ملحمة جلجامش في الأدبيات الغربية

سبقت الإلياذة والأوديسة الإغريقيتين ورامايانا الهندية وشاهنامة الفارسية

جدارية عن ملحمة جلجامش
جدارية عن ملحمة جلجامش
TT

ملحمة جلجامش في الأدبيات الغربية

جدارية عن ملحمة جلجامش
جدارية عن ملحمة جلجامش

تعتبر ملحمة جلجامش السومرية أقدم ملحمة شعرية كتبها الإنسان، ومن أهم الأعمال الأدبية القديمة التي سبقت الملاحم الكبرى، كملحمة الإلياذة والأوديسة لهوميروس الإغريقية، أو رامايانا الهندية، أو شاهنامة الفارسية، وسواها. ويعود تاريخها إلى العهد الأكادي (نحو2800 قبل الميلاد). وقد تم اكتشافها في موقع أثري في نينوى، في العراق، في عام 1853، يعتقد أنه مكتبة الملك آشوربانيبال، من قبل عالمي الآثار أوستن هنري لايارد وهرمز رسام. وقد ترجم الملحمة إلى اللغة الإنجليزية البريطاني جورج سميث George Smith المختص بالآثار الآشورية في عام 1872 (توفي في حلب، في العقد الثالث من عمره، متأثراً بمرضه).
ومنذ ذلك التاريخ، لا تزال «ملحمة جلجامش» تثير اهتمام الباحثين والمؤرخين الأوروبيين والمختصين في الأدب القديم. وقد لقيت اهتماماً خاصاً في الغرب بشكل عام، ولا سيما في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا (تحتفظ بريطانيا بالألواح الطينية المكتشفة في متحف لندن).
وكحجر الرشيد، الذي أماط اللثام عن اللغة الهيروغليفية التي كشفت كل أدبيات وتاريخ الفراعنة، وكان الفضل فيها للفرنسي فرنسوا شامبليون، فإن الفضل الأكبر يعود للبريطاني جورج سميث، الذي كان يدرس اللغة الأكادية في المتحف البريطاني حتى بات بارعاً بها، فنذر عمره لترجمتها للإنجليزية، بعد اكتشافها على ألواح طينية كتبت بالحرف المسماري. وقد بهرت الباحثين بعد نشرها، وعكف كثيرون على تحليلها ودراستها، بل قام آخرون بترجمتها مرات عدة، من أهمها الترجمات المختلفة باللغة الألمانية.
وفي عام 1891، قام ألفريد جيرمواس بأول ترجمة لها بالألمانية، ثم توالت الترجمات الأخرى في الأعوام:
1934، و1966، و2000. لكن قد تكون أفضل ترجمة متكاملة هي تلك التي أنجزها ستيفن مول في عام 2005. وقد اهتم الألمان بها أكثر من غيرهم في أوروبا. وفي فرنسا، تم تأليف مجموعة من الأعمال حول الملحمة، بترجمة فرنسية مع الشرح التاريخي والتحليل الأدبي لها: في عام 1977، أصدر ريموند توني كتاب «ملحمة جلجامش»، ثم تلاه جان بولتيرو في عام 1992، بكتاب «الرجل الذي يرفض الموت». وفي عام 2009، تم إصدار آخر كتاب عن الملحمة، تحت عنوان: «ملحمة جلجامش كما يرويها بيير ماري بود).
أما بالإنجليزية، فقد ألفت فيها كتب كثيرة، نذكر منها: كتاب «ملحمة جلجامش» لداني جاكسون (1997)، وكتاب «الكتاب المدفون: فقدان وإعادة اكتشاف ملحمة جلجامش العظيمة»، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الكتب الأخرى في إيطاليا، وإسبانيا، وأميركا. لكن لم يقتصر الأمر فقط على إصدار الكتب، بل تم أيضاً اعتماد صيغ أخرى، ومنها إصدار مجلات مصورة (Bande déssinée) لتكون في متناول الجيل الجديد للتعرف على ثقافة وأساطير حضارات ما بين النهرين. وقام الرسام الألماني جينس هاردر بتصميم مجلة مصورة برسوم لشخصيات الملحمة ومدينة أورك، مقدماً الملحمة برسوم متخيلة لشخصياتها، مع سيناريو وحوار يجعل منها شريطاً مصوراً قريباً لفهم الأطفال والناشئين. وقد قامت الفرنسية ستيفيني لوك بترجمتها للفرنسية، فصدرت في ألبوم ضخم في بداية هذا العام، بطباعة أنيقة، لقي استحساناً كبيراً من قبل الناقدين ورواجاً تجارياً لافتاً.
ومن المعروف أن ملحمة جلجامش قد كتبت في عصر البطولة السومري، منذ بداية ملوك أوروك (2800) قبل الميلاد، وهم خمسة ملوك: مسكي كاشر، إينمر كار، لوجال بندا (والد جلجامش)، دوموزي، وجلجامش (2700 ق.م)، الذي ولد من أم آلهة (بيسون) ومن إنسان (الملك لوجال بندا). هؤلاء الملوك الخمسة يشكلون ملحمة البطولة السومرية - الأوروكية، ولكل ملك قصة بطولية وملحمة مؤلفة من مجموعة قصصية، وتبقى ملحمة جلجامش الأهم والأشهر، وهي ست قصص:
> جلجامش وأرض الأحياء
> جلجامش وثور السماء
> جلجامش وإنانا وشجرة الحلبو
> جلجامش وأنكيدو والعالم الأسفل
> موت جلجامش
والملحمة تقدم جلجامش كشخصية فريدة من نوعها كونه نصف إنسان من طرف والده، ونصف إله من طرف والدته، على عكس الملوك السومريين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الآلهة، ويتباهون بأنهم استمدوا الحكم والسلطات منهم، بينما تعتبر الأساطير السومرية أن الإنسان خلق من قبل الآلهة لكي يقوم بالأعمال الشاقة، ويخدمها ويكون عبداً لها، ولا يتمتع بالخلود الذي كان يبحث عنه جلجامش، الذي كان نصفه كإنسان، أي قابل للفناء، ونصفه كإله قابل للخلود. والإنسان بالنسبة للسومريين يتكون من عنصرين: الأول مادي، وهو الجسد الذي يتحول إلى تراب بعد الموت، ومن روح (جدم) التي تذهب بعد الموت إلى القبر وتنحدر إلى العالم السفلي إلى الأبد. جلجامش الذي كان يبحث عن الخلود بقوته الخارقة وانتصاره على أعدائه وبنصفه «الإلهي»، كان يرفض الموت بنصفه «الإنساني»، لكنه يتيقن في نهاية الأمر أن الخلود لا يمكن تحقيقه، بينما يمكن أن يخلد ذكراه في العمل الخارق.
وقد اختلف الباحثون في شخصية جلجامش، أهي شخصية حقيقية أم حقيقة متخيلة أسطورية تصورها الشاعر كاتب الملحمة التي كانت تقرأ على الناس في ساحة أورك، ويرجح معظمهم أنه كان شخصية حقيقية، وحكم في الفترة التاريخية (الأكادية) وارثاً الحكم عن أبيه. وهو الذي بنى سور أوروك، الذي اعتبر في حينه من الأعمال الكبرى للإنسان في حضارة ما بين النهرين، التي كانت بداية الحضارات الإنسانية، ومنها عرف الإنسان سن القوانين مع حمورابي، والفن المعماري في بابل، وبداية الأدب في ملاحم أدبية رائعة (منها ما لم يكتشف بعد، ولكنها ذكرت في كتابات مختلفة)، ومنها ملحمة جلجامش التي ستبقى حجر الأساس في الملاحم الشعرية الكبرى في التراث الإنساني.



أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية
TT

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

يفتتح مركز كامدن للفنون بلندن المعرض الاستعادي للفنان الغياني دونالد لوك بثلاث لوحات رُسمت بالأسود وحده. تلك بداية صادمة، حيث تميزت اللوحات بطابعها الانتهاكي لقواعد التودد للمُشاهد الباحث عن المتعة البصرية؛ ما يجعل النظر إليها مثيراً لقلق استفهامي، سيكون مفيداً على مستوى التعامل مع عالم ذلك الفنان واجتهاده في ربط التجريد بقضية إنسانية ذات صبغة سياسية. في أحد تلك الأعمال استعمل صفوفاً من المسامير الحادة تبرز من السطح كما استعمل في لوحة أخرى شبكاً معدنياً من ذلك الذي يُستعمل في السجون. تلك اللوحات الغامضة بموادها المختلفة التي يعود زمن إنتاجها إلى سبعينات القرن العشرين. وعلى رغم لجوء فنانها إلى لغة التجريد الهندسي، فإنها تخرج التجريد من عالم متعته الجمالية لتزج به في مهمة تمثيل تضاريس مزارع قصب السكر في غيانا (تقع على الكاريبي شمال قارة أميركا الجنوبية) التي أنشأها المستعمرون الهولنديون في القرن السادس عشر ثم سيطر عليها البريطانيون لاحقاً.

لم يصور الفنان البريطاني من أصل غياني، دونالد لوك (1930 -2010) تلك المزارع رغبة منه في أن يحاكي أشكالها المرئية من فوق إلا لأنه كان يسعى إلى التذكير بزمن العبودية والعمل بالسخرة. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن لوك بوصفه محاولة للمزج بين الاهتمامات الشكلية التي تتطلبها صناعة لوحة حديثة والمضامين التي ينطوي عليها التاريخ المظلم للعبودية والاستعمار. تكمن فضيلة هذا المعرض الشامل في إخلاصه لرؤية الفنان التي لا يمكن فك ارتباطها بقضية إنسانية سعى مثقفو الاستعمار الثقافي إلى تحويلها مسألة اختلاف في الثقافات من خلال تأطيرها بأبعاد فلكلورية. لقد عمل الفنان عبر تجربته الممتدة من منتصف الستينات إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على التخلص من عبء تلك الأوهام المترفة وتسليط الضوء على مأساة شعب، عانى من التهجير من ثقافته و لغته و تاريخه.

الثقافة السوداء في قلب الحداثة

يجمع المعرض بين الخزف والرسم والنحت. كان مناسباً للوك أن يكون كما شعبه خزَّافاً ورساماً ونحاتاً. وإذا ما كان المعرض الذي يضم 80 عملاً فنياً يكشف عن أن الفنان الغياني قد لعب دوراً محورياً في فن النحت البريطاني في فترة ما بعد الحرب الثانية، فإنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تجربة طوَّر فنانها أدواته التجريبية ليصل بها إلى مستوى من البراعة الشكلية، لم يكن في الإمكان فصلها عن الموقف الإنساني الذي اتخذه الفنان في مواجهة مشكلات الهوية والقهر، وهي المشكلات التي واجهها شعبه.

يستعرض معرض «أشكال مقاومة» المراحل الفنية التي تطوَّر من خلالها عالم لوك في مختلف مسيرته الفنية متنقلاً بين منازله في غيانا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، متأثراً بالأشخاص والأماكن التي عاش فيها خلال رحلته. فالمعرض يبدأ بأعماله الخزفية المبكرة التي تستحضر أشكالاً بشرية وطبيعية ويتتبع انتقال الفنان إلى فن النحت متعدد الوسائط واللوحات السوداء أحادية اللون من سلسلة «المزارع» في سبعينات القرن الماضي. كما يعرض لوحاته الضخمة من تسعينات القرن الماضي والتي واصلت ممارسة عملية التجميع التي اتبعها لوك من خلال دمج صور جاهزة ومواد خزفية ومعدنية وخشبية. ويقدم القسم الأخير من المعرض مجموعة مختارة من الأعمال التجريبية التي أنجزها لوك خلال السنوات الأخيرة من حياته في أتلانتا، هناك حيث مزج بين الذاكرة والأساطير، متأثراً بشدة بالمشهد الفني النابض بالحياة وتقاليد التجميع في جنوب الولايات المتحدة. وبهذا يكون العرض مخلصاً لغايته في تسليط الضوء على «المساهمات الفريدة والمتنوعة للثقافة السوداء في الحداثة».

الكاريبي بمفردات جماله الحية

في ستينات القرن الماضي برز دونالد لوك خزَّافاً تكشف أوانيه عن قدرة هائلة على التعبير بحرية من خلال أشكال حيوية ابتكرها لتكون عنواناً لتحرره من القيود الصارمة التي كانت تضع فن الخزف ببريطانيا في إطار صناعة ذات هوية فنية محددة. بدا واضحاً أن ذلك الفنان القادم إلى بريطانيا من ثقافة أخرى كان قادراً على أن يمارس الفن بحرية من غير أن يخضع للتقاليد التي يخضع لقوانيها الآخرون تلقائياً. يقول: «كنت أعمل من غير أن ألتزم بالقيود القديمة التي لا تزال تُعيق الإبداع في الكثير من ورش العمل في بريطانيا». ذلك ما جسدته أعماله الطينية التي احتفى من خلالها بالجسد البشري والأشكال العضوية. بعد تلك التجربة التي كشف من خلالها عن اختلافه الصادر عن اختلاف مرجعياته البصرية انتقل إلى المرحلة الأهم في مسيرته الفنية، وهي المرحلة التي تمثلها سلسلة المزارع. في تلك الأعمال التي أنتجها الفنان بغزارة في سبعينات القرن الماضي نجحت تقنية دمج الخزف بالمعدن والخشب والعشب والسجاد والفراء والطلاء والورنيش في معالجة موضوعات الاستعباد في غيانا خلال الحقبة الاستعمارية بشكل مباشر. في تلك الأعمال أرسى الفنان بأسلوب متمرد ملامح هويته الفنية الشخصية المتحررة من قيود الجغرافيا وفي الوقت نفسه من تقاليد المدرسة البريطانية.

لا يمكن النظر إلى تجربة دونالد لوك إلا من خلال مقاربات تتعلق بالوضع الإنساني الذي يعيشه فنانو الشتات. ففكرة مساهمة الثقافة السوداء في الحداثة الفنية تظل واحدة من أهم الأفكار التي لا يمكن تجاهلها في عصر ما بعد الاستعمار. تلك رؤية متعددة الطبقات ومعقدة من جهة اكتظاظها بأزمات يكمن أساسها في الصراع بين ما هو إرث شخصي وذلك الإرث الاستعماري الذي صار جزءاً من تاريخ غيانا وسواها. كان لوك نموذجاً لفنان برع في تأثيث شتاته بمفردات كاريبية حية.

وهب بلاده حياة متخيلةبعد حصوله على منحة متحف غوغنهايم التي هيأت له فرصة الانتقال للولايات المتحدة عام 1979، حيث أقام أولاً في فينيكس ومن ثم أريزونا لينتقل عام 1990 إلى أتلانتا، جورجيا حتى وفاته انغمس لوك في التفكير بالماضي بطريقة مزدوجة. ماضي تجربته الفنية؛ إذ عاد إلى الخزف متعدد الوسائط وماضي الإرث الفني الغياني؛ إذ عاد إلى استلهام مفردات الفلكلور المحلي في رسوماته بالفحم واللجوء إلى التجسيد في زخرفة الأواني الخزفية. كان عقد التسعينات الحيز الذي شهد ذروة تعبير لوك عن رغبته في التحرر من قواعد الفن الغربي فكانت معارضه تجمع بين جوانب من الفن الشعبي الأميركي - الأفريقي والأساطير الكاريبية. لقد أنتج حينها أعمالاً فنية مزج من خلالها منحوتاتٍ مرتجلة وأشياء وتمائم مصنوعة من مواد مُستعملة وخشب مُهمل وخصلات شعر بشري.

ربما شكَّل ذلك التداخل ما بين التعلق المدهش بالبنى الفنية الكاريبية ذات المنحى السحري وبين الانتماء للحداثة الفنية بكل أساليبها وصولاً إلى التجريد مصدراً لغموض، سيكون بمثابة امتياز شخصي. من ذلك لوحاته التي هي عبارة عن مساحات شاسعة من الطلاء الأسود رُسمت بضربات فرشاة عشوائية وعفوية كانت مغطاة بخليط مربك من الأشياء والصور الفوتوغرافية. تتداخل قطع الخشب والمعدن والغراء مع صور فوتوغرافية ونسخ مصورة لجنود المرحلة الاستعمارية والعائلة المالكة البريطانية والأسلحة إضافة إلى منحوتاته التي مثلت فرصته لاستعراض اللحظات المأساوية التي عاشتها بلاده منذ القرن التاسع عشر.

غير أن ذلك ليس كل شيء في مسيرة فنان مهم مثل دونالد لوك الذي نجح في أن يكون فناناً حديثاً، لكن بشروطه؛ ما وهبه القدرة على أن يضم إلى آليات عمل الحداثة تعليقاته على العنف الذي شكَّل محور ذاكرته. لقد وهب لوك الحداثة الفنية من خلال استلهامه لتراث بلاده حياة لم تكن متوقعة.


حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».


المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية
TT

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «آفاق عالمية»، تقديم الناقد والأكاديمي محسن فرجاني، بمشاركة المترجمات أسماء مصطفى عيطة، وبسمة طارق، ودينا تهامي، وسارة عزت، وبسمة طارق، ورانيا فتحي وياسمين شوري.

استهل فرجاني، الأستاذ المساعد بكلية الألسن بجامعة عين شمس، الكتاب البالغ 447 صفحة بمقدمة مستفيضة خلُص فيها إلى أن ترجمة المسرح الصيني الحديث تستلزم وعياً عميقاً بالأوبرا الكلاسيكية وتقنياتها ورموزها، مشيراً إلى أن طغيان الآيديولوجيا السياسية على العمل المسرحي الصيني قد غيّب أحياناً شخصيته الفنية الجمالية في بعض مراحل البدايات الأولى، لا سيما في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وشهد المسرح الحديث خلال الستينات والسبعينات قفزة نوعية في الأداء والمحتوى، لا سيما في الجانب التجريبي الذي ركز على مسرحة الأعمال الأدبية، ورغم أن رياح التحديث شملت عموم الأدب الصيني، فإن المسار لم يكن سهلاً حتى في المناطق المنفتحة جغرافياً وتاريخياً على الغرب؛ حيث لم تنضج هذه التجربة وتتوسع آفاقها إلا في الستينات.

وفي هونغ كونغ، مثّلت الستينات حقبة النهوض الفعلي، ممهدةً لظهور فرق مسرحية متطورة نصاً وعرضاً. ومع حلول الثمانينات، بدأ تحول جذري بانتقاد الهيمنة السياسية والتاريخية على الدراما؛ ما أطلق «فترة جديدة» من الإبداع غير المسبوق. تعززت هذه المرحلة بحركة ترجمة واسعة للمسرح الغربي، أتاحت للمسرحيين الصينيين التفاعل مع الاتجاهات العالمية المعاصرة وتجاوز النمط الواقعي التقليدي. واستمر هذا التمازج مع التيارات الغربية حتى نهاية القرن العشرين؛ ليتزامن مع النهضة الاقتصادية للصين ظهور تيار مسرحي حديث يجمع بين الحداثة والخصوصية الصينية.

ويؤكد الباحث أن اختيار تلك النصوص يهدف إلى سد الفجوة المعرفية في المكتبة العربية، حيث توقفت الترجمات المباشرة والوسيطة للمسرح الصيني عند مطلع السبعينات؛ ما جعل من الضروري متابعة تطور هذا الفن كتابةً وعرضاً. وفيما يخص المسرح الكلاسيكي الصيني، يرى فرجاني أن المكتبة العربية عانت شحٍاً واضحاً، باستثناء محاولات نادرة مثل ترجمة بهي الدين زيان لمسرحية «الفتاة ذات الشعر الأبيض» للكاتب هوشنغ شي عام 1957. ويظل الكاتب تساو يو هو الأكثر حضوراً على الساحة العربية من خلال أعمال، مثل «عاصفة رعدية» و«شروق الشمس» الصادرتين عن سلسلة «المسرح العالمي» بالكويت، و«أهل بكين» عن وزارة الثقافة السورية.

ومن أبرز النصوص التي يضمها الكتاب مسرحية «المسافر» لرائد الأدب الصيني لوشون (1881- 1936)، وهو المفكر والشاعر والناقد الأدبي الذي تعدّه الدوائر الثقافية اليابانية المعاصرة «أهم كاتب من جنوب شرقي آسيا في القرن العشرين»، بصفته المبدع الأكثر شهرة خارج بلاده.

ورغم أنه معروف روائياً وقاصاً، وكان أول كاتب قصة حديثة في تاريخ الصين، فإن العمل يكشف عن وجه مختلف له، لا سيما أنه يترجم للعربية للمرة الأولى في لغة تحافظ على سمة الحس الشعري التي ميزت النص الأصلي الذي نُشر للمرة الأولى عام 1925. وهناك كذلك مسرحية «اصطياد النمر» لأحد أهم مؤسسي الدراما الصينية الحديثة وهو المبدع تيان هان (1898- 1968)، وهو أيضاً شاعر ومترجم وكاتب سيناريو وروائي، والذي تحولت المقاطع الأولى التي وضعها لأغنية السور العظيم لتصبح كلمات النشيد الوطني للبلاد.، كما أن كتاباته الدرامية كان لها أثرها في نشأة المسرح الصيني الحديث. ومن أبرز كتاباته في المسرح الحديث «ليلة في المقهى»، و«سبع فتيات تحت المطر»، و«أنشودة عودة الربيع» و«أعداء بلا بنادق».

وبالكتاب أيضاً مسرحية «اخفض صوتك» للكاتب المسرحي والفنان تشن ليتنيغ الذي ترادفت سنوات عمره مع سنوات زمن الحداثة الصينية تقريباً، حيث عاش مائة وثلاث سنوات (1910- 2013)، بالإضافة إلى كتاباته المسرحية في فترة مبكرة من حياته؛ فقد اتسعت دائرة نشاطه الفني فشملت الإخراج المسرحي والسينمائي وكتابة السيناريو.

ويضم الكتاب أيضاً ثلاثة نصوص درامية للمسرحي الصيني دينيغ شيلين (1892 -1974)، ويعدّ أهم من كتب دراما الفصل الواحد.