الهروب الكبير لأثرياء الهنود إلى الملاذات الضريبية

23 ألف ثري هاجروا خلال السنوات الأربع الماضية

قطب العقارات الهندي المعروف سوريندرا هيرانانداني
قطب العقارات الهندي المعروف سوريندرا هيرانانداني
TT

الهروب الكبير لأثرياء الهنود إلى الملاذات الضريبية

قطب العقارات الهندي المعروف سوريندرا هيرانانداني
قطب العقارات الهندي المعروف سوريندرا هيرانانداني

في الآونة الأخيرة، أقدم قطب العقارات الهندي المعروف سوريندرا هيرانانداني، الشريك المؤسس لمجموعة هيرانانداني العقارية، وهو من بين أغني مائة شخصية هندية بإجمالي ثروة شخصية تبلغ 1.29 مليار دولار وفقاً لمجلة «فوربس»، على التخلي عن جواز سفره الهندي ليصبح مواطناً من مواطني جزيرة قبرص الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط.
ويلتحق هيرانانداني، البالغ من العمر 63 عاماً، بذلك بقائمة متزايدة من الأثرياء الهنود الذين يتنازلون عن جنسية بلادهم فراراً إلى الملاذات الضريبية في أوروبا وجزر الكاريبي.
وغادر ما يقرب من 23 ألف مواطن هندي من الأثرياء (الذين يملكون أصولاً تفوق المليون دولار) بلادهم على مدار السنوات الأربع الماضية. ووفقاً لاتجاهات الهجرة المسجلة، ينتقل الأثرياء الهنود إلى المملكة المتحدة، وسنغافورة، والولايات المتحدة الأميركية، والإمارات العربية المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا.
ويمثل هؤلاء الهنود الأثرياء نسبة 2.1 في المائة من إجمالي أثرياء الهند من أصحاب الملايين، وذلك وفقاً لدراسة حديثة نشرتها مؤسسة مورغان ستانلي لإدارة الاستثمار. وفي واقع الأمر، غادر 7 آلاف ثري منهم البلاد في عام 2017 وحده. وفي عام 2016، بلغ عدد الأثرياء الهنود الذين هاجروا إلى الخارج 6 آلاف فقط، في حين أن الرقم لم يتجاوز 4 آلاف ثري ممن غادروا البلاد مهاجرين إلى الخارج في عام 2015.
ويقول روشير شارما، الخبير الاستراتيجي لدى مؤسسة مورغان ستانلي لإدارة الاستثمار، إن الوتيرة التي يغادر بها الأثرياء الهنود بلادهم هي الأعلى على مستوى العالم، ومن شأنها التأثير في الأسواق المحلية.
وفي وقت سابق، ذكرت البيانات الصادرة عن تقرير نايت فرانك في عام 2015 أنه خلال السنوات العشر الماضية، غادرت نسبة 27 في المائة، أو ما يساوي 43.400 ثري هندي من أصحاب الملايين، وهم من بين 160.600 من أصحاب الثروات العالية في الهند، سعياً للحصول على فرص أفضل للأعمال في المملكة المتحدة وأستراليا.
ووفقاً لتقرير بنك كريدي سويس، بلغ عدد أصحاب الملايين الهنود نحو 245 ألفاً في عام 2017. ومن شأن الرقم أن يصل إلى 372 ألفاً بحلول عام 2022.
وتشهد الثروات في الهند ارتفاعاً ملحوظاً، حيث وضعت الهند على المرتبة الثانية في ذلك بعد الولايات المتحدة في عامي 2016 - 2017. وسجلت الهند المرتبة السادسة على قائمة أغنى دول العالم بإجمالي ثروات بلغ 8.230 مليار دولار. ومن حيث أصحاب المليارات المقيمين في البلاد، تأتي الهند بين أكبر 3 دول على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين بعدد يبلغ 119 مواطناً من أصحاب المليارات.
وإثر شعورها بالخطر بسبب هذه الهجرات، قام المجلس المركزي للضرائب المباشرة، وهو المجلس الاستشاري لوزارة المالية الهندية بشأن سياسات ضرائب الدخل، بتشكيل هيئة لتقييم تأثير هجرات الثروات، والآثار الناجمة عن مغادرة الأثرياء الهنود من أصحاب الشرائح الضريبية العالية على اقتصاد البلاد.
وأفاد المجلس المركزي للضرائب المباشرة، في مذكرة داخلية بأنه «في الآونة الأخيرة، كان هناك اتجاه لارتفاع وتيرة هجرات الأفراد من أصحاب الثروات العالية إلى بلدان أخرى. وتمثل هذه الهجرات خطراً ضريبياً كبيراً على اقتصاد البلاد، لأن هؤلاء الأفراد قد يعتبرون أنفسهم غير مقيمين في البلاد لأغراض تتعلق بالضرائب المستحقة عليهم، حتى إن كانت علاقاتهم الشخصية والاقتصادية قوية داخل الهند.
ووفقاً لقوانين الضرائب الهندية، يحظى الهنود غير المقيمين بكثير من المزايا الضريبية، حيث تتبع الهند نظاماً ضريبياً قائماً على الإقامة في البلاد. وبموجب هذا النظام، تُفرض الضرائب على الدخل العالمي للمقيمين، في حين أن الضرائب تُفرض على الدخل المصدري لغير المقيمين (أي الدخل المُتسلم أو المستحق) في الهند. بالإضافة إلى ذلك، يحصل غير المقيم في الهند أيضاً على مزايا بموجب المعاهدات الضريبية الثنائية التي أبرمتها الهند مع البلدان التي هاجروا إليها، حيث يتم إعفاء الأرباح التي يحصل عليها غير المقيمين من الشركات الهندية وفقاً للقوانين الهندية. وتعتبر الولايات المتحدة هي الاستثناء الوحيد في مثل هذه الحالات.
وتنظر الحكومة الهندية في فرض قواعد أكثر صرامة على الأثرياء الذين يغادرون البلاد إلى سلطات ضريبية أقل.
ولكن، لماذا يغادر الأثرياء؟ وما القوانين الواجب سنها لمواجهة هذه التوجهات؟
إن التخفيف الضريبي والتهرب الضريبي، في كثير من الحالات، هي من الأسباب الرئيسية وراء هجرة أصحاب الملايين من الهند، وتقول الحكومة الهندية إن الأثرياء يحاولون الإفلات من التدقيق والمسؤوليات الضريبية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الأثرياء الهنود يغادرون البلاد بسبب حملات مكافحة الفساد المستمرة في الهند، الأمر الذي أسفر عن رغبة الأثرياء الهنود في نقل رؤوس أموالهم إلى بلدان أخرى.
وإحدى الخطوات الكبيرة التي اتخذتها حكومة ناريندرا مودي في هذا الصدد كانت سياسة وقف التعامل بالفئات النقدية الكبيرة التي كانت تهدف إلى الكشف عن الثروات غير المعروفة في الهند.
وتُدرج أسماء كثير من أثرياء الهند على قوائم أبرز المتهربين من الضرائب على مستوى العالم، ومن بينها مستندات بنما، ومستندات الفردوس. وتجري محاكمة 121 ثرياً منهم على الأقل بناء على التحقيقات الحالية في تلك الفضائح.
ويقول كرانثي باثيني، مدير شركة «ويلث ميلز» للاستشارات المالية في مومباي: «يرغب أولئك الذين نقلوا أموالهم إلى الخارج في الفرار، بسبب أن الحكومة شرعت في اتخاذ الإجراءات المعنية باسترجاع الأموال غير المشروعة».
ويقول غايجر سايا، الشريك الضريبي والتنظيمي لدى مؤسسة «بي دي أو» القانونية الهندية: «في حين أن الخوف من الملاحقة القضائية هو من أقوى الأسباب الدافعة للهجرة لدى الأثرياء الذين يملكون الوسائل والأموال والمحفزات، فإنه لا يعتبر السبب الوحيد. إذ تتوقف تلك الهجرات على عوامل أخرى مثل فرصة الحصول على نوعية ممتازة من الحياة في الخارج، والضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، وفرص الاستثمار الأفضل، وانخفاض معدلات الضرائب، وخلافه».



«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.