شهد عيد العمل، أمس، مظاهرات حاشدة في عدة دول عبر العالم للدفاع عن حقوق العمال والاحتجاج ضد إصلاحات اقتصادية كتلك التي تشهدها فرنسا، فيما اتخذ بعضها صبغة سياسية غطّت على المطالب الاقتصادية التقليدية كالمطالبة باستقالة وزير العمل في إيران، والتصدي لصعود اليمين المتطرف في ألمانيا، والاحتجاج ضد تمديد حالة الطوارئ في تركيا.
وفي إيران، اعتقلت السلطات 6 أشخاص، أمس، في طهران خلال مظاهرة غير مرخصة لعمال ومدرسين بمناسبة عيد العمال، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن وكالة «إيلنا» القريبة من الأوساط النقابية. وقالت الوكالة إن «عدداً كبيراً من العمال» والمدرسين تجمعوا في وسط طهران، احتجاجاً على منعهم من إحياء عيد العمال وعرض مطالبهم على الحكومة. ونقلت الوكالة أيضاً عن مسؤول نقابي أن العمال ليسوا «معارضين»، لكنهم يطالبون «بحياة لائقة مع تأمين وظائف». وتحولت المظاهرة من احتجاجات بمناسبة عيد العمال إلى مطالبات بإقالة وزير العمل علي ربيعي أمام البرلمان. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية، باللغة الفارسية، «بي بي سي فارسي»، أن عدد الوقفات العمالية وصل إلى 17 يومياً خلال الـ12 شهراً الماضية.
وشهدت إيران نهاية العام الماضي موجة مظاهرات عنيفة رفضاً لتدهور الظروف المعيشية. وقُتل 25 شخصاً على الأقل خلال هذه الاضطرابات التي وقعت في مدن إيرانية عدة. ومذاك، يشير بعض وكالات الأنباء ومواقع التواصل الاجتماعي إلى استياء في صفوف العمال يترجم في مظاهرات خارج طهران.
وتميز إحياء عيد العمال في فرنسا بمواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، إذ استخدمت الشرطة مدافع المياه والغاز المسيل للدموع أمس، لتفريق مئات المحتجين الملثمين، بعدما حطموا نوافذ محال تجارية وألقوا القنابل الحارقة في بداية مسيرة يوم العمال السنوية في باريس.
وقالت السلطات إن نحو 1200 محتجّ ملثم يرتدون ملابس سوداء ظهروا على هامش المظاهرة السنوية التي تنظمها النقابات العمالية. وحطم المحتجون نوافذ عدة شركات، بينها مرأب تابع لشركة «رينو» للسيارات ومطعم لـ«مكدونالدز» على طريق في شرق باريس، وأشعلوا النار في مركبة إنشاء. وندد وزير الداخلية جيرار كولومب، بالعنف وقال إن السلطات ستفعل كل ما في وسعها لاعتقال الجناة.
وردد المحتجون شعارات مناهضة للفاشية، ولوحوا بالأعلام السوفياتية وبلافتات تحمل عبارات معادية للحكومة، وألقوا بالألعاب النارية، وبدأ بعضهم إقامة حواجز.
وانخرط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في معركة مع النقابات العمالية بسبب خططه لتحرير قواعد ولوائح العمل. وبدأ العاملون في السكك الحديدية إضراباً في أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر، في نزاع بشأن خطة الحكومة المزمعة لإصلاح شركة (إس إن سي إف) للسكك الحديدية التي تديرها الدولة.
أما في ألمانيا، فكانت الدعوة للتصدي لليمين المتطرف والنازيين الجدد القاسم المشترك لمظاهرات الأول من مايو (أيار) التي شملت معظم المدن الألمانية، أمس. وكانت استجابة المتظاهرين للشعارات المركزية التي ترفعها النقابات العمالية، والتي تدعو إلى التعدد والتسامح ورفض العنصرية والتطرف، بارزة في المدن الألمانية الشرقية التي تشهد تصاعداً في نشاط اليمين المتطرف منذ سنوات. وهي مظاهرات تلعب فيها النقابات العمالية دوراً أساسياً، وتشارك فيها عشرات التنظيمات اليسارية والبيئية والعمالية والإنسانية الألمانية والأجنبية.
وفي مدينة كيمنتس، ناشد رئيس حكومة ولاية سكسونيا الألمانية خلال مسيرة اتحاد النقابات بالولاية، جميع المواطنين الالتزام بالتصدي للتطرف اليميني. وقال ميشائيل كريتشمر، في المدينة الواقعة في ولاية سكسونيا الشرقية إن «مكافحة التطرف اليميني لا تتم من خلال التطرف اليساري. ولكن لا بد أن ينبع ذلك من وسط المجتمع». وأعرب كريتشمر عن امتنانه لنحو ألفي متظاهر شاركوا في مسيرة اتحاد النقابات بولاية سكسونيا على حضورهم.
من جانبهم، احتفل الروس، أمس، كعادتهم في كل عام بعيد العمال على طريقتهم الخاصة، إذ شهدت عشرات المدن الروسية مسيرات وظّفتها الأحزاب والقوى السياسية لرفع شعاراتها وإبراز خصوصيتها. وبعدما كان العيد حكراً على الشيوعيين في عهود مضت، غدا مناسبة لتنظيم تجمعات حاشدة لا تحتاج إلى ترخيص خاص من السلطات الأمنية وفقاً للقوانين المعمول بها منذ سنوات. ولَم يخل العيد في هذا العام من منغصات، إذ اعتقلت الأجهزة الأمنية عشرات في عاصمة الشمال سان بطرسبورغ وجدوا في العيد العالمي مناسبة لرفع شعارات تندد بالتضييق على التظاهر، وفرض قيود على وسائل التواصل الاجتماعي.
وكان عيد العمال يحمل اسمه «العالمي» خلال العهد السوفياتي، ودرجت الدولة المنهارة على تنظيم أوسع عروض عسكرية في هذه المناسبة كانت تنتهي عادةً بمسيرات مركزية حاشدة في المدن الكبرى. وشهدت روسيا في الأول من مايو 1990 آخر هذه العروض الرسمية والمسيرات الكبيرة، في وقت كانت الدولة العظمى في السابق تلفظ أنفاسها الأخيرة. وبعد ذلك مباشرة تغير العيد بالنسبة إلى الروس وتغيرت معالم إحياء المناسبة، فغدا عيد الربيع والعمل، وغابت المسيرات المركزية وحلّت مكانها تجمعات متنوعة تنظمها الأحزاب والقوى، بالإضافة إلى أن هذا اليوم أصبح مناسبة لملايين الروس لممارسة طقوس التجول في الساحات العامة. وشهدت موسكو أمس، مسيرات انطلقت من الساحة الحمراء قرب الكرملين، وفاعليات سياسية واجتماعية وثقافية متنوعة شارك فيها نحو 150 ألف شخص وفقاً لتقديرات وسائل إعلام حكومية.
وسجلت المؤسسات المختصة تنظيم نحو 500 مسيرة و400 موكب في عشرات المدن الروسية بدأت من مدينة فلاديفستوك في أقصى شرق روسيا، حيث سارت في شوارع المدينة مسيرة تحت شعار «في سبيل عمل لائق وأجور مجزية وعيش رغيد». وامتدت لتشمل كل الأقاليم وصولاً إلى إقليم كاليننغراد في أقصى غرب البلاد.
ونقلت عدسات التلفزة مشاهد احتجاز أفراد في أكثر من مدينة بسبب رفع شعارات مناهضة لسياسات الكرملين، كان أبرزها في بطرسبورغ، حيث كان الشعار المرفوع يندد بإغلاق تطبيق «تليغرام» في روسيا، والتلويح بإغلاق تطبيقات التواصل الاجتماعي المماثلة تحت ذريعة استخدامها من جانب إرهابيين. لكن هذه المشاهد لم تطغَ على المناسبة التي لم تعد عيداً «حزبياً» يقتصر على فئات معينة في المجتمع، وتحول عيداً وطنياً جامعاً، زاد من اتساع الفئات التي تعده، بين أبرز أعياد روسيا، أنه بات يجمع في اسمه بين الربيع والعمل.
وفي لبنان، نبّه رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، من أن خطر البطالة متفشٍّ في لبنان بصورة لم نشهد لها مثيلاً في السابق، وأكد أنه لن يدخر جهداً لـ«تعزيز أوضاع العمال والحفاظ على حقوقهم وحمايتهم من منافسة اليد الأجنبية، التي باتت تؤثر بشكل سلبي على أمانهم الاجتماعي الذي يعد خطاً أحمر بالنسبة إليهم»، داعياً إلى «الإقبال على كل مجالات العمل وبخاصة منها الحرفية التي تزخر بالكثير من الإمكانات والفرص التي يجب ألا تضيع على اللبنانيين، فيستفيد منها سواهم». وأشار عون إلى «حرصه على دعم تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد منتج بدلاً من أن يظل ريعياً، وتعزيز الإنماء المتوازن لخلق المزيد من فرص العمل، وخصوصاً للشباب».
ووجه عون كلمة إلى العمال في عيدهم، مقدّراً فيها جهودهم التي «تسهم بجدارة في إدارة عجلة الاقتصاد والإنتاج، رغم كل الصعوبات التي تواجهها»، وذكّر كل عامل، وموظف، وحرفي، في القطاعين العام والخاص، بأن كل عمل يقومون به هو «في خدمة مجتمعهم وعائلاتهم، وتقتضي الأمانة، بأن يكونوا على الدوام مثال النزاهة والإخلاص فيما يؤدونه وينجزونه، لأنهم بذلك يسهمون في نشر الشفافية، وتمتين الأسس الأخلاقية التي تجعل من وطنهم دولة حديثة ومزدهرة»، مشدداً في الوقت نفسه على «دور الدولة عبر أجهزتها الرقابية، والقضائية، في توطيد مبدأ المحاسبة، وتطبيقه بلا تمييز».
أما في المغرب، فقد هيمن الاستياء من حكومة سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، على مهرجانات الاتحادات العمالية المغربية بمناسبة يوم العمال. وانتقد الزعماء النقابيون السياسة الحكومية، واتهموها بالتبعية لتوجيهات صندوق النقد الدولي على حساب مصالح المغرب والمغاربة، منتقدين استمرار حكومة العثماني على نهج حكومة سلفه عبد الإله بن كيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، في تغييب الحوار الاجتماعي وضرب حرية العمل النقابي وتجميد الأجور المتواصل منذ 2012، وطالبت النقابات بإقرار زيادات عامة في أجور العمال والموظفين، وسحب مشروع قانون الإضراب ومشروع القانون المتعلق بالنقابات والتراجع عن تعديل قانون الشغل باتجاه المزيد من المرونة.
وأعلنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (اتحاد عمالي يساري مغربي) عزمها على خوض سلسلة من الاحتجاجات في مواجهة ما وصفته بـ«الاستخفاف الحكومي بالحركة النقابية وبالمطالب المادية والاجتماعية للعمال». ودعا عبد القادر الزاير، الأمين العام للكونفدرالية بالنيابة إلى تنظيم مسيرات بالشموع مساء يوم 26 من الشهر الحالي في جميع مناطق المغرب. كما لوح بالدعوة إلى إضراب عام يوم 20 يونيو (حزيران)، وهو اليوم الذي يصادف ذكرى أحداث 20 يونيو 1981 بالمغرب المعروفة بـ«انتفاضة الخبز». ووصف الزاير العرض الذي قدمته الحكومة للنقابات في إطار الحوار الاجتماعي عشية أول مايو بـ«العرض المذلّ للطبقة العاملة»، مشيراً إلى أن العرض الحكومي كان هزيلاً وجزئياً ولا يشمل كل الموظفين وعمال القطاع الخاص.
وأضاف الزاير أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل قدمت للحكومة عرضاً بديلاً في سياق ردها على عرضها، والذي تضمن اقتراح زيادة عامة في أجور القطاع الخاص بنسبة 10%، وزيادة عامة في أجور الموظفين لا تقل عن 600 درهم (67 دولاراً) صافية، ورفع التعويضات العائلية إلى 400 درهم (45 دولاراً) عن كل طفل، وتخفيض الضريبة على الدخل، والعودة إلى التفاوض الثلاثي على طاولة واحدة تجمع النقابات والحكومة وأصحاب العمل.
وعبّر الميلودي المخارق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، عن خيبة أمله في حكومة العثماني بعد عام من تنصيبها، كونها واصلت نفس سياسة الحكومة السابقة التي كان يرأسها ابن كيران من خلال «استمرارها في تكريس عدائها للعمال والعاملات، وفي التضييق على العمل النقابي»، على حد قوله. وأضاف المخارق: «كنا نأمل غداة تنصيب الحكومة، حتى وإن احتفظت بالجزء الوفير من مكوناتها السابقة، أن تكون قراءتها للمشهد أكثر جرأة وموضوعية، وأكثر استحضاراً للأولويات الاجتماعية التي لا تحتمل التأجيل ولا المناورة والمراوغة، إلا أن السنة التي مرت من عمرها أكدت أن (حليمة وفية لعادتها القديمة)». وقال: «فما انتظرناه من عمل تصحيحي وإجراء تقويمي، تحول إلى مواصلة لنهج الحكومة السابقة، وسير على خطاها ومواصلة لما تسميه بالإصلاحات الهيكلية وما تعده حفاظاً على التوازنات المالية والاقتصادية دونما اعتبار لكلفتهما الاجتماعية وعواقب تبعاتهما التي تنذر الوقائع الحالية بتفاقمها مستقبلاً».
في المقابل، دعا رئيس الحكومة المغربية، النقابات إلى تغيير أسلوب تفاوضها مع الحكومة، وقبول العرض الذي اقتُرح عليها، وإرجاء بعض المطالب إلى مرحلة أخرى، «لأن انتظار تحقيق كل المطالب في آن واحد، يؤدي إلى تضرر بعض فئات المجتمع المغربي». وجاءت دعوة العثماني بعد أن رفضت جميع الاتحادات العمالية عرض الحكومة ووصفته بـ«الهزيل» بما فيها الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الذراع النقابية لحزبه. إلا أن العثماني لم يغلق باب الحوار، وقال إنه سيستمر إلى حين التوصل إلى اتفاق أفضل.
وفي تركيا، اعتقلت قوات الشرطة التركية، أمس، أكثر من 50 شخصاً من بين متظاهرين ضد تمديد حالة الطوارئ، حاولوا دخول ميدان تقسيم في وسط إسطنبول مرددين هتافات تطالب بإلغاء الطوارئ المفروضة منذ 20 يوليو (تموز) 2016. وجاءت المظاهرة الاحتجاجية تزامناً مع احتفال يوم العمال العالمي، حيث تغلق السلطات التركية ميدان تقسيم سنوياً لمنع المتظاهرين من إحياء ذكرى عمال من تنظيمات يسارية قُتلوا في مصادمات مع الشرطة في المكان نفسه عام 1971.
وكانت مسيرة عيد العمال في كوبا حاشدة، أمس، إذ شارك مئات الآلاف من الكوبيين في العاصمة هافانا 3 ثلاث ساعات في مظاهرة احتفالية حملت شعار «الوحدة والالتزام والانتصار». وقال أولزيس جويلارتي، رئيس نقابة (سي تي سي) الحكومية، وفق وكالة الأنباء الألمانية إن «هذه مظاهرة للقاعدة المتينة لثورتنا المجيدة، وللدعم الكبير للعمال والشعب من أجل تجديد أنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية».
يذكر أن عيد العمال يعد واحداً من أهم الأيام الاحتفالية في الجزيرة الاشتراكية الواقعة في بحر الكاريبي. وشارك في المسيرة التي جرى تنظيمها في ميدان الثورة الرئيس السابق راؤول كاسترو والرئيس الجديد ميغيل دياز - كانيل، وهو أول ظهور مشترك للرجلين منذ الحدث التاريخي لتسليم السلطة قبل أسبوعين.
مسيرات عيد العمال... بين المطالبات الاقتصادية والاستياء السياسي
عون يحذر من خطر البطالة في لبنان -العثماني يدعو النقابات المغربية لتغيير أسلوب تفاوضها -المتظاهرون الألمان يتصدون لليمين المتطرف -إيران وتركيا تعتقلان محتجين
اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية على هامش مسيرة عيد العمال في باريس أمس (أ.ف.ب)
مسيرات عيد العمال... بين المطالبات الاقتصادية والاستياء السياسي
اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية على هامش مسيرة عيد العمال في باريس أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








