تأييد الأحزاب الأرمنية لباشينيان يمهّد لتخفيف الاحتقان الشعبي

موسكو تخشى فقدان حليف أساسي في الفضاء السوفياتي السابق

متظاهرون يقطعون أحد شوارع العاصمة يريفان أمس (إ.ب.أ)
متظاهرون يقطعون أحد شوارع العاصمة يريفان أمس (إ.ب.أ)
TT

تأييد الأحزاب الأرمنية لباشينيان يمهّد لتخفيف الاحتقان الشعبي

متظاهرون يقطعون أحد شوارع العاصمة يريفان أمس (إ.ب.أ)
متظاهرون يقطعون أحد شوارع العاصمة يريفان أمس (إ.ب.أ)

دعا المعارض الارمني، نيكول باشينيان، أمس أنصاره إلى وقف المظاهرات، مؤكدا أنه نال تأييد القوى السياسية الأربع الموجودة في البرلمان لانتخابه رئيسا للوزراء في الثامن من مايو (أيار)، ما يمهد لانفراجة محتملة في الأزمة.
وقال باشينيان أمام عشرات الآلاف من أنصاره في ساحة الجمهورية في وسط يريفان: «قالت كل الكتل (البرلمانية) إنها ستدعم ترشحي. تمت تسوية القضية». وأضاف: «سنوقف تحركنا ونذهب لنستريح»، داعيا التلاميذ والطلاب إلى استئناف الدراسة. وتابع أنه «في الثامن من مايو (أيار)، سنكون 500 ألف هنا وسنعلن انتصارنا».
ويأتي ذلك عقب دخول التطورات المتسارعة في أرمينيا مرحلة حاسمة أول من أمس، ما أدى إلى اتجاه الأنظار إلى تداعيات الوضع في الجمهورية القوقازية على السياسة الروسية على الصعيدين الإقليمي في الفضاء السوفياتي السابق، والدولي المتعلق بعدد من الأزمات المعقدة، بينها تطورات الوضع في سوريا، والنزاع مع أذربيجان على مرتفعات قره باخ، والعلاقة الوثيقة التي ربطت حتى الآن أرمينيا بإيران.
وشكل التصويت في البرلمان الأرميني، أول من أمس، نقطة تحول في حراك الشارع بعد فشل زعيم المعارضة باشينيان في حشد أصوات 53 نائبا لصالح ترشيحه لشغل منصب رئاسة الوزراء، وهو المقعد الذي يمنح شاغله صلاحيات واسعة وفقا لتعديلات دستورية فصلت على مقاس الرئيس الأرميني السابق، سيرج سيركيسيان، الذي كان يأمل في مواصلة تحكمه بمقاليد السلطة عبر توليه رئاسة الحكومة، لكن الاحتجاجات المتواصلة منذ 13 أبريل (نيسان) الماضي أطاحت به.
وبدا أن الانتصار الجزئي للمعارضة بإطاحة سيركيسيان لم يساعدها في تحويله إلى فوز كامل لـ«الثورة المخملية» عبر تسلم السلطة وبدء الإصلاحات التي وعد بها باشينيان، مما دفع بالحراك الاحتجاجي إلى تصعيد مواجهته في الشارع أمس. وقطع المشاركون في الاحتجاجات المؤيدة الطرق الرئيسية الواصلة بين المدن، كما عطّلوا حركة المرور في العاصمة يريفان تلبية لنداء زعيم المعارضة، الذي دعا للإضراب العام صباح اليوم.
وذهبت الاحتجاجات خطوة أبعد عبر قيام المتظاهرين بتطويق مباني الوزارات ومؤسسات مهمة، مثل البلديات في المدن الرئيسية، استجابة لدعوة باشينيان إلى «عصيان مدني»، وطالبوا رؤساء المدن بإعلان انضمامهم إلى حراك الشارع، مما يهدد ببدء فقدان السلطات المركزية السيطرة تدريجيا على الوضع في البلاد.
وأقر باشينيان أمس بأن الوضع في البلاد بلغ نقطة اللاعودة، وقال إنه لم تبق في البلاد أي منطقة لم تصل إليها الاحتجاجات، لكنه دعا أنصاره إلى فك حصار الشوارع الرئيسية مؤقتا من أجل السماح بوصول عشرات الألوف من أنصار المعارضة إلى تجمع حاشد غير مسبوق لجهة حجمه، نظمته المعارضة مساء أمس في يريفان، في استعراض لقوة المعارضة وقدرتها على ضبط تحركات الشارع.
في هذه الأجواء، التزمت موسكو الصمت وهي تراقب بقلق وحذر فائقين التطورات الأكثر حدة منذ بداية الأزمة، وكانت دعت أكثر من مرة إلى ضبط النفس والبحث عن حلول توافقية وأعلنت دعمها السلطات الشرعية في البلاد، من دون أن تقطع كل خيوط الاتصال مع المعارضة التي أعلنت أن موسكو تعهدت بعدم التدخل في شؤون أرمينيا الداخلية.
وبدأت أمس تبرز تقديرات متشائمة بالنسبة لروسيا حول تداعيات تطورات المشهد الأرميني على العلاقة مع موسكو، وعلى السياسات الروسية، رغم حرص زعيم المعارضة الأرمينية على التأكيد أن بلاده لا ترى في موسكو خصما، خلافا للوضع الذي ظهر بعد اندلاع «الثورات الملونة» في كل من أوكرانيا وجورجيا، علما بأن باشينيان شدد أكثر من مرة على «عدم وجود تشابه بين الوضع في أرمينيا والثورات التي شهدتها جمهوريات سوفياتية سابقة كانت تتطلع لمقاطعة روسيا والتقارب مع الغرب»، كما أكد أمام البرلمان في جلسة التصويت التي خسرها أن أرمينيا، في حال شغله مقعد رئاسة الوزراء، لن تنسحب من أي اتفاقات تربطها بروسيا وبالفضاء السوفياتي السابق وبـ«مجموعة أوراسيا» الاقتصادية ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهما تشكيلان يضمان جمهوريات سوفياتية سابقة وتقودهما موسكو.
ووجّه باشينيان رسائل طمأنة لموسكو بتأكيد أن «شعب أرمينيا لا يطالب بالتغيير في سياسة بلاده الخارجية». وأضاف أن لا صلة تربطه بالرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي والمعارض الروسي أليكسي نافالني، اللذين يعدان من دعاة «الثورات الملونة» في بلديهما، مؤكدا أنه لم يكن على اتصال بهما مطلقا.
وعلى الصعيد الداخلي، تعهد باشينيان بإيجاد توازن أفضل بين صلاحيات رؤساء الجمهورية والوزراء والبرلمان، مشيرا إلى أن النظام الحالي يمنح رئيس الوزراء سلطة مفرطة، مع اختزال صلاحيات رئيس الدولة إلى مستوى «موظف بسيط». واستبعد باشينيان اللجوء إلى القوة في الصراع على السلطة، واعدا بتجنب رد العنف بالعنف.
لكن كل هذه التأكيدات لم تخفف من عناصر القلق الروسي التي برزت في تغطيات وسائل الإعلام الروسية الرسمية، التي أصرت على وصف باشينيان بأنه «زعيم المتظاهرين» بدلا من تسميته زعيما للمعارضة، كما عقدت مقارنات مع أوكرانيا وجورجيا، وحذرت من أن مصير أرمينيا بصفتها دولة بات في مهب الريح.
ويبدو أن لقلق موسكو ما يبرره؛ إذ مهما كانت التعهدات التي تقدمها المعارضة الأرمينية حاليا، فإن تكريس انتصار واسع لها عبر تسلم السلطة بقوة الحراك في الشارع يوجّه طعنة قوية لموسكو التي حاربت فكرة الثورات الملونة بقوة، وحذّرت أكثر من مرة من أنها لن تسمح بتكرار سيناريو مماثل في روسيا. وبدا أمس أن هذه المخاوف بدأت تترجم عمليا؛ إذ منحت الاحتجاجات في أرمينيا زخما إضافيا لتحضيرات المعارضة الروسية لتنظيم أوسع احتجاجات في البلاد مع اقتراب موعد مراسم تسلم الرئيس فلاديمير بوتين منصبه رسميا المقررة الأسبوع المقبل، بعد فوزه في انتخابات الرئاسة التي جرت في 18 مارس (آذار) الماضي.
وعلى الصعيد الإقليمي، تزداد الخشية الروسية من فقدان حليف أساسي لموسكو في الفضاء السوفياتي السابق، مما يضعف من مواقعها الهشة أصلا خصوصا بعد تحول أوكرانيا وجورجيا إلى خصمين، وبعد تعزيز أذربيجان صلاتها بواشنطن. وفي آسيا الوسطى، تواصل روسيا خسارة مواقعها الثابتة لدى حلفاء أساسيين مثل أوزبكستان التي أعلنت منح واشنطن قواعد عسكرية، كما أن كازاخستان، وهي أقرب حلفاء موسكو، بدأت تتذمر أخيرا من عواقب المواجهة التي تخوضها موسكو مع الغرب، مما جعلها تنتهج سياسة أكثر تمايزا عن روسيا، كما ظهر من خلال موقفها في مجلس الأمن أخيرا، وتأييدها مشروع القرار الغربي حول «الكيماوي» السوري الذي أسقطه الفيتو الروسي.
ويرى خبراء روس أن موسكو قد تخسر القاعدة العسكرية الروسية في أرمينيا في حال فازت المعارضة، رغم أن آخرين يقللون من هذا الاحتمال لأن أرمينيا مهما كانت هوية رئيس الوزراء فيها ستظل بحاجة إلى الدعم الروسي في مواجهتها مع أذربيجان على مرتفعات قره باخ، المتنازع عليها بين البلدين.
وفي شأن السياسة الروسية في سوريا، رأى خبراء أن تطور الأحداث في أرمينيا قد يؤدي إلى انهيار الاتفاقات بين موسكو وأنقرة حول سوريا. وينطلق أصحاب هذه النظرية من أن المعارضة الأرمينية الليبرالية تروّج لشعارات قومية وتتمسك بموقف متشدد بشأن حل النزاع في منطقة قره باخ، مما يعني احتمال اندلاع مواجهات مع باكو التي تتلقى دعما واسعا من جانب تركيا، والتي قد تتدخل بشكل مباشر في هذه الحال. في المقابل، ستكون أمام إيران التي تدعم أرمينيا فرص أكبر لتعزيز وجودها الإقليمي من هذا المدخل.
وبالإضافة إلى تداعيات محتملة على توازنات اللاعبين الأساسيين حاليا في سوريا، فإن تغير المزاج السياسي للنخب الحاكمة في يريفان ينذر من وجهة نظر أوساط روسية بإخلال موازين القوى القائمة حاليا في حوض قزوين، علما بأن أرمينيا تشكل نقطة عبور برية مهمة للشحنات الروسية المتوجهة إلى إيران وتركيا ومنطقة الشرق الأوسط، وتنقل عبرها إلى إيران الأسلحة والمواد الغذائية والصادرات الأخرى، لأن استخدام بحر قزوين غير مناسب؛ إذ إن الموانئ الروسية مثل «استراخان» أو «محج قلعة» وغيرهما ليست قادرة على إرسال سفن كبيرة الحجم إلى إيران أو استقبالها.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».