ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

قرار البرلمان بجعل القوانين الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع بين القبول والرفض

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟
TT

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

تشتعل في ليبيا.. عدة حروب.. فعلى الأرض قتال ومعارك بين ميليشيات من أجل النفوذ والقوة والسلطة، وفي قاعات السياسة، تشتعل حرب أخرى من أجل، الهوية، والدستور، والتشريعات والقوانين. فالبرلمان الليبي اتخذ خطوة جريئة ومثيرة للجدل الأسبوع الماضي، تنص على أن «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الوحيد في ليبيا.. وأنه يقع باطلا كل ما يخالف أحكامها من التشريعات.. وكل مؤسسات الدولة ملزمة بذلك». وأثارت هذه الخطوة جدلا كبيرا بين القبول والرفض.. وسيعزز القرار، بقوة، التأثير على قوانين البلاد خاصة المصرفية التي بدأ العمل الفعلي لتعديل طريقة تعاملها بالفوائد. يقول منتقدو القرار، هذا عمل باطل، ولا يجوز للبرلمان أن يقرره. ومحاولة من البرلمان لمصادرة أعمال هيئة صياغة الدستور التي ستنتخب الشهر المقبل. لكن الشيخ بشير الكبتي، المسؤول العام لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، قال إن «الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الليبيون هو المرجعية الشرعية للقوانين.. فهي ليست محل خلاف». وبات التساؤل الآن أيهما أولا.. أحكام الشريعة.. أم الدستور؟

يقول إبراهيم عميش رئيس حزب الجبهة الديمقراطية الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «البرلمان يتخذ قرارات مطعونا فيها.. وهذا لا يجوز دستوريا». وأضاف قائلا، إن «الإجراءات التي يقوم بها البرلمان يبدو منها أنه يحاول استرضاء جماعات متشددة، ويحاول في نفس الوقت أن يضع يده على أعمال هيئة تأسيس الدستور مستقبلا».
إبراهيم صهد، عضو البرلمان الليبي، دافع عن القرار، وشدد على أنه جاء ليعيد التأكيد على أن «أي تشريع أو قانون مخالف للشريعة الإسلامية لن يكون قانونيا ولا دستوريا». وردا على اتهامات للبرلمان بأنه اتخذ قراره بشأن الشريعة لاسترضاء جماعات متشددة ومسلحة، قال صهد لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك من يطالب بالشريعة ونحن نقول لهم إن هذا الأمر موجود في الإعلان الدستوري ونحن (بالقرار الذي صدر أخيرا) نؤكد عليه».
ويلاحظ قطاع من المراقبين داخل ليبيا وخارجها أن جماعة الإخوان يبدو أنها تهيمن على توجهات وقرارات البرلمان، رغم أنها لا تملك الأغلبية المطلقة فيه. ويشير أحد النواب المستقلين إلى أن هناك الكثير من المؤشرات عن تحالف الجماعة مع نواب من تيارات إسلامية توصف بالمتشددة. ويقول أحد المحللين الأميركيين ممن زاروا طرابلس وبنغازي أخيرا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا يحدث بالفعل رغم ضعف قدرات البرلمان في مواجهة الصراعات المسلحة الحالية هناك».
وعاد البرلمان للواجهة مجددا بإصداره قرارا ينص على أن «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في ليبيا»، وما تضمنه من تفاصيل أخرى يشدد من خلالها على أن كل القوانين والتشريعات التي تخالف أحكام الشريعة ستكون باطلة، كما ألزم جميع مؤسسات الدولة بتطبيق هذا الأمر. والغريب في الأمر أن الجماعات المتشددة في ليبيا لم يعجبها قرار البرلمان، وأعلنت جماعة أنصار الشريعة أن الحكومة والتمثيل النيابي والديمقراطية «كفر».
ومع ذلك قالت مصادر مصرفية وسياسية ليبية، إن «موضوع تطبيق الشريعة يجري الضغط لإنفاذه والعمل به من أجل إرضاء بعض التيارات المتشددة، وبتواطؤ من بعض الكتل السياسية في البرلمان، وبصمت حكومي»، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات بدأت بالفعل من خلال مطالبة البنوك بوضع مراجعات لأعمالها المصرفية وإلغاء نظام الفوائد المعمول به في دول العالم لكن لم يستقر الرأي على النظام الجديد، بسبب خلافات في الرؤى والتفسير في هذا الشأن، لدى عدد من المتشددين.
ويترأس عميش الحزب الذي مر عليه غالبية القيادات الجديدة في ليبيا منذ أسسه في الثمانينات في المنفى وزير الخارجية منصور الكيخيا الذي اختطف من القاهرة في التسعينات وعثر على جثته في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي. كما يعد عميش أحد المرشحين لعضوية الهيئة التأسيسية لصياغة دستور البلاد، وهي هيئة ستتكون من 60 عضوا منتخبين بشكل مباشر من الشعب خلال الشهر المقبل.
وقال عميش تعليقا على قرار البرلمان العمل بالشريعة الإسلامية، وعن سبب صدوره في هذا التوقيت: «دستوريا لا يجوز». كما اتهم البرلمان بأنه «يتخذ قرارات مطعونا فيها». وأضاف قائلا، إن «الإجراءات التي يقوم بها البرلمان يبدو منها أنه يحاول استرضاء جماعات متشددة ويحاول في نفس الوقت أن يضع يده على أعمال هيئة تأسيس الدستور مستقبلا».
وأوضح أنه لا يجوز للبرلمان أن يقيد أعمال الهيئة التأسيسية للدستور، ولا أن يتدخل في صياغة الدستور ولا في صياغة أي مادة.. «هذا لا يجوز، لا شرعا، ولا قانونا، ولا عرفا. أعتقد أن القرار اتخذ من أجل محاولة إرضاء الجماعات المتطرفة».
وعن قول أعضاء في المؤتمر بأن قرار الشريعة جاء مجرد «تحصيل حاصل، لأن الشريعة الإسلامية منصوص عليها في الإعلان الدستوري»، رد عميش قائلا، إنه «حتى بالنسبة للإعلان الدستوري، لا ينبغي على أي جهة أن تتحكم في أعمال الهيئة التأسيسية للدستور المقبل، ولا تتدخل في أعمالها، ولا يسيطر عليها المؤتمر الوطني أو أن يحاول توجيهها».
وطرح عميش سؤالا لمح من خلاله إلى وجود ما اعتبره توجهات من البعض في البرلمان لتحقيق مصالح سياسية آنية ووقتية. وقال: «أريد أن أسأل سؤالا، لماذا لم يكتب في القرار (الذي صدر بشأن الشريعة الإسلامية) أن ليبيا دولة عربية أيضا». وأجاب قائلا: «لا يستطيع البرلمان أن يفعل هذا لأنه يخشى من الأمازيغ وغير الأمازيغ. هو، بقرار الشريعة، يعكس خوفه من الإسلاميين، ويريد أن يطمئنهم بأن هذا الأمر سيجري فرضه مقابل أن يبتعدوا هم قليلا عن الواجهة.. يبدو ذلك».
ويشار للإسلاميين المتشددين، وبعض الشخصيات الإخوانية، وجماعات من المسلحين الآخرين، بأنهم وقفوا أمام البرلمان لأيام للضغط عليه من أجل إصدار قانون العزل السياسي، في مايو (أيار) الماضي، ما أدى لإبعاد شخصيات سياسية مدنية، أشهرهم محمود جبريل. وأدى خروج جبريل من اللعبة السياسية، ظاهريا على الأقل، لإضعاف رئيس الحكومة الحالي علي زيدان، الذي جاء تعيينه على رأس السلطة التنفيذية العام الماضي بـ«اتفاق مضمر» بين جبهة جبريل وقطاع من الإسلاميين في البرلمان.
ويقول عميش، إنه «حتى الرغبة في إرضاء المتشددين المشتبه في صلتهم بتنظيم القاعدة لم تتحقق». ويضيف موضحا: «الإسلاميون أصدروا بيانا يعبرون فيه عن عدم رضاهم عن النص الذي ورد في قرار المؤتمر الوطني العام». وعن السبب من وجهة نظره أجاب أن الإسلاميين «خاصة الموالين لـ(القاعدة) ممن يطلقون على أنفسهم (أنصار الشريعة)، قالوا إن هذا لا يرضينا وأن هذا ليس المطلوب»، مشيرا إلى أن هؤلاء الإسلاميين «كانوا يريدون النص في القرار على أن الشريعة الإسلامية مصدر وحيد للتشريع في ليبيا».
وعما إذا كان قرار البرلمان يمكن أن يؤثر على أعمال الهيئة التأسيسية لوضع الدستور، قال عميش، إن «هذا لن يؤثر، خصوصا لو كان في اللجنة أناس جيدون.. هنا أعتقد أنهم سوف يرفضون هذا الأمر، وسيرفضون أيضا قانون الانتخابات.. سيتم إلغاء بعض المواد منه. المؤتمر العام لا ينبغي عليه أن يسيطر على أعمال الهيئة التأسيسية، ودستوريا هذا لا يجب».
ولم تتمكن ليبيا من تحقيق استقرار يذكر منذ بداية أحداث ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 حتى الآن، بسبب الفشل في تفكيك الكتائب والميليشيات المسلحة، وعدم قدرة الجيش والشرطة على مواجهة تلك الجماعات المتباينة في توجهاتها. لكن الكثير من المحللين يقولون، إن «الخطر يأتي من المسلحين الموالين لتنظيمات متشددة نفذت عمليات في عدة مدن منذ قتل السفير الأميركي وثلاثة من رفاقه في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، حتى سلسلة التفجيرات التي تشهدها مدن بنغازي ودرنة وطرابلس وغيرها».
ومع ذلك يتخوف البعض من أن يستغل أعضاء البرلمان، ومن بينهم إسلاميون أيضا، هذه الأرضية الخطرة لفرض سطوتهم على نظام الحكم في ليبيا خلال الأشهر المقبلة، كما لمح عميش، الذي قال، إن «البرلمان يبدو أنه يريد أن يخفف من حدة أعمال القتل الرهيبة التي تمر بها ليبيا»، وأضاف: «ومع ذلك أعود وأقول إن المؤتمر الوطني لم يكن يجوز له إصدار مثل ذلك القرار. كما أن أطرافا في المؤتمر أصدروا تعليماتهم للمفوضية العليا للانتخابات لعمل استطلاع رأي عام حول شكل نظام الحكم واللغة الرسمية للدولة».
ولا يوجد تفسير لدى عدد من السياسيين الليبيين لتدخل البرلمان في مثل هذه الأمور.. «هذا لا يجوز للمؤتمر الوطني. هذه مهمة الهيئة التأسيسية لعمل الدستور فيما بعد». كما يقول عميش.. والذي أضاف موضحا أن «البعض يقول إن هذه الإجراءات مجرد استئناس.. أي استئناس هذا الذي تقوم به اليوم، لتفرضه غدا؟ الكثير من أعضاء المؤتمر يحاولون فرض أنفسهم على مثل هذه الأمور لأنهم يخشون من أن تكون الهيئة التأسيسية للدستور، بعد انتخابها، بديلا لهم بالكامل».
ومن جانبه رفض الشيخ بشير الكبتي، مسؤول «الإخوان» في البلاد، التهم الموجهة للجماعة خاصة بشأن استفادتها من قرار البرلمان أو تعاونها مع تنظيم القاعدة أو المتشددين الآخرين. وطرحت «الشرق الأوسط» ما يتردد في الأوساط الليبية بخصوص قرار البرلمان، على الشيخ الكبتي، وهي أن البعض يرى أن القوانين والتشريعات القائمة في ليبيا سيتم تعديلها لتكون وفقا للشريعة الإسلامية، وأن قطاعا آخر يرى أن هذا الأمر مذكور في الإعلان الدستوري، وبالتالي كان يجب الانتظار إلى حين صياغة دستور دائم للبلاد، وأن جانبا ثالثا يرى أن القرار جاء بضغوط من متشددين إسلاميين.
ورد المسؤول العام لجماعة الإخوان في ليبيا على هذه الآراء بقوله: «بصرف النظر عن تعددها، والتي قد تكون صحيحة، لكن الشيء الذي يوجد عليه اتفاق بين الليبيين أن قضية المرجعية الشرعية للقوانين ليست محل اختلاف لدينا. يوجد اتفاق عليها سواء وردت في دستور أو في قانون من المؤتمر الوطني العام. هذا لا يمثل إشكالية لدينا والحمد لله».
لكن هل يمكن أن يؤدي هذا إلى تعديل قوانين قائمة، بالفعل؟ هنا أجاب الشيخ الكبتي عن السؤال موضحا أن «السيد وزير العدل أصدر قرارا بتشكيل لجنة، من قبل، على أساس أن تراجع كل القوانين وينظر في مدى بعدها أو قربها من الشريعة الإسلامية. والحمد لله رب العالمين، أن الشريعة الإسلامية فيها سعة لكثرة مذاهبها. وأصلا القوانين الليبية في معظمها ليس فيها الإشكالية الكبيرة التي قد تحتاج إلى نوع من الحراك الكبير لتغييرها، لكن يوجد توافق.. جهود الحكومة وجهود المؤتمر الوطني، إضافة لجهود مؤسسات المجتمع المدني، كلها تسير في (هذا) الاتجاه».
هل مثلا سيتم إلغاء مسألة الإقراض بالفوائد، التي يعدها بعض الإسلاميين ربا؟ يجيب الشيخ الكبتي: «موضوع المصارف صدر فيها قانون، وهو الآن في محل التطبيق على أساس إلغاء الفوائد الربوية، وأن المصارف تتجه لتعديل أعمالها حسب الشريعة سواء في المضاربة أو المرابحة أو أي صور أخرى يمكن ألا تتعارض مع الشريعة». وقال: «نحن في ليبيا نسير في هذا الاتجاه، وأعتقد أن هناك قوانين صدرت في هذا الأمر. وأعتقد أنه مع بداية السنة القادمة لا بد أن تكون جميع المصارف في ليبيا تعمل وفقا للشريعة الإسلامية».
وعن اتهام أحد قادة جماعة الجهاد في مصر لجماعة الإخوان في ليبيا بأنها تتعاون مع تنظيم القاعدة في ليبيا، قال الشيخ الكبتي: «نحن، كـ(إخوان)، ننفي هذا.. ومن باب أن أهل مكة أدرى بشعابها، فنحن لا نعرف أن هناك تنظيم قاعدة له جهد أو عمل (في ليبيا).. توجد بعض المجموعات لها عمل في (مدينة) درنة وبعضها له توجه تكفيري أو توجه جهادي، لكن بمعنى التنظيم (الموالي للقاعدة) فهذا ليس عندنا في ليبيا حتى نتعاون معه. فليس لنا أي تعاون مع هؤلاء إن وجدوا، وهو كلام غير صحيح».
كما نفى المسؤول العام لجماعة الإخوان في ليبيا ما تردد عن وجود تعاون مع بعض الجماعات الإسلامية المسلحة الأخرى والمتهمة بممارسة الإرهاب في البلاد، قائلا، إن «هذا غير صحيح أيضا. نحن ليس لدينا إرهاب في ليبيا. يوجد فقط اغتيالات».
ووجه الكبتي اللوم للحكومة بشأن استمرار أعمال الاغتيالات في البلاد، وقال: «نحن دائما نلوم الحكومة التي تقول دائما إنها وضعت يدها على المنفذ الحقيقي، ولكن لم يكن هناك شفافية من جانبها في أن تعلن من هم هؤلاء ولم يكن لها دور في قضية كبح جماح هؤلاء المجرمين. هذا في الحقيقة تقصير واضح من الحكومة، ووزارة الداخلية بالذات، في القضاء على مثل هذه الظواهر، سواء في مدينة بنغازي أو في مدينة درنة أو غيرهما».
وفي رده على ما يتحدث به بعض المحللين من أن جماعة الإخوان تضغط من أجل إقالة حكومة زيدان، قال الكبتي: «نحن، كجماعة الإخوان في ليبيا، لنا وضعية تختلف عن الوضع في مصر. نحن معتمدين كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي نطالب منذ فترة بأن يكون مستوى أداء الحكومة هو الذي يحكم على بقائها من عدمه»، مشيرا إلى أن «كثيرا من الشرائح في المجتمع تظاهروا لأن الحكومة، بدلا من أن تكون جزءا من الحل، أصبحت جزءا من المشكلة، لأنها لم تقم بدورها كما يجب على الأقل في الجانب الأمني، في الحد الأدنى».
ولم تتوقف أعمال القتل والتفجيرات رغم إصدار البرلمان لقراره بشأن الشريعة. ووصل عدد القتلى من جراء أعمال العنف في بنغازي وحدها إلى أكثر من مائة شخص خلال الأشهر الأخيرة، وعطلت جماعات أخرى عملية تصدير النفط والغاز، ما كلف الدولة خسائر وصلت إلى نحو سبعة مليارات دولار. ولا يثق كثير من الليبيين في قدرة أي تشريعات على كبح جماح العنف. ويرى البعض أن الدولة تحتاج إلى حوار جدي وواقعي بعيدا عن لغة السلاح والتخوين والتوجس. لكن يظل الهاجس الأمني في الواجهة.
وقال الكبتي، إن «معظم أعمال القتل في بنغازي تقيد (في التحقيقات) ضد مجهول، إعلاميا على الأقل. وإلى الآن ليس لدينا وزير داخلية، والقائم بعمل وزارة الداخلية هو نائب رئيس الوزراء.. هذه إشكالية»، لافتا إلى وجود 18 ألف شرطي في بنغازي «تصرف لهم رواتب شهرية لكن لا يأتون لممارسة عملهم، ولتأدية دورهم.. الحقيقة مثل هذه الأشياء لم تعد سرا اليوم.. الشعب الليبي يتحدث عنها، ويرى أن الحكومة عاجزة بل مساهمة في هذا التدهور الأمني الحالي».
ويشير الشيخ بشير الكبتي إلى أحد مظاهر الفوضى، قائلا: «أنت ترى الآن.. لدينا موانئ نفطية وغاز يغلقها حاليا مجموعة من الشباب، وهذه إشكالية لأن الحكومة لم تحرك ساكنا والليبيون يخسرون كل يوم وكل شهر ملايين بل مليارات الدولارات.. من هذا الباب قيمت الحكومة، ومن هذا الباب طلب تغييرها، وهي مسؤولية المؤتمر الوطني وهو المسؤول عن هذا الجهاز التنفيذي الفاشل».
وعلى صعيد جماعات المتشددين الإسلاميين، لا توجد إجابات قاطعة بشأن موالاة البعض منها لتنظيم القاعدة. وتقول جماعة أنصار الشريعة في بنغازي، على لسان قائدها محمد الزهاوي، إنهم «لا علاقة لهم بالقاعدة ولا بعمليات الاغتيالات»، مضيفا في لقاء تلفزيوني إن «جماعته تطالب فقط بدولة إسلامية تحكمها الشريعة». لكن قياديا آخر في الجماعة، يدعى محمود البرعصي، قال لقناة «ليبيا الأحرار» إن «تنظيم القاعدة هو قدوة الجماعة، وأنه لا يعترف بالبرلمان ولا بالحكومة لأنها كافرة ولا بالديمقراطية لأنها كفر».
وبعد إصدار البرلمان لقرار تطبيق الشريعة أصدرت اللجنة الشرعية لجماعة أنصار الشريعة بيانا اعتبرت فيه أن الغاية من قرار البرلمان «الالتفاف على مطالب من ينادون بحاكمية الشريعة الإسلامية»، وطالبت بإقامة «المحاكم الشرعية» و «القصاص ممن أجرم في حق المسلمين في ليبيا قبل الثورة وبعدها» و«الالتزام بأحكام الشريعة في جميع مناحي الحياة»، رافضة «المبادئ التي تتعارض مع الإسلام وعلى رأسها الديمقراطية».
ومن جانبها تقول الحكومة إنها تحاول التغلب على التركة الثقيلة التي تسلمتها، وإنه من الصعب الضغط على زر لإخفاء الميليشيات المسلحة أو القضاء على المتشددين بين يوم وليلة، وهي، وفقا لأحد الوزراء المقربين من زيدان، تحتاج لوقت، وإن الإطاحة بها أو تغييرها في هذا التوقيت يمكن أن يتسبب في حالة فراغ سياسي في البلاد. وفي تعليقه على قرار البرلمان بخصوص الشريعة قال الوزير طالبا عدم ذكر اسمه: «فلننتظر ونر.. نحن مع أي قرار يخفف حدة الاحتقان، ولو مرحليا». ومن جانبه رفض النائب إبراهيم صهد، الذي يشغل أيضا عضوية حزب الجبهة الوطنية اللغط الدائر حول قرار البرلمان بخصوص الشريعة الإسلامية واصفا إياه بأنه مجرد «تحصيل حاصل» لأن النص على الشريعة موجود في الإعلان الدستوري، حسب قوله، مشيرا إلى أن «هذا القرار جاء تأكيدا للإعلان الدستوري الحالي».
حسنا.. طالما هو موجود في الإعلان الدستوري، فلماذا قام المؤتمر الوطني باتخاذ قرار بهذا الشأن؟ يجيب صهد قائلا، إن «هذا لأنه ما زال هناك أناس يطالبون بموضوع الشريعة، ونحن نقول للجميع إن هذا موجود في الإعلان الدستوري، ونحن نؤكد عليه وننوه به، وإن أي قانون مخالف للشريعة لن يكون دستوريا ولن يكون قانونيا».
وفي سؤال بشأن الموقف من القوانين القائمة بالفعل، خصوصا القوانين التي تتعلق بالمعاملات المالية، قال صهد إنه «لا يريد أن يتطرق لهذه التفاصيل في هذا الوقت، لأن باقي التفسيرات توجد لها لجان متخصصة في هذا الأمر». وعما إذا كان يخشى أن يؤدي هذا القرار إلى التأثير على الاستقرار وعلى نظرة المجتمع الدولي للوضع في البلاد، أوضح قائلا: «بالعكس المجتمع الدولي يحترم ليبيا ويحترم نواب الشعب في ليبيا».



الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
TT

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد أبناء الجالية الذين توفوا هناك. وعلى صفحة «فيسبوك» محلية تنشر صورة رجل مجهول الهوية، أملاً في أن يتعرّف عليه أحد. وفي مجموعة (غروب) للصحافيين، يتبادل الصحافيون والمراسلون أرقام المسؤولين والمصادر، ويتحقّقون من الأخبار المتداولة عن المعارك في مجموعات أخرى. قد تبدو هذه المشاهد متفرّقة، لكنها في الواقع أجزاء من قصة واحدة، بدأت منذ اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معها المنصات الرقمية من أدوات للتواصل الاجتماعي، إلى فضاء بديل تدار عبره تفاصيل الحياة اليومية.

أعادت الحرب المتطاولة التي دخلت عامها الرابع في السودان، تشكيل «الجغرافيا السودانية» على الأرض. ومثلها أعادت مجموعات على منصّات التواصل، كـ«واتساب» و«فيسبوك» و«تلغرام» وغيرها، تشكيل الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات، وكيف يتواصلون مع أسرهم، أو يبحثون عن المساعدة، أو حين يتابعون الأخبار، ويواجهون آثار النزوح والغياب والخوف.

أبقت الأسر متصلة

لم تفرّق الحرب السودانيين بين المدن والولايات فحسب، بل وزّعتهم أيضاً على عشرات الدول، واضطرتهم للعيش في بيئات جديدة. وهكذا فقد كثيرون منهم القدرة على اللقاء المباشر، ومن ثمّ، أصبحت المنصات الرقمية الرابط اليومي الذي يحافظ على ما تبقى من الحياة الاجتماعية.

بالنسبة للعديد من الأسر، يبدأ اليوم وينتهي على شاشة الهاتف...

صباح أحمد، مثلاً، وهي نازحة من ولاية الجزيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن أول ما تفعله عند الاستيقاظ من النوم، هو تفقّد هاتفها للتأكد من عدم وجود مكالمات فائتة من أفراد أسرتها، لأن الحرب - كما تصفها - جعلت الناس يتوقعون الأخبار السيئة في كل لحظة، وأصبح الاطمئنان على الأقارب جزءاً من الروتين اليومي.

ولكن لا يقتصر هذا الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية على تبادل الأخبار العائلية. بل بالنسبة للاجئين السودانيين في الخارج، تحوّلت مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك» إلى نافذة يومية يطلون من خلالها على ما يجري داخل البلاد. وهنا يقول سيبويه يوسف، اللاجئ السوداني في أوغندا، إن هذه المجموعات أصبحت «الوسيلة الرئيسة لمعرفة أحوال الأهل والأصدقاء، وتحولت أيضاً إلى مساحة لتقديم الدعم للمحتاجين والمرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح».

أما الدكتور عبد الناصر الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيرى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الحرب أفرزت ما يشبه «الأسرة الإلكترونية»، حيث «بات أفراد العائلة الممتدة يتواصلون باستمرار رغم تفرقهم بين السودان ودول اللجوء... هذه المنصات لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت أيضاً، أداة للدعم النفسي وتبادل المعلومات الصحية والتعليمية، ومشاركة الخبرات المتعلقة بالحياة في ظروف الحرب والنزوح».

قرارات مصيرية عن بعد

أكثر من هذا، في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات على معرفة ما يجري، بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت، فعندما بدأت المخاوف تتزايد في ولاية الجزيرة، لم تعتمد بعض الأسر على البيانات الرسمية أو الأخبار العامة وحدها، بل لجأت إلى شبكاتها الاجتماعية للحصول على تقديرات مباشرة من الأصدقاء والمعارف الموجودين في مناطق مختلفة.

وبحسب صباح أحمد فإن أسرتها شعرت بخطر متزايد يهدد سلامتها في مدينة الحصاحيصا، بولاية الجزيرة، في أثناء سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها. وبناء عليه بدأت التشاور مع أصدقاء وزملاء للحصول على صورة أوضح للأوضاع، مضيفة: «بعد سلسلة من الاتصالات والنقاشات، اتخذت الأسرة قرار المغادرة إلى القضارف ثم إلى ولاية نهر النيل»، وهو قرار تعدّه اليوم خطوة أسهمت في تجنيبها مخاطر كبيرة.

وتعكس هذه التجربة واقعاً أوسع، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى شبكة إنذار غير رسمية يعتمد عليها كثرة من السودانيين في تقييم المخاطر واتخاذ قرارات النزوح أو البقاء أو التنقل بين المناطق.

شبكات استجابة وتكافل

في الواقع، لم تنتظر المجتمعات المحلية وصول المنظمات الدولية حتى تبدأ الاستجابة لآثار الحرب. ففي الأشهر الأولى، اعتمدت جهود المساعدة على شبكات اجتماعية قائمة أصلاً على روابط الأسرة والجيرة والانتماء المناطقي. وظهرت ما عرفت بـ«التكايا»، وهي مجموعات أهلية ميدانية تقدم للناس الطعام الجاهز والشراب وأحياناً الدواء، معتمدة على ما يتيسر تجميعه وإيصاله من أموال عبر هذه الوسائط.

ويرى مدني عباس، خبير العمل الإنساني ووزير التجارة السابق، أن «مجموعات الواتساب لعبت دور الحلقة التي ربطت بين المحتاجين والداعمين، وساعدت في تحديد الاحتياجات وتنسيق الاستجابة داخل المجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المنصات أيضاً مساحة للتنسيق بين المجموعات القاعدية والمنظمات الوطنية العاملة في المجال الإنساني».

وأردف عباس لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «مثلما أسهمت صفحات فيسبوك ووسائل التواصل الأخرى في توثيق الأوضاع الإنسانية ونقل احتياجات المجتمعات المحلية، فإنها ساعدت في حشد الدعم لمشاريع مرتبطة بالأمن الغذائي والصحة والتعليم والطاقة الشمسية، بل وحتى في توفير التمويل لبعض أنشطة الاستجابة الإنسانية».

بل في المنافي والملاجئ أخذ هذا التكافل أشكالاً أكثر تنظيماً، ففي العاصمة الأوغندية كمبالا، مثلاً، توجد مجموعة «واتساب» أخذت اسم «وفيات كمبالا»، تضم أكثر من ألف لاجئ سوداني يتعاونون ويتشاركون الفقر في جمع المال لتغطية تكاليف دفن الموتى ومساندة أسرهم. إذ يجمع الأعضاء المساهمات المالية عبر المجموعة، ويتولى متطوّعون منهم متابعة ترتيبات التجهيز والدفن والتشييع، في نموذج يعكس كيف تحولت المنصات الرقمية إلى أداة لإدارة التضامن الاجتماعي في ظروف استثنائية.

سيدة سودانية تتلقى آخر الأخبار عبر وسائل التواصل (رويترز)

في أثر الغائبين

ولكن، لعل من أكثر الاستخدامات الإنسانية تأثيراً للمنصات الرقمية خلال الحرب، تحوّلها إلى وسيلة للبحث عن المفقودين والمختفين، ففي مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك»، تتكرّر يومياً منشورات تبدأ بكلمة «مفقود» وتنتهي بمناشدات لإعادة النشر على أوسع نطاق. وفي كثير من الأحيان تتضمّن هذه المنشورات صور الأشخاص المفقودين ومعلومات عن آخر مكان شوهدوا فيه، أملاً في أن تقودها المصادفة إلى شاهد أو معلومة أو خيط جديد.

هذه المناشدات ما عادت تقتصر على الأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم، بل امتدت أيضاً إلى مجهولي الهوية والأشخاص الذين يعثر عليهم في ظروف إنسانية صعبة. وفي إحدى الحالات المتداولة، نشر مواطنون صورة رجل عثر عليه في إحدى المدن السودانية وهو عاجز عن التعريف بنفسه، دعوا المتابعين والأعضاء إلى مشاركة المنشور حتى يتم التعرف عليه والوصول إلى أسرته.

وفي حالة أخرى، ساعد انتشار المناشدات عبر «واتساب» و«فيسبوك» في الوصول إلى معلومات عن رجل اختفى لأكثر من سنة بعد تعرضه للخطف. ويقول الرجل، الذي طلب إغفال اسمه خشية الانتقام والرمز إليه بـ«م. ن»، إن أسرته لجأت إلى نشر بياناته وصوره على نطاق واسع بعد فقدان الأمل في العثور عليه عبر الوسائل التقليدية، قبل أن تصل إليها معلومات ساعدت في معرفة مصيره.

وإلى جانب الأشخاص، ظهرت مجموعات وصفحات متخصّصة في تتبّع السيارات المفقودة أو المنهوبة، إذ ينشر أصحابها الصور وأرقام اللوحات ومعلومات الفقدان أملاً في العثور عليها عبر الشبكات الاجتماعية.

في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات

على معرفة ما يجري بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ

قرارات تتعلق بالحياة والموت

إعلام موازٍ

من ناحية ثانية، في بلد تعطلت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة، وجدت الأخبار طريقها إلى الجمهور عبر المجموعات (الغروبات) والصفحات والقنوات الرقمية، ويرى الصحافي والباحث في الإعلام الرقمي، محمد عبد العزيز، أن خروج معظم المؤسسات الإعلامية من الخدمة في الأيام الأولى للحرب خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، سرعان ما ملأته المنصات الرقمية، وعلى رأسها تطبيق «واتساب». وساعدت عدة عوامل في ذلك، من بينها قدرة التطبيق على العمل في بيئات الاتصالات الضعيفة، واعتماده على الرسائل الصوتية، وسهولة استخدامه، وانتشاره الواسع بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وهنا يذكر الدكتور عصام عباس، خبير تقنية المعلومات، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الخصائص جعلت واتساب منصة مثالية للعمل في بيئة مضطربة مثل السودان». وبالفعل، تجلت أهمية التطبيق أكثر عندما توقفت خدمة المكالمات الصوتية عبر «واتساب» داخل السودان إبان الحرب. وبينما لم تقدم تفسيرات رسمية مفصلة للقرار، رجّح مراقبون ارتباطه باعتبارات أمنية واستخدام التطبيق في الاتصالات بين أطراف النزاع، ما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من المستخدمين إلى الرسائل الصوتية والمكتوبة، التي غدت وسيلة رئيسية للتواصل اليومي.

وفي الوقت نفسه، نشأت مجموعات مهنية متخصصة للصحافيين، أبرزها مجموعة «ممكن رقم»، الذي يستخدم للحصول على أرقام المسؤولين والخبراء والمصادر المختلفة. وظهرت مجموعات أخرى لتبادل الأخبار ومتابعة تطورات الحرب والتحقق من المعلومات المتداولة.

مع هذا، لا يتعامل الصحافيون المحترفون مع هذه المنصات بوصفها مصدراً نهائياً للمعلومات. وهذا ما يقوله عبد المنعم أبو إدريس، مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» (AFP) ونقيب الصحافيين السودانيين لـ«الشرق الأوسط» بأن ما يرد في المجموعات الرقمية «قد يشكل خيطاً أولياً أو يقود إلى مصدر محتمل، لكنه يحتاج دائماً إلى التحقق والتأكيد عبر مصادر مستقلة».

في مرمى الحرب

لكن البيئة الرقمية التي ساعدت الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وفرت أيضاً مساحة واسعة للتضليل. فبجانب المجموعات الشعبية والمهنية، ظهرت إبان الحرب مجموعات وقنوات رسمية تنشر بيانات المؤسسات الحكومية والتغطيات الرئاسية، كما أنشأت أطراف الصراع قنواتها الخاصة لنشر رواياتها للأحداث، من بينها قنوات مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» على تطبيق «تلغرام».

وتعكس هذه المنصات في الغالب وجهة نظر الجهة التي تديرها، ما يجعلها جزءاً من معركة السرديات المصاحبة للحرب. ويرى محمد عبد العزيز أن «طبيعة الشبكات المغلقة وصعوبة معرفة المصدر الأول للمعلومة سهلتا انتشار الأخبار المفبركة والمقاطع المجتزأة والتسجيلات المضللة». بينما يشير الدكتور عصام عباس إلى أن «غياب آليات فعالة لضبط المحتوى داخل المجموعات المغلقة، وسهولة إعادة توجيه الرسائل والمقاطع الصوتية والصور، ساعدا في انتشار خطاب الكراهية والمحتوى التحريضي، وبذا تحوّلت المنصات إلى ساحة تتداخل فيها الأخبار الصحيحة مع الإشاعات، والمعلومات الموثقة مع الروايات الموجّهة».

خارج الصفوف والعيادات

من جهة ثانية، لم تتوقف آثار التحول الرقمي عند حدود الأخبار والتواصل والإغاثة، فمع تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الأطباء والمشافي في بعض المناطق، انتقلت استشارات طبية كثيرة إلى الفضاء الرقمي. وصار من المألوف أن يتلقى الأطباء صوراً للتحاليل أو الأعراض عبر الهاتف، ثم يرسلون الإرشادات العلاجية عن بعد.

وهنا يقول الدكتور بدر الدين أجبر، أستاذ كلية الطب بجامعة كردفان والمدير العام السابق لوزارة الصحة بالولاية، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من المتابعة «لم يعد يقتصر على الحالات البسيطة، بل شمل مرضى الأمراض المزمنة أيضاً، في ظل الصعوبات التي تواجه الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق».

وفي قطاع التعليم، لعبت المنصات الرقمية دوراً مماثلاً. فبعد توقف الدراسة الحضورية في كثير من الجامعات والمدارس، لجأت مؤسسات التعليم العام والعالي إلى تطبيقات مثل «تلغرام» لنشر المحاضرات والمواد التعليمية والتواصل مع الطلاب. وتقول جهاد عباس، الطالبة المتخرجة في «جامعة بحري» في أثناء الحرب، إن هذه التجربة مكنتها من استكمال دراستها الجامعية رغم ظروف الحرب، وإن المجموعات التي أنشأها الطلاب فيما بينهم لتبادل المعلومات والإجابة عن الاستفسارات الأكاديمية، عوّضت جزءاً من غياب الحياة الجامعية التقليدية.

مجتمع يعيد تنظيم نفسه

وهكذا، بعد أكثر من سنتين من الحرب، ما عادت المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى مساحات للبحث عن المفقودين، ومنصات للإغاثة والعمل الإنساني، وشبكة للتكافل الاجتماعي، ووسيلة للتعليم والعلاج، ومصدر للأخبار، وساحة للصراع على الروايات.

ولم تكن هذه التحولات نتاج خطة مسبقة، بل استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب، نتجت إثر تعثر مؤسسات كثيرة، أو تراجع قدرتها على أداء أدوارها التقليدية، فاندفع السودانيون لإعادة تنظيم جوانب من حياتهم اليومية عبر الشبكات الرقمية، مستفيدين من قدرتها على تجاوز الحدود والمسافات والعوائق.

وطوال سنوات الحرب الأربع، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائط لنقل الرسائل بين الناس، بل صارت جزءاً من البنية الاجتماعية التي يعتمد عليها السودانيون في التواصل والتعلم والعلاج وتنظيم المساعدات والبحث عن المفقودين ومتابعة الأخبار.

بل، ومع أن السودانيين قد يختلفون حول أثرها وما تتيحه من فرص أو ما تحمله من مخاطر، يبقى أمرٌ واحدٌ محل اتفاق هو «أن جانباً مهماً من الحياة السودانية انتقل خلال الحرب إلى الفضاء الرقمي، وأعاد الناس بناء شبكاتهم الاجتماعية والمهنية والإنسانية على الشاشات الصغيرة التي حملوها معهم في رحلة النزوح واللجوء والبقاء».


ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
TT

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل الدبلوماسي الذي جاءه من تقاعد قصير من عالم الأعمال والسيارات. إذ إنَّ السفير ميشال عيسى يعرف بيروت، وبقية مناطق لبنان، أكثر مما يعرف أروقة وزارة الخارجية التي لم تكن له بها أي علاقة قبل تعيينه من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لقد كان عيسى يعود إلى المدينة التي وُلد فيها، وإلى بلد حمله معه في رحلة امتدت من لبنان إلى فرنسا، ثم الولايات المتحدة، قبل أن يعود إليه ممثِّلاً للدولة الأقوى في العالم خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العلاقات اللبنانية - الأميركية.

منذ اللحظة الأولى لتعيين ميشال عيسى سفيراً للولايات المتحدة لدى لبنان، بدا واضحاً أنَّ اختيار عيسى لم يكن قراراً روتينياً داخل الإدارة الأميركية. فواشنطن لم ترسل إلى بيروت دبلوماسياً مهنياً تقليدياً أو مسؤولاً أمنياً سابقاً، بل اختارت رجل أعمال ومصرفيّاً مخضرماً يحمل جذوراً لبنانية عميقة، ويتمتع في الوقت نفسه بعلاقة مباشرة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لكن الأهم، أن تعيين عيسى جاء إبّان مرور لبنان بمنعطف تاريخي. فالبلاد كانت تحاول الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها الحديث، بينما كانت تداعيات الحرب على الجبهة الجنوبية، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، تتصدَّر أجندة النقاشات الدولية والإقليمية.

أكثر من رسالة

وحقاً، رأى كثيرون أن اختيار عيسى يحمل أكثر من رسالة. إذ يقول صديقه النائب اللبناني فؤاد مخزومي: «من جهة أرادت واشنطن إرسال شخصية تعرف لبنان من الداخل وتفهم تركيبته المعقّدة، ومن جهة أخرى أرادت الاعتماد على رجل يتمتّع بثقة الرئيس الأميركي شخصياً ويستطيع نقل توجّهات البيت الأبيض مباشرة إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في الشرق الأوسط».

ولقد كانت من بين الخطوات اللافتة التي رافقت انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، تخلّيه عن الجنسية اللبنانية قبل تسلّمه مهامه سفيراً للولايات المتحدة، في خطوة هدفت إلى إزالة أي التباس قانوني أو سياسي محتمل يتعلّق بازدواجية الانتماء.

من بسوس إلى «وول ستريت»

وُلد ميشال عيسى عام 1955 في العاصمة اللبنانية، بيروت، إلا أنه يتحدّر من بلدة بسوس في قضاء عاليه بمحافظة جبل لبنان.

عيسى نشأ في لبنان خلال فترة كانت البلاد فيها لا تزال تعيش سنوات الاستقرار النسبي التي سبقت الحرب الأهلية، وتلقَّى تعليمه المدرسي في بيروت قبل أن تغادر عائلته لبنان في إطار موجة الهجرة اللبنانية التي شهدتها سبعينات القرن الماضي.

فرنسا كانت محطته الأولى. وهناك تابع دراسته في الاقتصاد والمالية، وبدأت تتشكَّل شخصيته المهنية. إذ حصل على شهادة دبلوم الدراسات الجامعية العامة (DEUG) في الاقتصاد من جامعة باريس العاشرة - نانتير. وكذلك درس في كلية الدراسات العليا للبنوك في باريس. وفي أواخر السبعينات انتقل إلى الولايات المتحدة، البلد الذي سيبني فيه مستقبله المهني ويحقق فيه نجاحاته الكبرى.

قطاعا المال والمصارف

على مدى عقود، عمل ميشال عيسى في القطاعين المالي والمصرفي، متنقلاً بين مؤسسات دولية بارزة. فشغل مناصب تنفيذية في مصارف وشركات استثمارية معروفة، واكتسب خبرةً واسعةً في إدارة الديون وإعادة هيكلة الشركات والاستثمارات والأسواق المالية.

وفي عالم المال الأميركي، بنى سمعته كرجل يتمتّع بقدرة على معالجة الملفات المعقّدة، وإدارة المخاطر، وإيجاد الحلول للأزمات المالية. ومع مرور السنوات أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، خصوصاً في نيويورك، حيث استقرَّ وأسَّس شبكةً واسعةً من العلاقات المهنية.

دخول دائرة ترمب

من جهة ثانية، لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في سيرة ميشال عيسى هو علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالرجل لم يكن مجرّد داعم سياسي للرئيس الأميركي، بل تصفه تقارير إعلامية أميركية بأنه من المقرّبين إليه، ومن شركائه في لعبة الغولف. وتعود العلاقة بينهما إلى سنوات سبقت دخولهما معاً دائرة العمل السياسي المباشر.

وعندما أعلن ترمب ترشيحه لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، اختار كلمات لافتة في وصفه، مشيداً بخبرته المالية الواسعة، ومسيرته في الأعمال والتجارة الدولية.

وفي بيروت، كما واشنطن، لا يُنظَر إلى هذه العلاقة على أنها تفصيل ثانوي. وهنا يقول مخزومي: «إن السفير الذي يتمتع بقناة مباشرة إلى البيت الأبيض يمتلك هامش حركة أوسع من ذلك الذي يتوافر عادة للدبلوماسيين التقليديين. ولهذا السبب اكتسب تعيين عيسى أهمية إضافية في بيروت»، معتبراً أن الرجل «لا يمثل الخارجية الأميركية فحسب، بل يحمل أيضاً ثقة الرئيس الأميركي نفسه».

وبالنسبة إلى لبنان، فإنَّ هذه العلاقة تمنح منصبه بُعداً مختلفاً. إذ إن كل رسالة ينقلها أو موقف يعلنه يُنظَر إليه بوصفه أقرب إلى «المزاج السياسي» للبيت الأبيض من كونه مجرّد رأي دبلوماسي تقليدي.

سفير تحت المجهر

منذ أسابيعه الأولى في لبنان، وجد عيسى نفسه منخرطاً في ملفات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. إذ شارك في لقاءات تناولت مستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وملفات الإصلاح الاقتصادي، والجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي، رسم عيسى ملامح سياسته، فوضع مجموعة من العناوين التي تحوَّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه. فلقد تكلَّم عن أهمية دعم المؤسسات «الشرعية» اللبنانية، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، و«تمكين الدولة من بسط سلطتها» على كامل أراضيها. وطبعاً، لاقت هذه المواقف ترحيباً لدى بعض القوى اللبنانية، في حين أثارت تحفّظات وانتقادات لدى أطراف أخرى رأت فيها امتداداً للمقاربة الأميركية التقليدية تجاه لبنان.

لكن ما جعلت حضوره مختلفاً عن كثير من أسلافه هي خلفيته اللبنانية.

فالرجل يتكلّم العربية بطلاقة، ويفهم تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ويعرف الفوارق الدقيقة بين القوى والأحزاب والطوائف، وهذه عناصر تمنحه قدرة أكبر على فهم المشهد المحلي.

ولكن في المقابل، جعلته هذه الخلفية أيضاً عُرضةً لتدقيق أكبر. فكل تصريح يصدر عنه يُقرَأ أحياناً من زاويتين: زاوية السفير الأميركي، وزاوية اللبناني الذي يعرف تفاصيل البلد الذي يعمل فيه.

حياة خاصة... جداً

بعيداً عن السياسة والدبلوماسية، تبدو شخصية ميشال عيسى مختلفة عن الصورة النمطية لكثيرين من رجال المال. فالرياضة تُشكِّل جزءاً مهماً من سيرته الشخصية. وتشير المعلومات الرسمية إلى أنه كان منافساً دولياً في ألعاب القوى خلال شبابه، قبل أن يتحوَّل اهتمامه لاحقاً إلى رياضات أخرى أبرزها كرة المضرب والغولف.

أيضاً، تكشف هذه الخلفية الرياضية جانباً مهماً من شخصيته. فالانضباط والمنافسة والسعي إلى تحقيق النتائج هي صفات يربطها كثيرون بمسيرته المهنية الطويلة في القطاع المالي. ثم إن رياضة الغولف لعبت دوراً يتجاوز الهواية الشخصية، إذ تحوَّلت إلى أحد «الجسور» التي جمعته بالرئيس ترمب، المعروف بشغفه بهذه الرياضة.

أما عائلياً، فعلى عكس كثير من الشخصيات العامة، يحرص عيسى على إبقاء حياته العائلية بعيداً عن الأضواء. والمعلومات المتوافرة عن زوجته وولديه محدودة للغاية، الأمر الذي يعكس رغبةً واضحةً في الفصل بين حياته الخاصة وعمله العام.

بين الجذور اللبنانية والمصالح الأميركية

في الواقع، يقف ميشال عيسى عند تقاطع مسارين متوازيين. الأول شخصي بدأ في أحياء بيروت وبلدة بسوس قبل أكثر من نصف قرن، والثاني سياسي ومهني قاده إلى قلب الإدارة الأميركية. وربما تكمن فرادة تجربته في الجمع بين هذين المسارين. فهو يعرف لبنان بعيون ابن البلد، لكنه يتحرَّك فيه بصفته ممثلاً للمصالح الأميركية. يفهم تعقيدات النظام اللبناني، لكنه مُكلَّف بتنفيذ سياسات تحددها واشنطن، لا بيروت.

وهنا يقول فؤاد مخزومي إن الرجل «واضح وجريء وشفاف. هو يريد لبنان، ونحن نراهن على أصوله اللبنانية وعلى ما يحاول أن يقوم به لأنَّه يؤدي بنا إلى لبنان أفضل. هو يبني علاقات جيدة مع الجميع، وهذا هو السبب في قوة السفير».

ويضيف: «لبنان موجود في مناطق توجد فيها إسرائيل من جهة وسوريا من جهة أخرى، ولديه الملف الفلسطيني. وهنا الوجود المسيحي المميز في المنطقة. هذه كلها تُشكِّل حالةً فريدةً، لكن إذا لم يكن هناك شخص ينقل الصورة إلى البيت الأبيض كما هو السفير عيسى فلن يتحقَّق ذلك. السفير عيسى يستطيع أن يتحدث مباشرة مع مَن يتخذون القرار في الولايات المتحدة، وهذا يعطينا نقطة قوة. ونستطيع أن نبني عليه من أجل الحصول على فهم أفضل في الولايات المتحدة للموقف اللبناني».


سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)
TT

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي عاش الاضطراب كما الرخاء والاستقرار، وعاش الصراعات الخارجية على أرضه، ما اضطر الولايات المتحدة لإعادة التوازن في الاصطفافات الإقليمية التي كانت تفرض إيقاعها على الداخل.

العديد من السفراء تركوا بصمة واضحة في لبنان، بدءاً من مرحلة بعد الاستقلال، إثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم. وهنا نستعرض بعض السفراء في مراحل حساسة:

1- جورج وادسوورث

يُعد من أوائل رؤساء البعثة الأميركية في لبنان إبّان مرحلة الاستقلال، وكان شاهداً على ولادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ولبنان المستقل.

2- روبرت ماكلينتوك

وصل إلى بيروت في أعقاب «أزمة 1958» وإنزال قوات «المارينز» الأميركية في لبنان لدعم عهد الرئيس كميل شمعون. وهو يُعتبر من أبرز السفراء خلال مرحلة الحرب الباردة.

3- آرمن ماير

كان من أكثر السفراء الأميركيين نفوذاً خلال الستينات، وارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع الرئيس فؤاد شهاب إبّان مرحلة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية.

4- فرانسيس إدوارد ميلوي

عُيّن سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في مايو (أيار) 1976، وأثناء توجهه في موكب غير محمي أمنياً لمقابلة الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس وتقديم أوراق الاعتماد له، تعرّض موكبه للاختطاف في منطقة «الخط الأخضر» في بيروت. وعُثر على جثته مقتولاً بالرصاص مع المستشار الاقتصادي في السفارة روبرت وورينغ وسائقهما اللبناني في منطقة الرملة البيضاء. واتهمت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بالضلوع في اغتيالهم.

5- جون غنتر دين

شغل موقعه في الفترة بين عامي «1978 - 1981» في أخطر المراحل من الحرب الأهلية. وفي أغسطس (آب) 1980 نجا السفير دين من محاولة اغتيال في الحازمية (إحدى ضواحي بيروت). وسعى لفتح قنوات اتصال مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، تمهيداً لإنهاء أزمة لبنان قبل الغزو الإسرائيلي في عام 1982.

6- روبرت ديلون

تولّى منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان في الفترة ما بين 1981 و1983، وذلك في حقبة «التغييرات»، إذ شهدت حقبته الغزو الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت، وإبعاد «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان إلى تونس، وانتخاب الرئيس بشير الجميل ثم اغتياله، وتوقيع «اتفاقية 17 أيار» بين لبنان وإسرائيل. في تلك الحقبة، لعبت واشنطن دور الوسيط لإخراج «منظمة التحرير»، وأرسلت قوات «المارينز» ضمن قوة متعددة الجنسيات. لكن عام 1983 كان مفصلياً، فيوم 18 أبريل (نيسان) فجّر انتحاري شاحنة مفخّخة في مقر السفارة الأميركية بحي عين المريسة في بيروت، فقتل 63 شخصاً بينهم 17 أميركياً. وبعدها في أكتوبر (تشرين الأول) قتل 241 جندياً أميركياً في تفجير ثكنة «المارينز» قرب مطار بيروت، واتهم «حزب الله» و«الحرس الثوري الإيراني» بالضلوع في التفجيرين.

7- جون توماس ماكارثي

تولّى مهامه في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية خلال الصراع بين حكومتي العماد ميشال عون العسكرية، ورئيس الحكومة في بيروت الغربية سليم الحص. وكان من أبرز الوجوه الأميركية في مرحلة «اتفاق الطائف».

في عهده، غادر وطاقمه بيروت، ولم يستأنف العمل إلا يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، عندما قدّم السفير رايان كروكر أوراق اعتماده، إيذاناً بمرحلة إعادة بناء العلاقة بعد «اتفاق الطائف» الذي أوقف الحرب اللبنانية.

8- ديفيد ساترفيلد

لعب دوراً بارزاً في ملفات الجنوب اللبناني والعلاقة الأميركية - السورية في نهاية عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، وفي عهده انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

جيفري فيلتمان (آ ف ب)

9- جيفري فيلتمان

ربما يكون فيلتمان الأكثر شهرة في الذاكرة السياسية اللبنانية الحديثة. تولّى منصبه خلال اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، واندلاع «انتفاضة 14 آذار»، وخروج الجيش السوري من لبنان، و«حرب يوليو (تموز)» 2006. كان لاعباً أساسياً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى.

10- ميشيل سيسون

تابعت مرحلة ما بعد «اتفاق الدوحة» وصعود الانقسام السياسي بين فريقي «8 و14 آذار»، وتميّزت بعلاقات واسعة مع مختلف القوى اللبنانية.

11- مورا كونيللي

وصلت مع اندلاع الحرب السورية وتزايد انعكاساتها على لبنان، وشهدت بدايات الانخراط الأميركي المكثّف في دعم الجيش اللبناني.

12- دوروثي شيا

أصبحت من أكثر السفراء الأميركيين حضوراً في الإعلام اللبناني خلال مرحلة الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت والصراع السياسي الداخلي.

13- ليزا جونسون

أدارت مرحلة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بعد أحداث 2023، وكانت من أبرز الوجوه الأميركية في جهود التهدئة والاتصالات السياسية والعسكرية.