإنهاك الطبيعي للمشاركين فيها. ولقد تعرّضت مظاهرة سلمية حاشدة لأمهات الذين سقطوا في احتجاجات الأسابيع الماضية، كانت تجوب الوسط التجاري في العاصمة يوم الأربعاء المنصرم، إلى قمع وحشي على يد أجهزة الأمن ورصاص القناصة، بينما كان الرئيس يعلن من مقر قيادة القوات المسلحة: «نيكاراغوا لنا جميعاً، وفيها سيبقى جميعنا»، في رد مباشر على المطالبين برحيله. إلا أن آخرين يرون أنه إذا ما أحسن قراءة الأحداث، وأصاب في تقدير تفاعلاتها - انطلاقاً من تجربته الخاصة - سيخلص حتماً إلى أن أيامه ستكون معدودة، ما لم يسارع إلى تقديم تنازلات وإجراء إصلاحات جذرية في نظامه.
- عنصر الشباب
صحيح أن السواد الأعظم من الذين يخرجون إلى الساحات في المظاهرات الحاشدة ويسقطون برصاص قوات الأمن، هم من الشباب الذين لم يعرفوا عن «الثورة الساندينية» سوى القليل مما سمعوا أو قرأوا عنها. غير أن الثورة هي في الحامض النووي للنيكاراغويين الذين يعرفون أنها قامت قبل أي شيء لأسباب أخلاقية، ضد طاغية أمعن لسنوات طويلة في قتل الشباب المعارضين الذين كانت أجسادهم تُرمى في حفرٍ مكشوفة عند أرباض العاصمة، حيث كانت الأمهات يتهافتن كل صباح بحثاً عن المفقودين من أولادهن.
بعض الشعارات التي يرفعها المتظاهرون العُزل اليوم في وجه قوات الأمن، تكفي لإعطاء فكرة عن تصميم «أحفاد» الثورة، على إسقاط الذي قادها وأصبح اليوم أكبر خائنيها.
أحد الذين سقطوا في اليوم الأول من الاحتجاجات كان قد كتب على قميصه «أخذوا منّا كل شيء، بما في ذلك الخوف»... بينما كانت شابة حامل تتقدم إحدى المظاهرات في ماناغوا، وعلى بطنها الجملة التالية: «... فلتستسلم أمّك؛ لأن أمي لن تستسلم».
- أضواء على نيكاراغوا... وبطلها القومي ساندينو
> تقع نيكاراغوا في أميركا الوسطى، بوسط البرزخ الذي يفصل بين المحيط الهادي والبحر الكاريبي. وتمتّد على مساحة 130 ألف كيلومتر مربع فوق أرض بركانية استوائية المناخ، تهطل عليها الأمطار الغزيرة بانتظام كل ظهيرة، لتروي حقول البنّ الذي يشكّل عماد الاقتصاد (65 في المائة من الصادرات)، وتغذّي بحيرة كوثيبولكا... أكبر خزّان للمياه العذبة في عموم أميركا الوسطى.
لا يختلف تاريخ نيكاراغوا كثيراً عن تاريخ شقيقاتها في الأميركتين الجنوبية والوسطى، من حيث حقبة الاستعمار الإسباني، وحروب التحرير الوطنية، والنفوذ الواسع للولايات المتحدة في شؤونها السياسية والاقتصادية. إذ نزل فيها المستعمرون الإسبان مطالع القرن السادس عشر الميلادي، وأتبعوها مباشرة بالإدارة المركزية للإمبراطورية حتى أواسط القرن التاسع عشر، لتغدو بعد ذلك إحدى المقاطعات الملحقة بالإمبراطورية المكسيكية الأولى، بموجب مقايضة بين المكسيك وإسبانيا.
بعد هزيمة المكسيك في حربها ضد الولايات المتحدة، نالت نيكاراغوا استقلالها عام 1838، ودخلت في دوّامة طويلة من الاضطرابات السياسية والعنف الأهلي بين المحافظين والليبراليين. ومهّدت هذه الدوّامة لتمدّد نفوذ واشنطن الذي استمرّ حتى ظهور البطل القومي أوغوستو ساندينو، الذي تمكّن بعد حرب عصابات طويلة، من طرد القوات الأميركية نهائياً عام 1933، ليترك بصماته على كل الأحداث التي تعاقبت على نيكاراغوا إلى اليوم.
- ساندينو... البطل التاريخي
وُلد أوغوستو سيزار ساندينو في بلدة نيكينومو عام 1895، وكان ابناً غير شرعي لأحد مزارعي البن الأثرياء وخادمة كانت تعمل في منزله. هجرته أمه وهو بعد في التاسعة، فذهب ليعيش في كنف جدته، ثم عاد إلى مزرعة والده، حيث اضطر للعمل في حقول البن مقابل قوته ومسكنه. ولقد جاء في سيرته أن الحادثة التي غيّرت مجرى حياته - لشدة تأثيرها فيه - كانت عندما شاهد جثة قائد القوات المتمردة على النظام الذي كانت تدعمه واشنطن، ممددة على عربة يجرّها ثوران، ويواكبها عدد من المزارعين الحفاة، في الطريق إلى دفنه في مسقط رأسه.
عام 1921 اضطر ساندينو للهرب من نيكاراغوا بعد إطلاقه النار على أحد وجهاء بلدته، كان قد عيّره بوالدته. وراح من ثم يتنقّل من هندوراس إلى غواتيمالا والمكسيك، حيث عمل في حقول النفط ومزارع الموز وقصب السكّر. وفي المكسيك - بالذات - نضجت أفكاره السياسية المناهضة للإمبريالية، وعاد إلى نيكاراغوا عام 1926 بعدما سقط الحكم القضائي عنه بالتقادم، وانضمّ إلى القوى المعارضة للتدخل الأميركي، وبدأ نضاله المسلح مع مجموعة من رفاقه، زّودتهم بالبنادق بعض المومسات في ميناء بلدة كابيثاس.
وبينما كانت أعداد الثوار التابعين لحركته تزداد، كان عدد قوات «المارينز» (مشاة البحرية) الأميركية في نيكاراغوا قد وصل إلى خمسة آلاف، يؤازرهم 460 من الضباط والخبراء العسكريين المشاركين مباشرة في المعارك ضد القوات المتمردة.
في عام 1928، أبرم الليبراليون الذين كانوا يدعمون القوات المتمردة ضد الحكومة المحافظة، صفقة مع الأميركيين، تسلّموا الحكم بموجبها مقابل سحب تأييدهم للثوار. لكن ساندينو رفض الصفقة وانسحب إلى معقله والقاعدة الرئيسية لقواته، وقال جملته الشهيرة: «إنا لا أُباع ولا أستسلم. الحرية لبلادي أو الموت». وتقاطر التأييد عليه من الأرياف والمناطق الفقيرة، حتى بلغ عدد المقاتلين بإمرته ستة آلاف خلال أقل من ثلاثة أشهر، بسبب الغضب الذي كان يجتاح المناطق التي تحتلها قوات «المارينز» نتيجة لأعمال التنكيل والاغتصاب في حق المواطنين. ولذا اضطر الأميركيون إلى استخدام الطيران لقصف المناطق السكنية، في المدن التي كان ثوار ساندينو يحاصرون «المارينز» فيها.
وفي حين كانت قوات «المارينز» تتأهب للانسحاب من نيكاراغوا، بفعل الهزائم المتلاحقة اللاحقة بها، كان الرئيس تيودور روزفلت يحاول إنهاض أميركا من الأزمة المالية الكبرى، فأعلن سياسة «حسن الجوار»، وقرّر سحب القوات الأميركية من منطقة الكاريبي، بما فيها نيكاراغوا. وبعد انسحاب القوات الأميركية عرض ساندينو السلم على رئيس الجمهورية والانصراف إلى الإعمار، فتجاوب الرئيس مع الطلب، وأعلنت نهاية الحرب في 2 فبراير (شباط) 1922.
في تلك الفترة كان على رأس القوات المسلحة في نيكاراغوا الجنرال أناستاسيو سوموزا، العميل الأول لواشنطن، الذي كان يخطط منذ أسابيع لاغتيال ساندينو. ويوم 2 فبراير 1934، بينما كان ساندينو يغادر مع بعض معاونيه منزل رئيس الجمهورية (والد زوجة سوموزا) ألقت القبض عليه ثلّة من العسكريين، واقتاده أفرادها خارج العاصمة، حيث أعدم رمياً بالرصاص أمام حفرة كانت معدّة سلفاً لدفنه.
غير أن موت ساندينو لم ينهِ إرثه؛ بل صار عنواناً للوطنية، وحملت اسمه الجبهة الثورية التي أسقطت بعد عقود ديكتاتورية عائلة سوموزا.


مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».