السعودية تطالب المجتمع الدولي بـ«موقف حازم» من «الممارسات العدوانية» الإيرانية

تحذيرات من «عواقب وخيمة» لحرب بين «حماس» وإسرائيل في جلسة مجلس الأمن حول حالة الشرق الأوسط

جانب من اجتماع مجلس الأمن في نيويورك أمس لبحث الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع مجلس الأمن في نيويورك أمس لبحث الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

السعودية تطالب المجتمع الدولي بـ«موقف حازم» من «الممارسات العدوانية» الإيرانية

جانب من اجتماع مجلس الأمن في نيويورك أمس لبحث الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع مجلس الأمن في نيويورك أمس لبحث الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

أخذت «الممارسات العدوانية» التي تقوم بها إيران في كثير من الدول العربية حيزاً واسعاً من جلسة مناقشات شهرية عقدها مجلس الأمن، أمس (الخميس)، حول «الحال في الشرق الأوسط، بما في ذلك المسألة الفلسطينية»، في ظل تحذيرات أصدرها المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف من «عواقب وخيمة» على الفلسطينيين في غزة إذا وقعت حرب جديدة بين حركة «حماس» وإسرائيل.
وطالب المندوب السعودي عبد الله بن يحيى المعلمي مجلس الأمن الدولي بأن «يتخذ موقفاً حازماً إزاء ممارسات إيران العدوانية» في المنطقة، مشيراً إلى أن «إيران تواصل دعمها للميليشيات المسلحة في اليمن وسوريا»، فضلاً عن أنها «تمارس تدخُّلَها الفاضح في الدول العربية وتبثّ الإرهاب وتموله، وهي الداعم الأول لـ(حزب الله) الإرهابي الذي يسيطر على لبنان وينفذ عمليات إرهابية في سوريا».
وشدد على أن «طهران تدعم ميليشيات الحوثي بالأسلحة والصواريخ التي تستهدف السعودية»، مشيرا إلى تقارير الخبراء التي أكدت أن الصواريخ التي ضربت السعودية من صنع إيران التي «تنتهك قرارات المجتمع الدولي الذي لن يقف مكتوف الأيدي أمام الممارسات الإرهابية الإيرانية الهادفة إلى زعزعة الأمن والاستقرار». وأكد أنه «حان الوقت للتعامل مع (حزب الله) في سوريا ولبنان».
وحول القضية الفلسطينية، لفت إلى أن السعودية تشدد على «مركزية هذه القضية للأمة العربية، والهوية العربية لمدينة القدس، وحتمية انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، بما فيها مرتفعات الجولان السورية»، مؤكداً أن السعودية «تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً وفق مبادرة السلام العربية المعلنة عام 2002».
ودعا إلى «تشكيل لجنة تحقيق دولية لمحاسبة إسرائيل على جرائم قتل الفلسطينيين العزل بدءاً من 30 مارس (آذار) الحالي وحتى الآن».
وقال إن «جنود الاحتلال الإسرائيلي يطلقون النار على الفلسطينيين وحقهم في الحياة وإقامة دولتهم الفلسطينية وعاصمتها القدس».
وفي مستهل الجلسة، حذر ملادينوف من أن «آفاق السلام تتراجع، بما يعزز المتطرفين ويعمق الاستقطاب وانعدام الثقة لدى كل الأطراف»، موضحاً أنه «مع تصاعد التوترات بأنحاء المنطقة، يجب أن نشعر جميعاً بالقلق من عدم إحراز تقدم في هذا المجال» إذ إن «نيران الشرق الأوسط تواصل الانتشار والانتقال من مكان لآخر، ويبقى الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني مصدراً دائماً مهماً للأكسجين اللازم للمسلحين والمتشددين في أنحاء الشرق الأوسط».
ولفت إلى أن «ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم يخلف عواقب مباشرة على بقية العالم»، مضيفاً أن غزة «تخضع لضغوط ناجمة عن خليط من العوامل الإنسانية والأمنية والسياسية السلبية». وقال إنه «إذا نشب نزاع آخر بين حماس وإسرائيل، فستكون لذلك عواقب وخيمة على الفلسطينيين في غزة، وقد يقوِّض الاستقرار النسبي في الضفة الغربية ويسفر عن تداعيات لإسرائيل والمنطقة». وتحدث عن عدد من الحوادث الخطيرة عند السياج الحدودي بين غزة وإسرائيل، منها زرع عبوات ناسفة يدوية الصنع، وإطلاق قذائف الهاون، مشدداً على «ضرورة أن تحد إسرائيل من استخدام الرصاص الحي». وأكد أن «القوة المميتة يجب ألا تستخدم إلا كخيار أخير». وطالب «حماس وغيرها من قادة المظاهرات بأن يبقوا المتظاهرين بعيداً عن السياج الحدودي ويمنعوا كل أعمال العنف والاستفزاز»، ملاحظاً أن «الأطفال، الذين تتعين حمايتهم بشكل خاص، يتعرضون لخطر جسيم». وعبر عن أسفه لأنه «حتى اليوم شهدنا مقتل أربعة أطفال رمياً بالرصاص الإسرائيلي الحي. أنتهز هذه الفرصة لإعادة التأكيد، بأشد العبارات، على ضرورة عدم تعريض المدنيين، خصوصاً الأطفال للخطر عمداً أو استهدافهم بأي شكل». ورحَّب بتقارير عن تشكيل الجيش الإسرائيلي فريقاً للنظر في استخدام القوة أثناء المظاهرات.
وقال المندوب الفلسطيني المراقب لدى الأمم المتحدة رياض منصور إن «سكان قطاع غزة يخضعون لحصار غير شرعي من الاحتلال الإسرائيلي»، محذراً من أن «تصريحات القيادات الإسرائيلية المحرضة ضد الشعب الفلسطيني تهدد حياة الكثيرين وتجعلهم أهدافاً مشروعة». وأكد أن «الفلسطينيين نظموا تظاهرات سلمية غير مسلحة ينادون بحقوقهم بما فيها حق العودة لأراضيهم، رجالاً ونساء وشباباً، يتظاهرون ضد الاضطهاد الذي لا يتحمله بشر»، موضحاً أن الاحتجاجات «استجابة طبيعية للاحتلال القاسي غير الشرعي، الذي لا يفيه وصفه بالشراسة حقه من القسوة». وتساءل: «لماذا يضايقهم أن يستخدم الشعب كل السبل السلمية لوضع حد لهذا الاضطهاد؟!». وكشف أن هناك 74 فلسطينياً قُتِلوا في التظاهرات الأخيرة، وأكثر من 5 آلاف أصيبوا.
أما المندوب الإسرائيلي داني دانون فقال إن «(حماس) تستخدم الأطفال ونشعر بالأسف لمعاناتهم ولكن في الوقت ذاته نشعر بالفخر لحماية إسرائيل لسيادتها»، مضيفاً أن «(حماس) ستدفع الثمن يوماً ما وليس إسرائيل»، لأنها «تستخدم الأطفال كدروع بشرية وتعرضهم للخطر». واتهم إيران بأنها «جندت أكثر من 80 ألف مقاتل في سوريا، وهي تدربهم في قاعدة تبعد نحو ثمانية كيلومترات عن العاصمة دمشق». ورفع خريطة أشار فيها إلى مكان تلك القاعدة حيث يتدرب «مقاتلون جميعهم من الطائفة الشيعية». وأضاف: «ما تستطيعون رؤيته هنا هو مركز إيران المركزي للحشد والتجنيد في سوريا. هناك ما يفوق 80 ألف مسلح شيعي في سوريا تحت السيطرة الإيرانية»، وهم «يتدربون للقيام بأعمال إرهابية في سوريا وأنحاء المنطقة».
وركزت المندوبة الأميركية نيكي هيلي على «استخدام الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال كدروع بشرية» بـ«نسب ملحمية» في الشرق الأوسط. وقالت إن «استخدام الدروع البشرية يفيد بشكل متعمد أولئك الذين لا يعيرون أي اعتبار للحياة البشرية». ولاحظت أن «داعش استخدم بشكل روتيني الدروع البشرية في العراق»، مثلما «عرض (حزب الله) المدنيين للخطر من خلال وضع مقاتليه وأسلحته بينهم»، مضيفة أن «إرهابيي (حزب الله) يستخدمون المدارس والمستشفيات والمباني السكنية لحماية ترسانتهم الحربية في لبنان»، كما «حوَّل (حزب الله) القرى اللبنانية إلى مجمعات عسكرية وأقام مخازن للأسلحة وقاذفات صواريخ ومراكز قيادة في الأماكن المدنية وحولها وتحت السكان المدنيين».
وأكدت أن ذلك يشكل «تحدياً صارخاً لقرار مجلس الأمن الرقم 1701». وأعطت «مثالاً آخر في اليمن» حيث أفادت الأمم المتحدة بأن «المتشددين الحوثيين استخدموا المدنيين اليمنيين كدروع بشرية». وأكدت أن «حماس تعرض الشعب الفلسطيني الذي تدعي أنها يمثله، عبر وضع قاذفات الصواريخ بالقرب من المدارس والمباني السكنية والفنادق والكنائس ومرافق الأمم المتحدة». ولاحظت أن المشترك بين كل هؤلاء هو إيران باعتبارها «راعية وحامية للكثير من هذه الجماعات التي تقاتل من خلف جثث المدنيين الأبرياء». وأكدت أن «هذا جزء من جهود إيران الشاملة لزعزعة استقرار المنطقة، وهي جهود تشمل شحنات الأسلحة غير القانونية إلى اليمن وغزو المجال الجوي الإسرائيلي بطائرات مسلحة من دون طيار من الأراضي السورية».
ودعت نظيرتها البريطانية كارين بيرس، إسرائيل، إلى «اتباع سياسة ضبط النفس في التعامل مع تظاهرات غزة»، مضيفة أن «الوضع في القطاع يمكن أن يتحسن في حال عودة السلطة إليه». وقالت إن «تخزين الصواريخ في سوريا وأماكن أخرى ينذر بخطر واضح للتصعيد، كما أن الانزلاق إلى مزيد من العنف في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة سيكون له تأثير ضار كبير على الاستقرار في المنطقة الأوسع».
ونبه المندوب الفرنسي فرنسوا دولاتر إلى أن «الحصار على غزة والاستيطان في الضفة والانقسام الفلسطيني يؤدي لوضع غير مستقر». وطالب السلطات الإسرائيلية بـ«ضبط النفس، وعدم استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين المدنيين الذين لا يشكلون خطراً كبيراً».



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.