دعا المعارض الارمني، نيكول باشينيان، أمس أنصاره إلى وقف المظاهرات، مؤكدا أنه نال تأييد القوى السياسية الأربع الموجودة في البرلمان لانتخابه رئيسا للوزراء في الثامن من مايو (أيار)، ما يمهد لانفراجة محتملة في الأزمة.
وقال باشينيان أمام عشرات الآلاف من أنصاره في ساحة الجمهورية في وسط يريفان: «قالت كل الكتل (البرلمانية) إنها ستدعم ترشحي. تمت تسوية القضية». وأضاف: «سنوقف تحركنا ونذهب لنستريح»، داعيا التلاميذ والطلاب إلى استئناف الدراسة. وتابع أنه «في الثامن من مايو (أيار)، سنكون 500 ألف هنا وسنعلن انتصارنا».
ويأتي ذلك عقب دخول التطورات المتسارعة في أرمينيا مرحلة حاسمة أول من أمس، ما أدى إلى اتجاه الأنظار إلى تداعيات الوضع في الجمهورية القوقازية على السياسة الروسية على الصعيدين الإقليمي في الفضاء السوفياتي السابق، والدولي المتعلق بعدد من الأزمات المعقدة، بينها تطورات الوضع في سوريا، والنزاع مع أذربيجان على مرتفعات قره باخ، والعلاقة الوثيقة التي ربطت حتى الآن أرمينيا بإيران.
وشكل التصويت في البرلمان الأرميني، أول من أمس، نقطة تحول في حراك الشارع بعد فشل زعيم المعارضة باشينيان في حشد أصوات 53 نائبا لصالح ترشيحه لشغل منصب رئاسة الوزراء، وهو المقعد الذي يمنح شاغله صلاحيات واسعة وفقا لتعديلات دستورية فصلت على مقاس الرئيس الأرميني السابق، سيرج سيركيسيان، الذي كان يأمل في مواصلة تحكمه بمقاليد السلطة عبر توليه رئاسة الحكومة، لكن الاحتجاجات المتواصلة منذ 13 أبريل (نيسان) الماضي أطاحت به.
وبدا أن الانتصار الجزئي للمعارضة بإطاحة سيركيسيان لم يساعدها في تحويله إلى فوز كامل لـ«الثورة المخملية» عبر تسلم السلطة وبدء الإصلاحات التي وعد بها باشينيان، مما دفع بالحراك الاحتجاجي إلى تصعيد مواجهته في الشارع أمس. وقطع المشاركون في الاحتجاجات المؤيدة الطرق الرئيسية الواصلة بين المدن، كما عطّلوا حركة المرور في العاصمة يريفان تلبية لنداء زعيم المعارضة، الذي دعا للإضراب العام صباح اليوم.
وذهبت الاحتجاجات خطوة أبعد عبر قيام المتظاهرين بتطويق مباني الوزارات ومؤسسات مهمة، مثل البلديات في المدن الرئيسية، استجابة لدعوة باشينيان إلى «عصيان مدني»، وطالبوا رؤساء المدن بإعلان انضمامهم إلى حراك الشارع، مما يهدد ببدء فقدان السلطات المركزية السيطرة تدريجيا على الوضع في البلاد.
وأقر باشينيان أمس بأن الوضع في البلاد بلغ نقطة اللاعودة، وقال إنه لم تبق في البلاد أي منطقة لم تصل إليها الاحتجاجات، لكنه دعا أنصاره إلى فك حصار الشوارع الرئيسية مؤقتا من أجل السماح بوصول عشرات الألوف من أنصار المعارضة إلى تجمع حاشد غير مسبوق لجهة حجمه، نظمته المعارضة مساء أمس في يريفان، في استعراض لقوة المعارضة وقدرتها على ضبط تحركات الشارع.
في هذه الأجواء، التزمت موسكو الصمت وهي تراقب بقلق وحذر فائقين التطورات الأكثر حدة منذ بداية الأزمة، وكانت دعت أكثر من مرة إلى ضبط النفس والبحث عن حلول توافقية وأعلنت دعمها السلطات الشرعية في البلاد، من دون أن تقطع كل خيوط الاتصال مع المعارضة التي أعلنت أن موسكو تعهدت بعدم التدخل في شؤون أرمينيا الداخلية.
وبدأت أمس تبرز تقديرات متشائمة بالنسبة لروسيا حول تداعيات تطورات المشهد الأرميني على العلاقة مع موسكو، وعلى السياسات الروسية، رغم حرص زعيم المعارضة الأرمينية على التأكيد أن بلاده لا ترى في موسكو خصما، خلافا للوضع الذي ظهر بعد اندلاع «الثورات الملونة» في كل من أوكرانيا وجورجيا، علما بأن باشينيان شدد أكثر من مرة على «عدم وجود تشابه بين الوضع في أرمينيا والثورات التي شهدتها جمهوريات سوفياتية سابقة كانت تتطلع لمقاطعة روسيا والتقارب مع الغرب»، كما أكد أمام البرلمان في جلسة التصويت التي خسرها أن أرمينيا، في حال شغله مقعد رئاسة الوزراء، لن تنسحب من أي اتفاقات تربطها بروسيا وبالفضاء السوفياتي السابق وبـ«مجموعة أوراسيا» الاقتصادية ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهما تشكيلان يضمان جمهوريات سوفياتية سابقة وتقودهما موسكو.
ووجّه باشينيان رسائل طمأنة لموسكو بتأكيد أن «شعب أرمينيا لا يطالب بالتغيير في سياسة بلاده الخارجية». وأضاف أن لا صلة تربطه بالرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي والمعارض الروسي أليكسي نافالني، اللذين يعدان من دعاة «الثورات الملونة» في بلديهما، مؤكدا أنه لم يكن على اتصال بهما مطلقا.
وعلى الصعيد الداخلي، تعهد باشينيان بإيجاد توازن أفضل بين صلاحيات رؤساء الجمهورية والوزراء والبرلمان، مشيرا إلى أن النظام الحالي يمنح رئيس الوزراء سلطة مفرطة، مع اختزال صلاحيات رئيس الدولة إلى مستوى «موظف بسيط». واستبعد باشينيان اللجوء إلى القوة في الصراع على السلطة، واعدا بتجنب رد العنف بالعنف.
لكن كل هذه التأكيدات لم تخفف من عناصر القلق الروسي التي برزت في تغطيات وسائل الإعلام الروسية الرسمية، التي أصرت على وصف باشينيان بأنه «زعيم المتظاهرين» بدلا من تسميته زعيما للمعارضة، كما عقدت مقارنات مع أوكرانيا وجورجيا، وحذرت من أن مصير أرمينيا بصفتها دولة بات في مهب الريح.
ويبدو أن لقلق موسكو ما يبرره؛ إذ مهما كانت التعهدات التي تقدمها المعارضة الأرمينية حاليا، فإن تكريس انتصار واسع لها عبر تسلم السلطة بقوة الحراك في الشارع يوجّه طعنة قوية لموسكو التي حاربت فكرة الثورات الملونة بقوة، وحذّرت أكثر من مرة من أنها لن تسمح بتكرار سيناريو مماثل في روسيا. وبدا أمس أن هذه المخاوف بدأت تترجم عمليا؛ إذ منحت الاحتجاجات في أرمينيا زخما إضافيا لتحضيرات المعارضة الروسية لتنظيم أوسع احتجاجات في البلاد مع اقتراب موعد مراسم تسلم الرئيس فلاديمير بوتين منصبه رسميا المقررة الأسبوع المقبل، بعد فوزه في انتخابات الرئاسة التي جرت في 18 مارس (آذار) الماضي.
وعلى الصعيد الإقليمي، تزداد الخشية الروسية من فقدان حليف أساسي لموسكو في الفضاء السوفياتي السابق، مما يضعف من مواقعها الهشة أصلا خصوصا بعد تحول أوكرانيا وجورجيا إلى خصمين، وبعد تعزيز أذربيجان صلاتها بواشنطن. وفي آسيا الوسطى، تواصل روسيا خسارة مواقعها الثابتة لدى حلفاء أساسيين مثل أوزبكستان التي أعلنت منح واشنطن قواعد عسكرية، كما أن كازاخستان، وهي أقرب حلفاء موسكو، بدأت تتذمر أخيرا من عواقب المواجهة التي تخوضها موسكو مع الغرب، مما جعلها تنتهج سياسة أكثر تمايزا عن روسيا، كما ظهر من خلال موقفها في مجلس الأمن أخيرا، وتأييدها مشروع القرار الغربي حول «الكيماوي» السوري الذي أسقطه الفيتو الروسي.
ويرى خبراء روس أن موسكو قد تخسر القاعدة العسكرية الروسية في أرمينيا في حال فازت المعارضة، رغم أن آخرين يقللون من هذا الاحتمال لأن أرمينيا مهما كانت هوية رئيس الوزراء فيها ستظل بحاجة إلى الدعم الروسي في مواجهتها مع أذربيجان على مرتفعات قره باخ، المتنازع عليها بين البلدين.
وفي شأن السياسة الروسية في سوريا، رأى خبراء أن تطور الأحداث في أرمينيا قد يؤدي إلى انهيار الاتفاقات بين موسكو وأنقرة حول سوريا. وينطلق أصحاب هذه النظرية من أن المعارضة الأرمينية الليبرالية تروّج لشعارات قومية وتتمسك بموقف متشدد بشأن حل النزاع في منطقة قره باخ، مما يعني احتمال اندلاع مواجهات مع باكو التي تتلقى دعما واسعا من جانب تركيا، والتي قد تتدخل بشكل مباشر في هذه الحال. في المقابل، ستكون أمام إيران التي تدعم أرمينيا فرص أكبر لتعزيز وجودها الإقليمي من هذا المدخل.
وبالإضافة إلى تداعيات محتملة على توازنات اللاعبين الأساسيين حاليا في سوريا، فإن تغير المزاج السياسي للنخب الحاكمة في يريفان ينذر من وجهة نظر أوساط روسية بإخلال موازين القوى القائمة حاليا في حوض قزوين، علما بأن أرمينيا تشكل نقطة عبور برية مهمة للشحنات الروسية المتوجهة إلى إيران وتركيا ومنطقة الشرق الأوسط، وتنقل عبرها إلى إيران الأسلحة والمواد الغذائية والصادرات الأخرى، لأن استخدام بحر قزوين غير مناسب؛ إذ إن الموانئ الروسية مثل «استراخان» أو «محج قلعة» وغيرهما ليست قادرة على إرسال سفن كبيرة الحجم إلى إيران أو استقبالها.
تأييد الأحزاب الأرمنية لباشينيان يمهّد لتخفيف الاحتقان الشعبي
موسكو تخشى فقدان حليف أساسي في الفضاء السوفياتي السابق
متظاهرون يقطعون أحد شوارع العاصمة يريفان أمس (إ.ب.أ)
تأييد الأحزاب الأرمنية لباشينيان يمهّد لتخفيف الاحتقان الشعبي
متظاهرون يقطعون أحد شوارع العاصمة يريفان أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



