اتفاق روسي ـ تركي ـ إيراني على «خطوات جديدة» في التسوية السورية

«اللقاء الثلاثي» يشدد على وقف النار ومواجهة محاولات «تقويض» مسار آستانة

وزير الخارجية الروسي يتوسط نظيريه التركي (يمين) والإيراني في موسكو أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي يتوسط نظيريه التركي (يمين) والإيراني في موسكو أمس (إ.ب.أ)
TT

اتفاق روسي ـ تركي ـ إيراني على «خطوات جديدة» في التسوية السورية

وزير الخارجية الروسي يتوسط نظيريه التركي (يمين) والإيراني في موسكو أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي يتوسط نظيريه التركي (يمين) والإيراني في موسكو أمس (إ.ب.أ)

أكدت موسكو وطهران وأنقرة ضرورة تثبيت وقف النار في سوريا، وتعزيز العمل في إطار مفاوضات آستانة، ومواجهة ما وُصف بـ«محاولات لتقويض الجهود الثلاثية لدفع التسوية السورية». واتفقت الأطراف الثلاثة على اتخاذ خطوات «جماعية وفردية» لضمان دفع العملية السياسية، والعودة إلى مسار تطبيق القرار 2254.
وعكست نتائج لقاء وزراء خارجية البلدان الضامنة وقف النار في سوريا إصرار الأطراف الثلاثة على ضبط تحرك مشترك في المرحلة المقبلة، بعد أن أجرى الوزراء تقويماً للموقف بعد الضربة العسكرية الغربية على سوريا وما تبعها من تطورات. ودلَّ البيان الختامي للقاء، والتأكيد المشترك في المؤتمر الصحافي الذي أعقبه، على توافق موسكو وطهران وأنقرة على خطوات مشتركة سيتم إطلاقها على مستويين «جماعي في الإطار الثلاثي» و«فردي من جانب كل بلد في المجموعة» في مواجهة التحركات الغربية الجارية التي وُصفت بأنها تهدف إلى إيجاد مسارات أخرى للتسوية السياسية تقوّض الجهد الثلاثي المبذول في آستانة.
وتضمن البيان الختامي تأكيداً على تثبيت وقف النار الذي «نجح» في خفض مستوى العنف، وتعزيز مسار آستانة، ودعوة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تقديم دعم «يصب في مصلحة كل السوريين».
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أجرى لقاءين منفصلين مع نظيريه الإيراني محمد جواد ظريف والتركي مولود جاويش أوغلو، قبل أن يبدأ الوزراء الثلاثة جولة محادثات جماعية ركزت على آفاق التحرك المشترك خلال المرحلة المقبلة. وكان لافتاً أن الوزراء الثلاثة تعمدوا عدم الإشارة إلى ملفات خلافية خلال مؤتمر صحافي مشترك عقدوه في ختام المحادثات، برغم بروز تباينات محدودة حيال سبل التعامل مع المجموعات المسلحة، كما ظهر من خلال دعوة تركيا إلى ضرورة تحديد الفصائل التي يمكن وصفها بأنها إرهابية قبل توجيه ضربات عسكرية ضدها في إدلب أو غيرها من المناطق.
وأكد لافروف، مجدداً، على النية المشتركة في مواجهة تداعيات الضربة العسكرية الغربية على سوريا، التي وصفها بأنها أعادت إمكانية الحل السياسي في هذا البلد إلى الوراء. وقال الوزير الروسي إن موسكو أعادت تأكيد موقفها بأن «الهجوم غير القانوني على سوريا يوم 14 أبريل (نيسان)، الذي نفذته الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، نُفّذ بذريعة مختلقة تماماً، دون انتظار بدء عمل خبراء منظمة حظر الأسلحة الكيماوية. هذا الهجوم بالطبع أعاد جهود التسوية السياسية إلى الوراء». وأشار إلى أن الأطراف الثلاثة تبنت بياناً مشتركاً «يؤكد التزامها الكامل بعدم وجود بديل عن الحل السياسي الدبلوماسي لتجاوز الأزمة في سوريا على أساس القرار 2254، وعلى أساس توصيات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي». وأشار إلى أن بلاده «اتفقت مع تركيا وإيران على اتخاذ خطوات محددة بشأن تسوية الأزمة السورية، ومواجهة محاولات تقويض جهود التسوية»، موضحاً أن الاتفاق تضمن «خطوات ملموسة ستتخذها بلداننا الثلاثة بشكل جماعي، وعلى أساس فردي، من أجل إعادة كل واحد منا إلى طريق التقدم المستدام نحو هدف تحقيق القرار 2254».
وزاد لافروف أن الثلاثي «أكد في الوقت ذاته أن مسار آستانة يقف بثبات ولا يمكن إيجاد بدائل عنه»، مشيراً إلى ضرورة مواصلة الجهود الثلاثية التي أثمرت «تقدماً ملموساً» على الأرض السورية. وتابع أن البلدان الثلاثة مواقفها متطابقة حيال عدم السماح بتقسيم سوريا وفق خطوط طائفية أو عرقية. وقال إن الدول الضامنة تعتبر مطالبة المعارضة السورية بتغيير الحكم في دمشق شرطاً مسبقاً لاستئناف مفاوضات جنيف، موقفاً «غير بناء».
وغمز بقوة من قناةٍ الغربَ، وقال إن ثمة أطرافاً تسعى إلى تقويض مسار آستانة، مذكّراً بأن المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا قال أخيراً إن «مسار آستانة استنفد إمكاناته». ورأى لافروف أن موقف دي ميستورا «يثير استغراباً لدى الأطراف الثلاثة»، مرجحاً أن يكون المبعوث الدولي «تعرض لضغوط» من جهات لم يحددها.
وفي إشارة إلى عزم موسكو مواصلة دعم العمليات العسكرية في مناطق سورية بعد مرحلة الغوطة الشرقية، قال لافروف إن «عمليات محاربة الإرهابيين في سوريا ستستمر بلا هوادة، حتى في مناطق وقف التصعيد»، مضيفاً أنه «على الأمم المتحدة إرسال إشارة واضحة للمعارضة السورية بضرورة أن تفصل نفسها عن الإرهابيين».
وفي إشارة نادرة حملت انتقاداً مبطناً للحكومة السورية، قال لافروف إن «موسكو تحث دمشق على إبداء مرونة أكثر والاستجابة البناءة فيما يتعلق بإيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا».
وأكد جاويش أوغلو، من جهته، على «الأهمية الكبرى» للقاء موسكو، مشيراً إلى التفاهم على خطوات جديدة في التسوية السورية. وشدد على تطابق المواقف مع موسكو حيال معارضة «محاولات عزل» صيغة آستانة التي وصفها بأنها «تعتبر المبادرة الوحيدة ذات الفاعلية». وقال إن الأطراف الثلاثة ستواصل العمل من خلالها، مشدداً على أن «علينا أن ننفذ اتفاقياتنا في آستانة، فهناك أطراف تحاول التقليل من جهودنا وهناك عناصر لها أجنداتها المختلفة، لكن نحن يجمعنا هدف واحد هو السلام لسوريا». وزاد أن مؤتمر سوتشي منح «زخماً إضافياً لعملية جنيف». وتوقف عند الملف الكردي، مشدداً على مطالبة الولايات المتحدة بـ«وقف دعم التشكيلات الكردية في سوريا»، معتبراً أن «وحدات حماية الشعب» الكردية في منبج تمثل تهديداً لوحدة الأراضي السورية، كما تمثل تهديداً لأمن تركيا. وزاد أنه «يجب تحديد الإرهابيين في منطقة إدلب السورية بدقة والقضاء عليهم»، لافتاً إلى أنه «من الضروري العمل مع الأمم المتحدة لضمان شرعية العملية السياسية في سوريا». ورأى أنه لا بديل عن التمسك بالحل السلمي للأزمة السورية، مشدداً على أن أي حل عسكري «يعد غير قانوني وغير مستدام».
أما محمد جواد ظريف فقال إن الدول الثلاث الضامنة لمسار آستانة هدفها إيجاد «حل عادل» بين الحكومة والمعارضة يخفف من آلام الشعب السوري. وزاد أنه من خلال السعي لتقليل خسائر الحرب، ودفع إمكانية وصول الحكومة السورية والمعارضة لحل سياسي «نسعى إلى حل عادل بين الحكومة والمعارضة السوريتين، ولدينا حاجة لاعتراف جميع الأطراف بأن الحل العسكري غير موجود، والحل الوحيد هو الحل السياسي». وشدد على أن أي حوار «يجب أن يكون سورياً - سورياً وبعيداً من أي ضغط خارجي». وانتقد بقوة ممارسات واشنطن في سوريا، ووصفها بأنها «تسفر عن تصعيد التوتر وتهدد استقلال سوريا السياسي ووحدة أراضيها». كما شدد على إدانة استخدام الأسلحة الكيماوية «من أي طرف كان»، وقال إن طهران «تطالب بتحقيق مستقل في حالات استخدام (الكيماوي) المفترضة في سوريا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.