خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»

الرئيس الجديد لـ«المجلس الأعلى للدولة» الليبي أزاح سلفه بورقة التكتلات الانتخابية

خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»
TT

خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»

خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»

منذ انتُخب خالد المشري رئيساً للمجلس الأعلى الدولة في ليبيا، وسهام الانتقادات توجَّه إليه دون توقف من كل حدبٍ وصوب، ما بين متهمٍ بأن انتخابه «تكريس وانتصار للتيار المتشدد»، وآخر يرى أن فوزه «أمر لا يبشر بخير، ومُعرقل للعملية السياسية» التي ترعاها الأمم المتحدة في البلاد. بموازاة ذلك، فإن أحداً لا يجادل بأن للرجل مناصرين ومؤيدين يرون أنه جاء عبر صناديق اقتراع في عملية تبادل سلمي للسلطة تفتقر إليها ليبيا حالياً، وأن «ما مضى من تاريخه وهو خارج معادلة السلطة، سيختلف عما هو آت».
وكان المشري، الذي شغل رئيس المكتب التنفيذي لحزب «العدالة والبناء»، وهو الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، كان قد انتخب رئيساً للمجلس الأعلى للدولة في جلسة حضرها 122 عضواً. وتغلب في الانتخابات على سلفه عبد الرحمن السويحلي؛ في عملية انتخابية نالها جانب من «التشكيك» و«التهوين» بأنها مجرد «تمثيلية جرت وفق صفقة متفق عليها» أكثر من كونها تمثل انتقالاً سلسلاً للسلطة. غير أن عبد الرحمن الشاطر، عضو المجلس الأعلى للدولة، ذهب بعيداً عن ذلك، ورأى في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن انتخاب المشري جاء «نتيجة تحوّل في كتل المجلس التي رأت ضرورة تجديد الوجوه لمنع استمرار أعضاء مكتب الرئاسة إلى ما لا نهاية».
ما مضى من تاريخ خالد المشري، الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، الذي كان عضواً في المؤتمر الوطني العام السابق (المنتهية ولايته)، يحمل في طياته كثيراً من المواقف الحادة والصدامية. وعلى الرغم من تعهد المشري، فور فوزه، بتبني خطاب بدا تصالحياً، فإنه لم يستطع تبديد تراكم هائل من تصريحات سبع سنوات، أقل ما توصف به أنها استبقت «مرحلة التمكين» لحزب العدالة والبناء، الذي حمله لرئاسة أول مجلس استشاري في البلاد بمقتضي مخرجات الاتفاق السياسي، الذي وُقِّع في منتجع الصخيرات بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015.
المشري، ابن مدينة الزاوية (48 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس) الذي ينهي عامه الحادي والخمسين، لم يبخل بالإدلاء برأيه في الأحداث الحالية منذ الإطاحة بالرئيس السابق الراحل معمّر القذافي عام 2011؛ إذ إنه جعل من صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» منصة إعلامية له ولآخرين يشاركونه السخرية من الجيش الوطني الليبي، وحتى من الأحداث التي أعقبت 30 يونيو (حزيران) عام 2013 في مصر.
والإتيان على ذكر الجيش الوطني الليبي، الذي يترأسه المشير خليفة حفتر، يمثل حساسية مفرطة لكثرة من الليبيين، خصوصاً نواب وساسة برقة (بشرق البلاد). ولذا فهم يقولون إنهم لن يغفروا للمشري تصريحات تركت غصة في حلوقهم، من بينها قوله إن «ميليشيات إرهابية تسمي الجيش العرب الليبي يقودها ضابط منشق يسمي خليفة حفتر اغتصبت جزءاً من الأراضي الليبية بالقوة». وفضلا عن ذلك... لا يزالون يتذكرون له قوله إن «حفتر فقد البوصلة، ورفع شعار الإرهاب، وحارب ثوار 17 فبراير». وجزء من هذه الغُصة عبّر عنها هؤلاء النواب في تصريحات لاذعة غاضبة في غالبية وسائل الإعلام المحلية فور إعلان تفوقه على السويحلي.
- حسن البنا
ما أُخذ على المشري، لم يقتصر على نَيله من حفتر، بل إن بعض الساسة استدعوا جانباً من نشاطات الرجل الكلامية في السنوات الأولى التي تلت الثورة الليبية، ورصدوا ما دوّنه على صفحته، من احتفائه بمؤسس «جماعة الإخوان المسلمين» حسن البنا، ومُنظرها سيد قطب، الذي نهلت منه كل جماعات العنف، بالإضافة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مقابل سخريته من حفتر وصحافيين وإعلاميين ليبيين، ما وضعه في مرمى اتهامات بأنه جاء إلى مجلس الدولة ليمثل عشيرته الأقربين في المقام الأول.
مقرّر مجلس النواب صالح قلمة رأى أن انتخاب المشري سيكون له تأثير على سير العملية السياسية في الأيام المقبلة «لأنه ابن للحزب الذي سيطر على العملية السياسية في ليبيا تحت قبة المؤتمر الوطني بتحالفه مع أعضاء الجماعة المقاتلة المنضوية مع ما يسمى بكتلة الوفاء التي تملك جناحاً مسلحاً». وفي حين توقع قلمة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن يكون المشري أكثر مرونة في الفترة المقبلة عن سابقه، فإنه توقع أيضاً أن يبقى الرجل «وفياً لحزبه ومصالحه بالدرجة الأولى، وسيواجه الكثير من الصعوبات، خصوصاً أن هناك عدم ثقة في أحزاب التيار الإسلامي من غالبية الشعب الليبي، ونخبته السياسية».
قلمة رأى أيضاً أنه سيجري ترصد «حزب المشري» من «الحلفاء السابقين الذين خرجوا من المولد دون حمص رغم أنهم كانوا اليد التي ضرب بها لتغيير بعض الموازين على الأرض، بما يملكونه من جناح مسلح، فضلاً عن بعض المستقلين وأصحاب الأحزاب الصغيرة الذين استخدمهم العدالة والبناء ثم تخلى عنهم مثلما حدث مع السويحلي».
غير أن الرئيس الجديد لـ«المجلس الأعلى» لم يلق بالاً للانتقادات، التي واكبت انتخابه ووصلت إلى حد الطعن في نزاهة العملية الانتخابية التي رفعته إلى مقام مناوئ لمجلس النواب الذي يمارس مهامه من طبرق بشرق البلاد. إذ وجه كلمة للشعب الليبي، تحدث فيها عن خطة ترتكز على «اتفاق الصخيرات» لمعالجة جمود العملية السياسية، كما وجه دعوة للقاء رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، في طرابلس أو طبرق، «أو أي مكان يحدده»، ليرد الأخير قبل مرور ساعات بقبول الدعوة، وهو تجسّد في لقائهما بالمغرب منتصف الأسبوع الماضي.
ومع أن المشري ذهب إلى أن من أولوياته «التعجيل بعقد جلسة حوار تجمّع فريق حوار مجلسي النواب والأعلى للدولة لإجراء بعض التعديلات المقترحة للاتفاق السياسي وفقاً للمادة (12) للأحكام الإضافية للاتفاق السياسي»، فإنه استدرك قائلاً: «رغم ما حققه الاتفاق من محافظة على مدنية الدولة ومكافحة الإرهاب ونقل الصراع إلى طاولة المفاوضات، لم يعد يخفى على أحد أن الحالة السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد ما زالت متأزمة بسبب عدم التزام بعض الأطراف بتنفيذ الاستحقاقات المطلوبة وفقاً للاتفاق». وفي هذا إشارة إلى فشل «تعديل الصخيرات» بعد جولتين من المفاوضات في تونس لتمسك فريقي الحوار الممثلين لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بمكتسباتهما، فضلاً عن رفض القائد العام للجيش الوطني الليبي الاعتراف بكل ما يتعلق بالمادة الثامنة من الاتفاق؛ المتعلقة بالمناصب العسكرية.
ومن ناحية ثانية، بنى المشري مصالحته، التي أعلن عنها في كلمة مطولة - تضمنت استعراض لأزمات البلاد - على «اتفاق الصخيرات»، متناسياً ما قد صدر عنه بأن «لديهم (في الحزب) قائمة من التحفظات على حفتر... وإذا فرض علينا، فهذا يعني انتهاء الاتفاق السياسي»، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث إلى الآن، لا سيما أنه اجتمع عقب فوزه مع الوسيط الدولي الدكتور غسان سلامة، لبحث خطة عمل الأمم المتحدة من أجل ليبيا.
- سيرة شخصية
مبكراً انغمس خالد عمار المشري «ابن الزاوية»، داخل جماعة الإخوان المسلمين، وتقدّم صفوف حزب العدالة والبناء، ساعده على ذلك مؤهلاته العلمية. ذلك أنه درس الاقتصاد في جامعة بنغازي، ونال الماجستير من أكاديمية الدراسات العليا في طرابلس. أما عن انتخابه رئيساً جديداً للمجلس الأعلى، التي أجريت على جولتين في اليوم ذاته، واكبها لغط كبير يتعلق «بوجود صفقات وتربيطات» بين الكتل المختلفة لحساب مرشح حزب العدالة والبناء.
وزاد على ذلك جمال زوبية، مدير إدارة الإعلام بـ«حكومة الإنقاذ» المنبثقة عن المؤتمر الوطني (المنتهية ولايته)، الذي شن هجوماً على المجلس عبر حساب على «فيسبوك» وفضائية «218» الليبية، معتبراً العملية الانتخابية «مفبركة» و«ضحك على الذقون، وفيلم كاميرا خفية». وادعى أن هناك «اتفاقاً مسبقاً» بين السويحلي والمشري لانتخاب الأخير رئيساً، على أمل أن يصبح الأول رئيساً للمجلس الرئاسي في الترتيبات الجديد.
في مواجهة ذلك، قال الدكتور عمر غيث قرميل، عضو مجلس النواب، إن كل الانتخابات تشهد عقد صفقات وتحالفات من أجل الوصول إلى المنصب، لكنه لفت إلى أن نجاح المشري «سيعزز من موقف (الإخوان) في العملية السياسية رغم الرفض الكبير من المواطنين للجماعة وفكرها بسبب مناصرتها للمنظمات الإرهابية في ليبيا».
ورداً على من قلل من أهمية الانتقال السلمي للسلطة في مجلس الدولة، اعتبر قرميل في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن ما حدث «أمر جيد بغض النظر عن مخرجاته... هذا من أهم أهداف ثورة السابع عشر من فبراير»، ونأمل من (السيد) المشري تغليب مصلحة الوطن والعمل على تقريب وجهات النظر، وإيجاد حل عادل يخدم جميع الليبيين بعيداً عن المصلحة الحزبية.
وما بين اتهامات زوبية للمشري والسويحلي، ورؤية قرميل لمخرجات العملية الانتخابية، استكمل عبد الرحمن الشاطر، عضو المجلس الأعلى للدولة، حديثه لـ«الشرق الأوسط»، وذهب إلى أنه «لا صحة لسيطرة جماعة (الإخوان) على مجلس الدولة، لأن القرار لا يملكه رئيسه، وإنما أعضاء المجلس الذين رأوا ضرورة تغيير الوجوه». وأردف: «ولا صحة على الإطلاق لأي تدخل خارجي من قطر أو غيرها». في رد على بعض السياسيين الذين رأوا ذلك.
- اختيار خاطئ
المفاجأة أن الشاطر، وهو العضو بالمجلس، أثني على العملية الانتخابية ووصفها بـ«الظاهرة الصحية»، لكنه عبّر عن اعتقاده بأن مجلسه سيعاني من صعوبات نتيجة ترؤس المشري، متابعاً: «قد يكون اختياراً خاطئاً، ولكنها الديمقراطية... فالإطاحة بالسويحلي رسالة أن (القاعة) هي التي تحكم ولا مجال لأحاديث من نوعية أنه مجلس السويحلي أو غيره».
هذا، وجاءت موافقة رئيس مجلس النواب بقبول دعوة لقاء المشري سريعة لتدحض استباق عضو مجلس النواب عيسي العريبي، الذي قال في مداخلة لفضائية ليبيا، إن «انتخاب واحد من أعضاء حزب العدالة والبناء أو الإخوان المسلمين (في إشارة إلى المشري) أمر لا يبشر بالخير ومعرقل للمفاوضات، ولن يكون هناك تواصل أو وفاق بين مجلسي النواب، و(الأعلى الدولة) خلال الفترة المقبلة، لأن هذه الشخصيات معروفة وشاركت في إفساد المسار الديمقراطي»، أثناء انتخاب مجلس النواب عام 2014.
وما ذهب إليه العريبي سبقه إليه نواب آخرون أمثال علي التكبالي وجاب الله الشيباني وعلي السعيدي، وجميع هؤلاء كانوا متشائمين حيال الرجل، لكن النائب فرج الشلوي عبّر عن أمله في أن يمثل انتخاب المشري «صفحة جديد لصالح لمّ الشمل في البلاد»، وهي الرؤية التي أكد عليها الدكتور عبد السلام نصية، رئيس لجنة الحوار بمجلس النواب.
وفضّل مقرر مجلس النواب صالح قلمة، انتظار ما تحمله الأيام المقبلة للحكم على المشري، ورأى في ذات الوقت أن «سياسته في التعاطي مع الأمور ستختلف عن سلفه»، وربط حدوث انفراجة سريعة في المشهد الليبي بما يقدمه المشري وحزبه من «تنازلات واعتدال... هم الآن في امتحان ما بين تفضيل الأجندات الحزبية أو الوطنية، لقد فقدوا الكثير من حلفائهم السابقين ولن يستطيعوا التقدم بمفردهم إلى الأمام».
- مجلس الدولة... نتاج «الصخيرات» الذي يعاني تجاهل البرلمان
> كان عام 2015 على وشك الانتهاء، عندما اتفق الأفرقاء الليبيين في منتجع الصخيرات بالمغرب على «اتفاق سياسي»، برعاية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك مارتن كوبلر، كمَخرج للفوضى التي ضربت ليبيا منذ سقوط الرئيس الراحل معمّر القذافي عام 2011، واحتواءٍ لأعضاء المؤتمر الوطني العام (المنتهية ولايته).
أفرز الاتفاق الذي يعرف بـ«اتفاق الصخيرات» عدة مخرجات، في مقدمتها إنشاء «المجلس الرئاسي» لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السرّاج كسلطة تنفيذية لإدارة شؤون البلاد، على أن يتولى رئيسه القيادة العليا للجيش الليبي، ثم «المجلس الأعلى للدولة» ككيان استشاري، يتولي إبداء الرأي الملزم لـ«حكومة الوفاق» في مشاريع القوانين قبل إحالتها لمجلس النواب، الذي يحق له قبولها أو رفضها.
ونص الملحق الثالث من الاتفاق، على أن «المجلس الأعلى للدولة» هو أعلى مجلس استشاري ويتكون من 145 عضواً منهم 134 من أعضاء «المؤتمر الوطني العام» (المنتهية ولايته) مع إضافة 11 عضواً من المنتخبين في 7 من يوليو (تموز) 2012، على أن يكون مقره العاصمة طرابلس وله الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة.
وفي فبراير (شباط) عام 2016 انتخب عبد الرحمن السويحلي، المُقرب من جماعة الإخوان المسلمين، أول رئيس للمجلس ليبدأ مهام منصبه بعد شهرين من مقر «المؤتمر الوطني» (المعروف بقصور الضيافة)، في العاصمة طرابلس، وذلك وسط غضب عدد من أعضاء المؤتمر بقيادة رئيسه نوري أبو سهمين، رفضوا الانضواء تحت راية السويحلي لرفضهم الاعتراف بالاتفاق السياسي ومخرجاته.
معارضة «المجلس الأعلى»، بل ورفض الاعتراف به، لم تتوقّف على أبو سهمين وقلة من أعضاء المؤتمر، بل إن البرلمان الليبي في طبرق (شرق البلاد) أبدى أيضاً رفضه المبكر للاتفاق السياسي وما نتج عنه. وبالتالي لم يقره أو يضمنه في الإعلان الدستوري، ما دفع «المجلس» للتصويت بالإجماع على تعديل الإعلان لإدخال الاتفاق السياسي حيز التنفيذ، الأمر الذي أثار موجة من الرفض داخل البرلمان.
ورغم تنامي المعارضة للسويحلي ومجلسه من برلمان طبرق، أُعيد انتخابه لولاية ثانية في أبريل (نيسان) 2017 وفقاً للائحة الداخلية للمجلس التي تشترط انتخاب مكتب الرئيس ونوابه مرة كل سنة، متفوقاً على منافسة عبد السلام غويلة، القيادي في حزب العدالة والبناء. وعليه بدأ السفراء المعتمدون لدى ليبيا، وكذلك الوفود الأجنبية، يتوافدون على «المجلس» في مقره بالعاصمة.
وأمام تعثر جولات تعديل «الصخيرات» التي كانت تجري في تونس، بين لجنتي حوار من البرلمان ومجلس الدولة، على خلفية تمسك كل منهما بـ«مكتسباته مستقبلاً»، لجأ السويحلي إلى ما سماه البعض «مناورة سياسية» فور تلويحه بأنه سيدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة «حال فشل مفاوضات تعديل الاتفاق السياسي».
وذهب إلى أن مجلسه سيتجه لمناقشة ذلك الإجراء الاضطرار، وتشرف عليها حكومة تكنوقراطيين مصغّرة، يتم تشكيلها لتصريف الأعمال، والإشراف على الانتخابات، الأمر الذي أثار غضب «المجلس الرئاسي» لـ«حكومة الوفاق الوطني»، وبرلمان طبرق معاً.
ومع نهاية عام 2017 كانت المساجلات الكلامية أخذت منحى تصاعدياً، بين السويحلي والقائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، عندما صعَّد الأول من نبرة التحدي في مواجهة تهديد حفتر، الذي قال إنه سيتوجه إلى العاصمة طرابلس لتحريرها من الميليشيات المسلحة، عقب انتهاء مهلة «اتفاق الصخيرات» في 17 من ديسمبر 2017.
ودعا السويحلي «المواطنين كافة لعدم الالتفات إلى الدعوات المُغرضة التي تطلقها ما تسمى القيادة العامة» على حد تعبيره.
ومن ثم، رأت الأطراف المناوئة للسويحلي انتهاء المدة المحددة لـ«اتفاق الصخيرات» فرصة للخلاص من مخرجاته، وفي القلب منها «المجلس الأعلى للدولة»، قبل أن يطالب مجلس الأمن الدولي الأطراف الليبية المتصارعة باحترام الاتفاق السياسي... وقال في بيان حاسم إنه يظل الإطار الوحيد لإنهاء الأزمة، وتاريخ 17 ديسمبر الحالي لا يمثل نهاية قانونية للاتفاق، وإنما مدة السنتين هي مرحلة انتقالية وليست نهاية زمنية له.
ومضت التجاذبات السياسية دون توقف، بين أطراف من البرلمان وأخرى في مجلس الدولة، على خلفية «الصلاحيات الدستورية». وزاد من سخونة تلك الأجواء اعتراض السويحلي على تعيين محمد الشكري محافظاً للمصرف المركزي خلفاً للصديق الكبير، وأرجع ذلك إلى أن مجلس النواب أقدم على هذه الخطوة متجاوزاً صلاحيته وفقاً للاتفاق السياسي.
وللعلم، تنص المادة 15 من «اتفاق الصخيرات» على أن التعيين في المناصب السيادية يكون بالتوافق بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة».
وينقسم المصرف المركزي في ليبيا إلى مؤسستين، وتتولى شخصيتان منصب محافظ المصرف: الأول يمارس مهامه من طرابلس هو الصديق الكبير الذي يتبع «حكومة الوفاق الوطني»، والثاني في مدينة البيضاء (شرق ليبيا) وهو علي الحبري عن البرلمان. ومع انتهاء الولاية الثانية للسويحلي أجرى «المجلس الأعلى للدولة» انتخاباته السنوية، فانتخب المشري رئيساً.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.