«الشرق الأوسط» في مهرجان كان السينمائي 9: لارس فون ترايير يتعمد الإساءة إلى المرأة في عامها

عودة المخرج المشاغب... وغير التائب

مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك»  -  المخرج لارس فون ترايير
مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك» - المخرج لارس فون ترايير
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان السينمائي 9: لارس فون ترايير يتعمد الإساءة إلى المرأة في عامها

مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك»  -  المخرج لارس فون ترايير
مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك» - المخرج لارس فون ترايير

مات ديمون ومات ديلون من جيل واحد‪.‬ الأول (47 سنة) نجم معروف مثّل أول فيلم له سنة 1988 بعنوان «ميستيك بيتزا». الثاني (54 سنة) ممثل معروف معين ظهر في أول فيلم سنة 1979 بفيلم عنوانه «فوق الحافة» (Over the Edge). كلاهما مثّلا للأسطوري فرنسيس فورد كوبولا. ديمون في «صانع المطر» سنة 1997 وديلون في فيلمين متعاقبين هما «المنبوذون» (The Outsiders) و«رامبل فيش» (Rumble Fish)، وذلك في عام واحد هو 1983.
كلاهما جيد، لكن الأول محظوظ أكثر من الثاني ويمكن أن يلعب سوء الاختيار دوراً كبيراً في هذا المجال. ديمون ليس لديه فيلم هنا في «كان»، لكن ديلون لديه فيلم يجسد سوء الاختيار في شكل مثالي.
الفيلم هو The House That Jack Built («المنزل الذي بناه جاك») للمخرج لارس فون ترايير تكسّرت موهبته على صخور سنة 2000 عندما قدّم آخر فيلم يستحق حيزاً كبيراً من التقدير هو «راقصة في الظلام».
بعد ذلك التاريخ حقق جولات غير مفيدة في طي أفلام لا معنى لها أو ذات قيمة سينمائية فعلية منها «دوغفيل» و«نيمفومانياك 1و2». الجزء الثاني من «نيمفومانياك» شهد عرضه في «كان» سنة 2013 وبعد العرض قام، خلال المؤتمر الصحافي، بإبداء إعجابه بهتلر فأثار ضجة كبيرة (سلبية) أدت إلى قيام المهرجان بشخص مديره العام تييري فريمو بإصدار قرار بمنعه من حضور «كان»، وبالطبع منع أفلامه كتحصيل حاصل. هنا أيضاً إشارات لهتلر وموسوليني وماووتسي تونغ كما لو أنه يرفض الاعتراف بالذنب.
- توازن مفقود
هذا المنع انتهى مع قبول عرض فيلم فون ترايير الجديد (والأول له بعد ذلك الفيلم الغير اللائق) «المنزل الذي بناه جاك»، ويا ليته لم يفعل. الفيلم، الذي يدور حول قاتل مسلسل (يؤديه مات ديلون الذي ربما اعتقد أنه سيساعد مهنته عالمياً) له حسنة فنية واحدة تكمن في التصوير (للتشيلي مانويل ألبرتو كلارو) ولا شيء يُذكر عدا ذلك باستثناء أن ديلون يؤدي المطلوب منه جيداً كونه موهوباً وصادقاً في ممارسة مهنته كممثل. للأسف، لا الشخصية التي يقوم بها قادرة على تجسيد تلك الموهبة طوال الوقت، ولا الدور الذي يؤديه كقاتل لا يرتدع عن قتل النساء والأطفال بعنف واضح يمكن له أن يمنحه أي عذر إذا ما أراد ذات يوم تبرير قبوله تمثيل هذا الفيلم.
فون ترايير اختار للفيلم لونه ونبرته ومنهجه ودرجة عنفه. هو من كتب السيناريو وحمل فيه على المرأة والعائلة والأطفال أيضاً وتييري فريمو هو من اختاره في سنة احتلت فيه القضايا النسوية العادلة (حركة «مي تو» وخط هاتفي مباشر للشكوى ضد المتحرشين، وكايت بلانشيت وحملتها المطالبة بتوازن الاختيار الجنسي للمهرجان)؛ ما يجعله متهماً بسوء الاختيار في أسوأ الأحوال.
جاك (ديلون) يقتل طفلين ثم يجبر والدتهما على ركوب سيارته، وعندما لا تتوقف عن النحيب لما حدث لطفليها يرفع مسدسه ويطلق النار عليها أيضاً. ما لا ينجزه المخرج هنا هو أي قدر يُذكر من الرهافة. فعندما قام سام بكنباه بتحقيق أفلامه العنيفة (والتي بدورها لم تكن رقيقة المعالجة حيال المرأة) لم يتخل عن قدر لافت وضروري من الفن المحلّـى بشعرية المكان أو الحدث الماثل.
الحبكة تكتفي، على مدى 155 دقيقة قاتلة، باثنتي عشرة سنة من حياة قاتل يستند إلى نفسه الداكنة والمعقدة ويرتكب جرائم متوالية في مواقع ساحلية غير مسماة، ولو أن الأحداث تدعي أنها أميركية خلال تلك «الدزينة» من السنين سنتابع جاك وهو يرتكب نصف «دزينة» من النساء اللواتي يتعرضن للقتل على يديه وبطرق مختلفة. القبعة ترتفع للفيلم المنسي «أميركان سايكو» للمنسية (بدورها) ماري هارون (2000)، ليس فقط لإتقان كرستيان بايل دوراً مماثلاً لما يؤديه هنا مات ديلون، بل لقدرة ذلك الفيلم على الفصل بين تشخيص الجريمة ودوافع مرتكبها بحيث تنسج عملاً نقدياً لمجتمع غير متكامل، وإلا لما أدّى إلى وجود مثل هؤلاء القتلة أو سواهم.
- كرهه للمرأة
فيلم فون ترايير يتيح لبطله جاك أن يكره من دون تردد، وأن يقتل من دون الشعور بالذنب، ولا يفيد كثيراً أن يقوم الألماني برونو غانز بتوفير طاولة البينغ بونغ بينه، كمرشد اجتماعي (على ما أظن) وبين القاتل جاك. في الجدال الساخر القائم بينهما يقوم تاريير بتوفير معلومات إضافية حول البواعث وبعض التحليل النفسي الذي قد يكون صائباً أو لا يكون.
خلال ذلك يحاول المخرج منح عمله بعض الصدى الواقعي والنقد لأميركا عبر مشاهد تذكّر ببعض العنف الذي ساد (ويسود من حين لآخر) مثل مقتل شارون تايت على أيدي جماعة تشارلز مانسون (الذي مات أخيراً في سجنه)، أو مثل حادثة السحل التي قام بها عنصريون بيض في بلدة تكساسية سنة 1998 لشاب أسود.
لكن ذلك لا علاقة له بالماثل هنا ولا يستطيع أن يشكل تبريراً لا لجاك ولا لوجود ذلك الكره الشديد صوب المرأة.
هذا الكره ساد أفلام تاريير السابقة. فقط الذين فاتهم التمعن في الشخصيات النسائية وأدوارها في أفلام هذا المخرج الدنماركي هم الذين لم يلحظوا أن دور نيكول كيدمان في «دوغفيل» كان معادياً للمرأة. كذلك دور المغنية بيورك في «راقصة في الظلام». أما تعاونه مع تشارلوت غينزبيرغ فحدّث به من دون حرج. «نيمفومانياك» (الذي قامت ببطولته) لا علاقة له بسينما الفن، ولا برغبة المخرج تقديم فيلم يحتل مكاناً خالداً في قائمة أفضل أفلام التاريخ.
هنا يسأل، من بقي في الصالة التي شهدت خروج نحو 100 متفرج، أن يتمتع بمشاهدة سوء أفعال جاك. هذا المراد كان من مفاتيح أفلام ألفرد هيتشكوك التي مارسها بسخريته السوداء وبأسلوبه المنظم والمنضوي تحت شروط التهذيب. هنا هو مجال مفتوح (ومنشود) لجعل البعض يشعر بما يشعر به بطل الفيلم من اللامبالاة لأفعاله، وفي الوقت الذي يتابع فيه ما يحدث للنساء من دون أي شعور بالشفقة.
في حفلة «جمعية مراسلي هوليوود الأجانب» التقيت بتييري فريمو ودار بيننا حديث عابر كان من بينه سبب قبول الفيلم ومخرجه بعد سنوات المنع. لم يكن الفيلم قد عُرض بعد؛ لذلك لم يشمل الحديث شيئاً عن تداعياته. قال: «ما قاله فون ترايير قبل سبع سنوات كان لا يغتفر وقد دفع ثمنه ممتنعاً عن العمل طوال تلك الفترة. والآن لا بد من إعادة الاعتبار إليه كفنان».
يا ليته بقي ممتنعاً.


مقالات ذات صلة

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

سينما توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له.

محمد رُضا (كان)
سينما من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)

شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

القلب في المكان الصحيح، لكنّ هذا الفيلم يفتقد القدرة التي تجعله أكثر تأثيراً مما هو عليه.

محمد رُضا (كان)
ثقافة وفنون كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

محمد رُضا (كان)
سينما مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت»، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه.

محمد رُضا (كان - فرنسا)
سينما شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

يقول المثل: «من راقب الناس مات همّاً»، لكن عند المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يُنجز أفلامه في أوروبا، هذه المراقبة «بصبصة» تتيح للكاتبة الروائية سيلفي...

محمد رُضا (كان - فرنسا)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.