بيوت المقلب الآخر من الأعمار

العودة إلى أماكن أخليناها قبل سنين تبقى غالباً ناقصة

غاستون باشلار  -  صورة متخيلة لأبي تمام  -  ميلان كونديرا
غاستون باشلار - صورة متخيلة لأبي تمام - ميلان كونديرا
TT

بيوت المقلب الآخر من الأعمار

غاستون باشلار  -  صورة متخيلة لأبي تمام  -  ميلان كونديرا
غاستون باشلار - صورة متخيلة لأبي تمام - ميلان كونديرا

لا يحتاج البشر إلى العلم وحده لكي يتأكدوا من كروية الأرض أو من عودتهم دائماً إلى النقطة التي ينطلقون منها، بل هم يكتشفون تلك الحقيقة بالملموس عند المقلب الآخر من حيواتهم المتسارعة. وما يبدو في النصف الأول من العمر، أو في ثلثيه الأولين، انسلاخاً عن المهد وتوقاً شديد الإلحاح إلى تنكب المجهول، يصبح فيما بعد نكوصاً إلى الوراء وحنيناً جارفاً لاستعادة المكان الأول الذي خسروه. فكما يؤكد المكان كروية الأرض يؤكد الزمان من جهته كروية العيش فوقها. والمكان الأول يبدو لشدة وضوحه أو التصاقنا به عادياً وباعثاً على الضجر والتململ، بحيث ننشد فراديسنا الموعودة في الأماكن البعيدة وغير الموطوءة. لكن ذلك المكان سرعان ما يتحول إلى فردوس مفقود، حتى قبل أن نصل إلى ضالتنا المنشودة. ولعل ذلك الجدل الدائم والحافل بالمفارقات بين الطرفين هو ما أمدّ الشعر بأعتى الصور والأخيلة وألصقها بالعواطف الجياشة. فالأماكن والبيوت التي يتم إخلاؤها تتحول عند الشريف الرضي إلى مرتع للحسرات، وإلى طلل مكاني نسعى إلى استعادته بالحنين والتلفت القلبي «وتلفّتت عيني فمذ خفيتْ عني الطلول تلفَّت القلبُ». وهي نفسها تُبلور عند ابن الرومي فكرة الوطن ومفهومه «وحبب أوطان الرجال إليهمُ مآرب قضّاها الشباب هنالكا». أما غاستون باشلار فيرى من جهته أن المكان الأول يحتوي في بيوته ومقصوراته المغلقة على الزمن مكثفاً. ويضيف على طريقته الخاصة في المزج الحاذق بين الفلسفة والشعر «حين نحلم بالبيت الذي وُلدنا فيه، وبينما نحن في أعماق الاسترخاء الأقصى، ننخرط في ذلك الدفء الأصلي، وفي ذلك النسغ الهلامي لفراديسنا المادية».
ومع ذلك فإن العودة إلى الأماكن التي أخليناها قبل عشرات السنين هي في معظم حالاتها عودة ناقصة ومثلومة بهواء الغياب. ذلك أن اعتيادنا على الإيقاع السريع للمدن والعواصم التي قضينا بين ظهرانيها وفي كنف ضوضائها القسم الأكبر من حيواتنا المنصرمة، يجعلنا غير قادرين على التكيف الطبيعي مع «بلادة» الزمن الريفي ورخاوته، ودورانه حول ذاته بوتيرة واحدة. كما أن كل شيء حولنا يُشعرنا من جهة أخرى بأننا غرباء تماماً عن ذلك العالم الذي أخليناه للآخرين. كل شيء في ذلك العالم تدبر من دوننا شؤونه وأحواله وطرق عيشه. والناس بمن فيهم الأهل والأقربون رتّبوا في ضوء غيابنا علاقاتهم وعاداتهم ومصائرهم المتباينة. والشجر لم يعد ينتظرنا ليثمر، ولا الورد كي يتفتح، ولا الريح كي تهب. وقد يكون أبو تمام قد قصد هذا النوع من الغربة حين كتب ذات عودة مشابهة «لا أنت أنت ولا الديار ديارُ». وبعده بقرون عديدة عبّر ميلان كونديرا في روايته «الجهل» عن مأساة المهاجرين التشيك الذين غادروا إلى فرنسا وإيطاليا ودول أوروبا الغربية هرباً من النظام الشمولي، ولكنهم حين عادوا كهولاً إلى وطنهم الأم لم يستطيعوا البقاء طويلاً، حيث لم يتعرف إليهم أحد، ولم يجدوا مواطئ لأرواحهم وأقدامهم على الأرض التي نسيتهم تماماً. وهذه الفجوة الاجتماعية والوجدانية المتولدة عن «جهلهم» المطبق بدورة الزمن الأول، ما لبثت أن دفعت كثرتهم الكاثرة إلى الانكفاء ثانية باتجاه المهاجر البديلة.
على أن صورة الأماكن والأرياف التي غادرناها في مطالع الصبا لنعود إليها كهولاً ومسنين لا تملك بعداً واحداً، بل تنفتح على مفارقات متغايرة الدلالات. فالأماكن تلك تقع على الحدود الفاصلة بين الطمأنينة والقلق، وبين السعادة والشقاء. صحيح أننا من بعض الجوانب لا نكاد نتعرف في كنفها على ذواتنا القديمة، لكن الصحيح أيضاً أن بيوت المقلب الآخر من الأعمار تبدو شبيهة بمحطات أخيرة لضغضغة حلوى الزمن وفتاته المتبقي. ولعل بعض علماء النفس والاجتماع الذين ذهبوا إلى القول بأن السعادة الحقيقية تبدأ بعد الستين أو السبعين ليسوا مخطئين تماماً، باعتبار أن سقف الآمال والتطلعات في هذا العمر يصبح منخفضاً إلى حد بعيد، بما يقلص المسافة بين المتاح والمحلوم به، أو بين المتخيل والمتحقق. فالسعادة هنا ليست ناجمة عن كسب الرهان في اللعب مع الأعاصير، بل في التلذذ بالنسيم الخفيف الذي يهب على الحياة الكسلى. وهي ليست متأتية من جموح الدم واندفاعاته الضارية، بل من متعة الخدر الجسدي وسريان الدماء البطيء في العروق. والناس في ما تسمى حقبة العمر الثالثة يتحولون إلى عمال مياومين عند الحياة، ويحوّلون بيوتهم الجديدة إلى أماكن لتصريف الأعمار وتزجية «فائض» الوقت عبر مشاهدة التلفاز أو القراءة أو لعب الورق أو التنزه في الحدائق ورعاية ورودها ونباتاتها. وإذا كنا نأخذ وقتاً طويلاً في بناء تلك البيوت فربما يعود السبب، عن قصد أو غير قصد، إلى رغبتنا في تشتيت انتباهنا عن فكرة الموت أو في إقناعه بأن يعطينا الوقت الذي نحتاج إليه للانتهاء من تشييدها. ولأن الشيخوخة هي بمثابة طفولة ثانية، على ما يرى البعض، فنحن نحاول أن نوفر لأنفسنا المسرح ذاته الذي وفّرته لنا أزمنة الطفولة الغابرة، فنجعل من حدائق بيوتنا صوراً أخرى عن فراديس الطفولة التي خسرناها، ونستعيد ما أمكننا فضاء الماضي وأشجاره وأراجيحه المشرعة على النعاس.
ليس صدفة إذن أن يعمد الكثير من الذين غادروا مساقط رؤوسهم في سنوات الطفولة والصبا، وبينهم بالطبع كتاب ومبدعون، إلى الانكفاء ثانيةً نحو القرى والبلدات التي حسبوا ذات يوم أنهم غادروها إلى غير رجعة. وهم لا يفعلون ذلك إلا لكي يستعيدوا الظهير الأكثر صلابة لأقدامهم ومواطئ أرواحهم ومخيلاتهم الفائرة، ويتلمسوا بالحواس المجردة جغرافيا البدايات التي كان لا بد لهم من مغادرتها لكي يُكسبها الفقدان طابعها الأسطوري. ورغم إدراك العائدين، مسنين وكهولاً، أن البيوت التي تأخروا في بنائها لن تظللهم سقوفها إلى زمن طويل، فهم يشيّدونها بحماس ونشوة بالغين لأنهم يطلون من خلالها على ما كانوه من جهة، وعلى ما سيؤولون إليه من جهة أخرى. كأن بيوت الكهولة هي بمثابة تمرين يومي على فكرة الموت، أو هي شكلٌ من أشكال المقابر العلوية التي لا يفصلها عن مثيلاتها السفلية سوى أمتار قليلة من التراب. وليس من المستغرب تبعاً لذلك أن يختار البعض بأنفسهم الأماكن التي يودون أن يُدفنوا تحتها. وهم حين ينتقونها ظليلة ومغطاة بالأشجار عند أطراف حدائقهم المنزلية، فلكي يخففوا من وحشة الرحيل ووطأة العدم، ولكي يتصلوا بنسغ النبات الحي الذي يمكّنهم بشكل أو بآخر من العودة إلى ضوء الشمس.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».