سياسة ماكرون الخارجية... كثير من الوعود والمبادرات وقليل من الإنجازات

الرئيسان الفرنسي والأميركي خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض الشهر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي والأميركي خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

سياسة ماكرون الخارجية... كثير من الوعود والمبادرات وقليل من الإنجازات

الرئيسان الفرنسي والأميركي خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض الشهر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي والأميركي خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض الشهر الماضي (أ.ف.ب)

قبل عام، انتخب الفرنسيون إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية بوجه منافسته مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف. كانت تلك محاولته الانتخابية الأولى التي أوصلته إلى قصر الإليزيه بعكس جاك شيراك، وفرنسوا ميتران، اللذين حاول كل منهما ثلاث مرات قبل أن تفتح بوجهه أبواب القصر الرئاسي. ورغم أن نيكولا ساركوزي اليميني، وفرنسوا هولاند الاشتراكي فازا كما ماكرون منذ الدورة الأولى، فإن الأخير يتميز عنهما بأنه كان بلا حزب يقف وراءه، وبلا تاريخ سياسي وانتخابي يشكل القاعدة التي يستند إليها لإقناع الناخبين. ومع ذلك، وبسبب ظروف سياسية استثنائية، وصل هذا الشاب ابن الـ38 عاماً، إلى أعلى منصب في الجمهورية الفرنسية، قالباً الموازين، ومتخطياً الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، ومقدماً برنامجاً إصلاحياً ليبرالياً يسعى منذ 12 شهراً لوضعه موضع التنفيذ بلا تأخير، ورغم الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي تقف بوجهه، بما فيها الإضرابات التي تعيشها فرنسا منذ نحو الشهر في قطاع سكك الحديد والطيران التجاري والطلاب والمتقاعدين.
لا يخاف ماكرون أن يطلق عليه اسم «رئيس الأغنياء» بسبب التدابير الاقتصادية التي أقرها، ومنها إلغاء الضريبة على الثروة وإلغاء ضريبة «الهرب المالي» للشركات وأصحاب رؤوس الأموال إلى فضاءات ضريبية أكثر تسامحاً، وتعديل قانون العمل لجعله أكثر طواعية بأيدي أرباب العمل. ويبدو أن هذه التدابير من النوع الذي يرضي اليمين الفرنسي؛ لأن آخر استطلاع للرأي نشرت نتائجه صحيفة «لوفيغارو» اليمينية يبيّن «رضا» اليمين على ماكرون؛ لأنه كسب 14 نقطة لدى محازبي «الجمهوريون» وهو الحزب اليميني الكلاسيكي، بينما تهاوت شعبيته لدى اليسار واليسار المتشدد، وأخذت الطبقة المتوسطة تبتعد عنه بسبب سياساته الضريبية ثقيلة الوطأة عليها.
منذ اليوم وحتى الرابع عشر من الشهر الحالي، موعد الذكرى الأولى لانتخابه، سيكتب الكثير عن ماكرون وعن سياساته في الداخل فيما خص سياسته الخارجية. فالرجل وصل إلى الرئاسة حاملاً طموحات خارجية كبرى، أولها إعادة فرنسا إلى الخريطة الدبلوماسية العالمية وقبلها الأوروبية. فأوروبا كانت في حالة من الوهن والتراجع بسبب تقدم اليمين المتطرف والتمزقات بين أعضاء الاتحاد والسياسات «المارقة» لعدد من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، (المجر، تشيكيا، سلوفاكيا، رومانيا)، والعجز عن التوصل إلى تفاهم لإدارة ملف الهجرات الكثيفة التي بدأت بالوصول إليها مع بداية عام 2015.
يضاف إلى ذلك كله، أن نجم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الشريك الأول لفرنسا كان قد بدأ بالأفول، وهو ما أظهرته الانتخابات التشريعية الخريف الماضي والصعوبات التي واجهتها المستشارة في تشكيل حكومة ائتلافية. وأخيراً، كانت أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) تشكل «خطراً وجودياً» على مستقبل الاتحاد، بل بعض التوقعات المتشائمة توقعت تهاويه إذا سار أعضاء آخرون على خطى لندن.
وسط هذه الغيوم الداكنة المهيمنة على أوروبا، وصل إلى الإليزيه رئيس شاب عديم الخبرة في السياسة الدولية، في حين بدأت بالظهور بعض مؤشرات العودة إلى أيام «الحرب الباردة» بين الشرق ممثّلاً بروسيا، والغرب ممثلاً بالولايات المتحدة الأميركية التي يحكمها رئيس أقل ما يقال فيه إنه من طراز خاص. بيد أن الرئيس الشاب معتنق مبدأ «البراغماتية» في السياسة الخارجية، دشن عهده بالسعي لبناء «علاقة خاصة» مع دونالد ترمب ومن غير إهمال نظيره الروسي فلاديمير بوتين. التقى الأول بعد أيام قليلة من انتخابه في بروكسل ولاحقاً في إيطاليا، في العاصمة البلجيكية بمناسبة قمة الحلف الأطلسي في 24 مايو (أيار) من العام الماضي، وفي مدينة تاورمينا الإيطالية بعد أيام قليلة بمناسبة قمة مجموعة السبع. ومنذ الدقائق الأولى، سعى ماكرون لنسج «علاقات خاصة» مع ترمب، بينما كان السياسيون والمثقفون، فضلاً عن الصحافة الأوروبية، تصب حممها على هذا الرئيس «المتقلب» القادم من عالم آخر (المال والأعمال) إلى نادي رجال الدولة. ونجح ماكرون في ذلك، وجاءت الترجمة العملية في دعوته ترمب ليكون ضيف الشرف بمناسبة العيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو (تموز) 2017 والعرض العسكري في جادة الشانزلزيه، فضلاً عن عشاء «خاص» رباعي جمع ماكرون وترمب وزوجتيهما في أحد أشهر المطاعم الفرنسية. ورد ترمب التحية بأفضل منها، حيث دعا ماكرون في أول زيارة دولة منذ وصوله إلى البيت الأبيض. واكتشفت شاشات التلفزة في العالم كله عدد المرات التي قبّل فيها ترمب ضيفه الفرنسي، وكم مرة تصافحا.
غير أن القُبل والمصافحات لا تبني سياسة ولا تحقق إنجازات. وهذه التجربة المرّة عاشها ماكرون، حيث إن ترمب لم يتردد في سحب الولايات المتحدة من اتفاقية المناخ الموقعة في باريس نهاية عام 2015، أو في الخروج من اليونيسكو ومن منظمات دولية أخرى، ولا في فرض رسوم باهظة على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن قراره إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وقرار نقلها في السادس من الشهر الحالي. وأخيراً وليس آخراً، عزمه على «تمزيق» الاتفاق النووي مع إيران الموقع صيف عام 2015، رغم كل المساعي التي بذلها ماكرون خلال زيارته الأخيرة لواشنطن وقبلها وبعدها.
وباختصار، فإن حصيلة سياسة ماكرون «الأميركية» جاءت سلبية، وليس فيها ما يستطيع التوكؤ عليها، للزعم أنه نجح في تغيير مخططات ترمب الذي يدير شؤون أميركا ويؤثر على شؤون العالم بتغريداته الصباحية. وليس من يستطيع اليوم أن يحكم على ما سيقوم به ترمب في الثاني عشر من الشهر الحالي، وما بعده بالنسبة للملف النووي الإيراني. وآخر المحاولات (أو الخطط) التي طرحها ماكرون الذي يسعى لإبرام اتفاق جديد مع إيران يبقي على اتفاق 2015، لكن يستكمل باتفاق حول النشاطات النووية الإيرانية لما بعد عام 2025، إضافة إلى «احتواء» برامج طهران الصاروخية والباليستية وسياستها الإقليمية في اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، والخليج. لكن مصير ما يقترحه الرئيس الفرنسي يبقى مربوطاً بما سيراه ترمب، وبما تقبل طهران ومعها موسكو التفاوض حوله، علماً بأن الطرفين يرفضان رفضاً مطلقاً العودة إلى التفاوض بشأن اتفاق 2015.
ثمة ملف ربما يستطيع الرئيس الفرنسي أن يدعي أنه نجح في لي ذراع ترمب بصدده، وهو الملف السوري. ففي مقابلة تلفزيونية منتصف الشهر الماضي، قال ماكرون، إنه «نجح» في حمل ترمب على الإبقاء على القوات الأميركية في سوريا التي كان الأول يريد إعادتها إلى بلاده في «أسرع وقت». كذلك، أفاد ماكرون بأن باريس عملت على حصر الضربات العسكرية الثلاثية مع واشنطن ولندن، والابتعاد عن استفزاز روسيا وإيران. وجاء الرد سريعاً من البيت الأبيض لينفي ما أكده ماكرون، ومن وزارة الدفاع التي أفادت بأن القرار كان أميركياً محضاً. وفي أي حال، فإن مبادرات ماكرون في الملف السوري كانت بلا نتيجة عملية، فلا خطته إطلاق «مجموعة عمل» مشكلة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن أينعت ثماراً، ولا اجتماعات «المجموعة الضيقة» المشكلة من الدول الغربية الثلاث (فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة)، تضاف إليها ألمانيا والسعودية والأردن، أفضت إلى نتيجة. والخلاصة، أن «مفتاح» الحرب في سوريا موجود بالأحرى لدى مجموعة آستانة (روسيا وإيران وتركيا)، في حين الورقة ربما الوحيدة التي يملكها الغربيون هي الوجود العسكري في شرق وشمال سوريا، الذي يمكن أن يكون مفيداً عند بدء البحث جدياً في صورة الحل النهائي في سوريا.
في اقترابه من ترمب، لم ينس ماكرون بوتين الذي فرش تحت قدميه السجاد الأحمر بعد أسبوعين من فوزه الرئاسي، حيث دعاه إلى قصر فرساي التاريخي نهاية مايو الماضي، وتوافق معه على العمل معاً بشأن الملفات الساخنة. وكما في علاقته مع ترمب، فقد خطا ماكرون خطوات باتجاه الرئيس الروسي عندما تخلى عن شرط تنحي الأسد وجعل من «داعش» «عدو فرنسا، بينما الأسد عدو شعبه». وواظب ماكرون على هذه السياسة، فاتصل ببوتين قبل الضربات العسكرية، وحرص على التأكيد له أنها تستهدف فقط المواقع الكيماوية للنظام، كما اتصل به بعد الضربة. وها هو يتأهب لزيارة روسيا يومي 24 و25 الحالي. لكن كما في العلاقات مع واشنطن، لم يحصل ماكرون على أي نتيجة تذكر في تعاطيه مع روسيا، رغم أنه يريد أن يظهر بمظهر القادر على لعب دور الوسيط بين الجبارين، بينما القادة الغربيون الآخرون غائبون.
لدى وصوله إلى الإليزيه، كان حلم ماكرون الأول إعادة وضع الاتحاد الأوروبي على سكة الاندماج وطرح لذلك خطة طموحة نص على خطوطها العريضة برنامجه الانتخابي، وفصّلها في خطابين رئيسيين في جامعة السوربون في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي والشهر الماضي في خطاب أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ. لكن الواقع الأليم يبيّن أنه رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الدبلوماسية الفرنسية، والتهليل الذي صاحب خطب ماكرون، لم يتحقق شيء ملموس حتى اليوم، بل إن ماكرون أغاظ بلدان أووربا الشرقية والوسطى ولم يلق التجاوب الكافي من ميركل.
وهكذا، فإن أول «إنجاز» خارجي لماكرون، وفق الاختصاصيين هو أنه «حسّن» صورة فرنسا في العالم وأعاد لها تألقها. إلا أن باريس بقيت غائبة عن الملف الفلسطيني ــ الإسرائيلي، باستثناء تعبير ماكرون عن «معارضته» مبادرات ترمب، وغير مؤثرة لا في الحرب العراقية ولا في أزمة الخليج والحرب في اليمن. ومع ذلك، فإن الدبلوماسية الفرنسية لا تفتقر للمبادرات، كالمؤتمر الذي نظم لدعم الاستثمار في لبنان ومساعدته في إرساء استقراره وسيادته، أو المؤتمر الدولي الخاص بمحاربة الإرهاب، في حين تحضّر باريس لمؤتمر عن الأوضاع الإنسانية في اليمن.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.