موسكو تتحدث عن اتساع فجوة الخلافات مع دمشق

صحيفة تشير الى {توتر} بين استخبارات النظام السوري والجيش الروسي

TT

موسكو تتحدث عن اتساع فجوة الخلافات مع دمشق

نشرت وسائل إعلام روسية حكومية سلسلة مقالات في الفترة الأخيرة تعرضت فيها إلى تباينات في ملفات عدة بين موسكو والنظام السوري، وتعد هذه التغطيات من العناصر النادرة التي تظهر ما تخفيه التصريحات الرسمية الروسية التي تتجنب كشف تفاصيل عن جوانب خلافية إلا في حالات محدودة، كما حدث مؤخرا عندما دعا الوزير سيرغي لافروف دمشق إلى «إبداء قدر من المرونة في التعامل مع ملف المساعدات الإنسانية إلى الغوطة الشرقية»، أو عبر تصرفات عملية، كما ظهر عندما لجأت موسكو إلى استبعاد النظام عن المفاوضات مع المسلحين في الغوطة الشرقية وتولت بنفسها إدارة النقاشات والتوصل إلى اتفاقات بالانسحاب من المنطقة، كما قامت بإعطاء الضمانات بنفسها ومن دون الرجوع إلى النظام.
ولفتت الأنظار قبل يومين مقالة نشرتها صحيفة «فزغلياد» الروسية تحذر من تصاعد الخلاف بين أجهزة الاستخبارات السورية وقوات الشرطة العسكرية الروسية التي باتت تفرض سيطرة مباشرة على المناطق «المحررة» وتتصرف فيها بمعزل عن إرادة النظام. وأبرزت المقالة أن «بعض المواقع السكنية التي تم تحريرها من المقاتلين لم ترجع إلى سلطة دمشق. والقوات الروسية تعمل على الحيلولة دون تنفيذ عمليات تطهير محتملة وسط السكان»، معتبرة أن هذا واحد من أسباب غضب الأجهزة السورية.
ورأت الصحيفة أن عمليات المصالحة التي تديرها روسيا وإخضاع المجموعات المسلحة لبرامج نزع السلاح لا تقود إلى استعادة دمشق سلطتها على الأراضي التي يخليها المسلحون لأن «سكان البلدات (التي تشملها الاتفاقات) ينغلقون عن العالم الخارجي بحواجز الشرطة العسكرية الروسية ويتلقون عن طيب خاطر المساعدات الإنسانية مع بقائهم في ظل إدارة ذاتية».
وزادت أن ذلك كانت مبرراته في البداية «الخوف من المخابرات والشبيحة الذين كانوا ميالين في العام الأول للهجوم المضاد إلى تطهير بالغ القسوة للبلدات المحررة. وأثناء تحرير حلب الشرقية منع الروس هذه الممارسات». والإشارة هنا إلى التطورات بعد السيطرة على حلب عندما أصرت موسكو على نشر الشرطة العسكرية الروسية ومنعت قوات «رديفة» غالبيتها من الإيرانيين أو الموالين لطهران من القيام بعمليات انتقامية في المنطقة. وفاخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت لاحق بأن بلاده تعمدت اختيار وحدات الشرطة العسكرية «من المسلمين الروس السنة حتى يكونوا قادرين على التفاهم مع السكان ويحترمون واجبهم لجهة عدم القيام بأي نشاط يستفز مشاعر الغالبية السكانية في المناطق المحررة».
لكن المقالة انتقدت في الوقت ذاته «التساهل الروسي الزائد» الذي وصفته بأنه «ليبرالية مع المسلحين» وقالت إنها سحبت البساط من تحت أقدام النظام، وكمثال، أوردت أن بعض سكان المناطق الشرقية في حلب تمكنوا من الحصول على أوراق مختومة من جانب القوات الروسية بدلا من وثائقهم الشخصية الثبوتية وغدا بمقدورهم الانضمام إلى الحياة المدنية والحصول على المساعدات بموجب الوثائق الروسية حتى لو كان بينهم من حمل السلاح سابقا.
كما رأت أن هذه السياسة تحولت إلى سلاح ذي حدين، إذ مع بروز ضرورة إطعام الجميع وإسكانهم بصورة فورية، وقع خلل في عمليات الفحص والتدقيق ما سمح بتسلل خلايا نائمة للإرهابيين تعمل على تنفيذ عمليات في الخطوط الخلفية، وقالت إن هذا زاد من تذمر أجهزة المخابرات السورية، بالإضافة إلى أسباب أخرى بينها أن هذه الأجهزة فقدت سطوتها ووزنها في المنظومة السياسية في البلاد وتفاقمت المنافسة فيما بين الأجهزة المختلفة التي يسعى كل منها للحفاظ على ما تبقى من هيبته.
وكانت بعض التعليقات التي صدرت عن الدبلوماسية الروسية عكست في الفترة الأخيرة أن موسكو منزعجة من أداء النظام السياسي، كما حصل حيال عرقلة النظام ملف تشكيل اللجنة الدستورية وفقا لقرارات مؤتمر سوتشي، وهو أمر علق عليه دبلوماسيون بالإشارة إلى أن موسكو وجهت ملاحظة حازمة للنظام، وهو أمر انسحب على الموقف من العملية التركية في الشمال السوري عندما وجهت روسيا إنذارا للنظام بعدم التدخل، وفقا لتأكيد مصادر كردية تحدثت معها «الشرق الأوسط».
وعلى المستوى العسكري كانت الخلافات برزت بشكل أوسع ومنذ وقت مبكر، ولجأت موسكو مرات عدة إلى تذكير النظام عبر تصريحات رسمية أو عبر مقالات نشرتها وسائل إعلام حكومية بأنها أنقذته من السقوط وحمت وجوده. وقبل شهرين كتب جنرال سابق في صحيفة «غازيتا رو» الواسعة الانتشار مقالة حمل فيها بقوة على «القوات الرديفة»، وخصوصا الوحدات الإيرانية وقوات «حزب الله» والمجموعات الأخرى التي وجدت بها إيران في سوريا. لكن رئيس النظام بشار الأسد لم يسلم من انتقاد الجنرال الحاد، إذ وصفه في المقالة بأنه «كان في خريف 2015 أشبه بدجاجة مبللة» ولفتت إلى أن النظام كاد يفقد السيطرة نهائيا على البلاد وغدا مهددا بالسقوط أكثر من مرة، و«لم ينجح في رفع كتفيه والمشي معتدلا إلا بعدما انتشلته روسيا من القاع».
وقال الجنرال في مقالته إن الجيش النظامي السوري «ليس في حالة تؤهله لخوض أي من المعركتين المفروضتين في سوريا وهما معركة الإرهاب ومعركة الحرب الأهلية مع المعارضة». وزاد أن القوات الرديفة كانت تتصرف على هواها وتعمل كما لو أنها المسيطرة وصاحبة القرار، وأضاف: «عندما بدأ التدخل الروسي كان الوضع مزريا ولم يحدث في أي مرة أن قام (حزب الله) والمجموعات الأخرى بالالتزام بتنفيذ المهام الموكلة إليهم تماما وحتى النهاية، في بعض الحالات كانوا ينسحبون فجأة ويتركون القوات الحليفة في المناطق المجاورة في خطر جدي كما أن قادتهم كانوا يتصرفون بشكل فردي ولا يخضعون لأوامر أحد، وحدث أكثر من مرة أن فضلوا عدم التقدم في مواقع كان يجب أن يتقدموا فيها أو العكس».
بهذه الروح ذاتها، نشرت وكالة الأخبار الفيدرالية المتخصصة بملفات الأزمات حول روسيا مقالة مطولة في منتصف العام الماضي حملت فيها بقوة على القوات النظامية وكشفت تفاصيل عن عمليات فساد واسعة فوجئت روسيا بها في الأوساط العسكرية السورية عندما بدأ التدخل.
ولفتت المقالة التي حملت عنوان «النصر بعضلات الآخرين» وكتبها معلق عسكري كان في سوريا وتنقل بين حميميم ومناطق أخرى مع العسكريين الروس إلى أنه «عندما ذهبنا إلى سوريا كان التقدير الأولي لدى العسكريين الروسي أن أداء الجيش السوري سوف يتحسن سريعا بمجرد حصوله على الإمداد اللازم والغطاء الجوي القوي، لكن عملياتنا العسكرية الحاسمة التي أضعفت كثيرا خصوم النظام أظهرت في الوقت ذاته تدهور وضع الجيش النظامي وعدم قدرته على التقدم».
وزاد أن القيادة العسكرية السورية «لم تحرك أصبعا في الشهور الأولى، وكان الهم الرئيس لديها أن يفاخروا بأن الإيرانيين والروس سوف يقضون على الإرهابيين وفقا لحديث سمعته بنفسي من ضابط سوري».
ولفتت المقالة إلى أن «سقوط تدمر من دون قتال تقريبا في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2016 كان نقطة تحول فاصلة، لأن القوات الروسية كانت استعادتها قبل ذلك من قبضة (داعش) وفاخرت بالإنجاز الكبير وسقطت فجأة مجددا بسبب تهاون العسكريين السوريين وأنصارهم الإيرانيين، بدا واضحا أن ثمة عمليات فساد كبرى، وأن ثمة أوامر وجهت من طرف ما بالانسحاب». وزاد أن هذا الملف فتح على ملفات أخرى، إذ تبين للروس أن الأسلحة والذخائر التي كانت تذهب من روسيا كان جزء كبير منها يباع للإرهابيين والمساعدات الإنسانية كان يتم بيعها أيضا».
كما أشارت المقالة إلى أن الجنرالات الروس لجأوا إلى وضع أيديهم بشكل كامل منذ مطلع 2017 على الترسانة العسكرية والسلاح لضمان عدم بيعها للأعداء، وأن موسكو بدأت تنفذ سياساتها العسكرية بالشكل الذي تخطط له بنفسها لأن الارتكان إلى الطرف الآخر كان يثير مخاوف بوقوع أخطاء قاتلة.



السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.