المخرج ميلوش فورمان بلغ الذروة في فيلمين... وتراجع حتى الرحيل

اشتغل على يمين النظام التشيكوسلوفاكي... ويسار {المؤسسة} الأميركية

جاك نيكولسون وسط رفاقه في «وطار فوق عش الوقواق»
جاك نيكولسون وسط رفاقه في «وطار فوق عش الوقواق»
TT

المخرج ميلوش فورمان بلغ الذروة في فيلمين... وتراجع حتى الرحيل

جاك نيكولسون وسط رفاقه في «وطار فوق عش الوقواق»
جاك نيكولسون وسط رفاقه في «وطار فوق عش الوقواق»

يبلغ مجموع ما حققه المخرج ميلوش فورمان الذي توفي يوم الجمعة الماضي، سبعة عشر فيلماً طويلاً، بالإضافة إلى فصل من فيلم عنوانه «رؤية ثمانية» (1973) وفيلمين قصيرين على الأقل، الأول مطلع مهنته سنة 1964 والثاني سنة 1971.
حتى العام 1965 عمل فورمان في نطاق السينما التشيكوسلوفاكية كونه وُلد هناك في الثامن عشر من سنة 1932 باسم يان توماس فورمان في بلدة صغيرة اسمها كاسلاف تقع فوق أرض منبسطة شرق العاصمة براغ. بعد سنوات قليلة وجدت تشيكوسلوفاكيا نفسها محتلة من قِبل الألمان، وسيق يهودها إلى المعسكرات، فقضى والداه فيها، وتربى ميلوش في إحدى مدارس اليتامى. بعض حياته عكسها المخرج لاحقاً في «بلاك بيتر» و«عشق شقراء».
بعد الحرب أخرج فيلماً تسجيلياً طويلاً بعنوان «الفانوس السحري 2» سنة 1960، فيلمه الروائي الأول «بلاك بيتر» ورد بعد عامين، تلاه بفيلم تسجيلي آخر عنوانه «مزاد» (1964) ثم «عشق شقراء» الروائي سنة 1965 وتلاه بـ«كرة الإطفائيين» الذي كان آخر فيلم ينجزه في بلاده.
باقي أفلامه جميعاً حققها في الولايات المتحدة التي وصل إليها عبر باريس ومعه سيناريو يدور حول أحداث العام 1968 عندما غزى الجيش الروسي بلاده. لكن ذلك السيناريو لم يقنع أحداً في هوليوود، ولم تتبنه شركاتها ما دفعه للبحث عن عمل آخر لا علاقة سياسية له مع ما كان يود التعليق عليه، ووجد ضالته سنة 1971 عندما كتب وأخرج «إقلاع» (Taking Off)، كوميديا اجتماعية عن التحرر الجنسي وهوى الشباب والهوة الشاسعة بين جيله وجيل آبائه.
«طار عالياً»
ميلوش كان محظوظاً إذ إنه وصل إلى الولايات المتحدة في الفترة التي أرادت فيها شركة «يونيفرسال» المعروفة إنتاج عدد من الأفلام الصغيرة التي تمنح القرار فيها إلى المخرجين. هذا تم بعدما شهد نجاح فيلم «إيزي رايدر» لدنيس هوبر الذي قامت منافستها «كولومبيا» بتمويله وحقق لها أرباحاً طائلة ما حفّز «يونيفرسال» على تمويل بضعة أفلام من هذا النوع، بينها «ركض صامت» لدوغلاس ترومبل (1972) و«المأجور» (The Hired Hand) لبيتر فوندا (1971) و«ميني وموسكوفيتز» لجون كازيفيتيس (1971)، كما «إقلاع» في العام نفسه.
لم ينجح الفيلم تجارياً لكنه حمل دمغة أسلوبية ساخرة تكررت لاحقاً في كل أعماله. فورمان لم يكن، في هذا الفيلم، ليقف جانب سلطة الأهل على الأولاد، بل لجانب الحرية التي يطلبها الأولاد لأنفسهم بعيداً عن السُلطة. وهذا التداول بين الفرد والسُلطة ميّز كذلك معظم أعماله اللاحقة، في الوقت الذي استمدّه من مشاغباته في إطار السينما التشيكية سابقاً عندما بدأ بإنجاز أفلام توحي برفضه نظام المؤسسات. هذه الأعمال الأولى بلغت ذروتها في فيلم «كرة الإطفائيين» الذي وُجه بالمنع.
لكن فشل «إقلاع» التجاري، وإلى حد معين النقدي أيضاً، لم يمنع من ضمّه إلى مجموعة المخرجين الذين قبلوا مهمة تداول رؤاهم السينمائية في فيلم «رؤية ثمانية» التسجيلي سنة 1973. هذا وضعه جنباً إلى جنب مخرجين سبق وأن تأسسوا منذ بضع سنوات من بينهم آرثر بن وكون إيتشيكاوا وجون شلسنجر.
إثر ذلك، وضمن حالة الرغبة في منح المخرجين حرية أوسع لاتخاذ القرارات الفنية مما تلا لاحقاً، تم اختياره لتحقيق نسخة سينمائية من رواية كن كيسي «واحد طار فوق عش الوقواق» سنة 1975. تلك الرواية دارت حول مصحة للمجانين، والمطلوب معالجتهم عصبياً وما تحتويه من عنف حيال المرضى تبعاً لنظام قاس. الرواية التي نشرت سنة 1962 تحوّلت إلى مسرحية بعد سنوات قليلة قام خلالها مايكل دوغلاس بتمثيل دور مكمورفي الذي قام به جاك نيكولسون في الفيلم. كلمتا «عش الوقواق» تؤخذان دلالة على «مصحة المجانين» ما يعطي العنوان ذلك البعد المقصود.
ودوغلاس هو من قرر إنتاج نسخة سينمائية، وحسناً فعل أن جلب إلى الفيلم ميلوش فورمان، ليس لأن فورمان برهن عن ملكيّته الفنية، بقدر أنه كان برهن منذ أعماله المعادية للنظام الشيوعي في بلاده على أنه خير من ينقل روح الفيلم القائمة على حث المجانين للتمرد ضد سُلطة السجانين. في هذا الإطار كان فورمان تكملة لما بدأه الروائي كن كيرسي وعلى الخط نفسه.
ماكمورفي كان يعرف ما يحتاجه رفاقه في المصحة أكثر من مديرة المصحة ذاتها. عوض إبر التهدئة والحبوب المعالجة للأعصاب. عوض الكبت والحرمان والعقاب وعوض حجب الحريات، أراد تحرير رفاقه من وضعهم البائس، كما كان سبارتاكوس حرر عبيد روما. بذلك جسّدت الشخصية الحالتين الفردية، كما التشخيص الشامل للإرادة الفردية (ثم الجماعية) ضد النظام.
جاك نيكولسون كان الاختيار الرائع ذاته. بعدما عاين دوغلاس احتمال قيامه بالدور الأول تم التفكير بجيمس كان للدور، ثم ببيرت رينولدز قبل أن يرسي الدور على نيكولسون. الميزة هنا هي أن نيكولسون ينتمي إلى تمثيل متحرر يلائم الدور الذي يؤديه كقائد ومحفّز للثورة على نظام المصحّة. الممثلة لويز فلتشر التي لعبت شخصية مديرة المصحة الصارمة، انتمت إلى التمثيل المنهجي المنضبط لذلك حمل كل من هذين المنهجين المتناقضين معنى إضافياً للمجابهة التي تقع في الفيلم بين من تمثل السُلطة والنظام وبين من يمثل الثورة والتحرر.
الميزة الأخرى المهمّة لهذا الفيلم الذي حظي بنجاح مستحق على أكثر من صعيد، هو الاستعانة بممثل معروف يكون محور العدد الكبير من الممثلين غير المعروفين (ليس على النطاق نفسه) ما يجعل من القيادة السياسية المناطة به سهلة الوصول إلى المشاهدين. لكن في المقابل لم يرد المخرج تقديم فيلم من بطولة فردية، لذلك نلاحظ في الفيلم لا إسهام الشخصيات المختلفة كلها (معظمها من المرضى) الملحوظ فقط، بل قيام المخرج بكسر حدة البطولة الفردية بلقطات عديدة للآخرين مزروعة في شتى الأحداث حتى ولو كانوا مجرد حاضرين لما يقوم به مكمورفي.
النتيجة خمس أوسكارات ذهبت لهذا الفيلم، هي: أوسكار أفضل فيلم وأفضل سيناريو وأفضل إخراج وأفضل ممثل أول وأفضل ممثلة مساندة (فلتشر). والغالب أنّه لولا استبدال مدير التصوير هاسكل وكسلر (بعد شهر من التصوير) بآخر هو بِل بتلر الذي توقف عن العمل أيضاً ليحل مكانه ويليام أ. فراكر قبل بضعة أيام من نهاية العمل، لكان حظ الفيلم في نيل أوسكار أفضل تصوير ارتفع عما كان عليه.
في كل الأحوال فاز بها جون ألكوت عن تصويره الممتاز لفيلم ستانلي كوبريك الرائع «باري ليندون».
«أبواب القانون»
إذ أسس فورمان عبر هذا الفيلم وضعه كمخرج ضد النظم، لا بد من التذكير بأنّ هذا الوضع كان ممارساً في الفترة السابقة التي أمضاها في تشيكوسلوفاكيا، والتي أحالته، أمام النظام، لاعتباره من فلول البرجوازية اليمينية. في الولايات المتحدة، فإن الهامش العريض من حرية الرأي جعله ينقل عداءه للنظام إلى الداخل الأميركي (المؤسسة الأميركية ذاتها)، وبذلك انتمى إلى حركة يسارية وليبرالية كانت نشطة آنذاك.
فيلمه التالي «Hair» كان مأخوذاً عن كتاب أغانٍ تحوّل إلى مسرحية غنائية مشهورة قبل أن يدلف فورمان إليها، ويحوّلها إلى فيلم من بطولة بفرلي دانجلو وجون سافاج (برزا في تلك الحقبة وانتهيا بنهايتها).
الصراع هنا متكرر. «هير» يدور حول الشاب المتمرد الذي يترك عائلته ويهرب من التجنيد الإجباري، وينضم إلى مجموعة من الهيبيين. عندما يتعرف على الفتاة شيلا ويقع في حبها، يكتشف بأنها تنتمي إلى عائلة ثرية، لكنها في الوقت ذاته تشاركه تطلعاته التحررية.
الموضوع هو تكرار لما أنجزه المخرج في عمله الأميركي الأول «إقلاع» مع اختلافين مهمين، الأول أن هذا الفيلم ورد من خلفية موسيقية ومسرحية ناجحة، والثاني أنّه كان إنتاجاً أعلى تكلفة بعشر مرات من الفيلم السابق (11 مليون دولار). لكن نجاحه التجاري كان أيضاً محدوداً في الولايات المتحدة (15 مليون دولار) وخارجها (أقل من ذلك).
سنجد فورمان وقد عاد بعد عامين لتحقيق فيلم أكبر إنتاجاً عنوانه «راغتايم» (Ragtime) عن أحداث وردت في رواية لإدغار لورنس دوكتوروف، التي كانت نسيجاً من الواقع والخيال في فترة مطلع القرن العشرين حول عازف بيانو أسود (هوارد رولينز) يطالب بكرامته المهدورة، بعدما حطم رجال الإطفاء سيارته ما دفعه، بعدما طرق أبواب القانون بلا فائدة، إلى احتجاز رهائن إلى أن يستسلم رئيس الإطفائيين (الراحل كنيث مكميلان) إليه وتصليح سيارته لتعود كما كانت عليه.
لكن هناك خيوطاً أخرى كثيرة في الفيلم، وأكثر منها في الرواية ذاتها التي تنتقل بين الشخصيات والأحداث مشكلة حبكات متعددة. فورمان يختار ما يجعل الفيلم أكثر التحاماً. يعرض حياة ومواقف جانبية محدودة، ويضع حكاية العازف الموسيقي الباحث عن عدالة تنصفه في الوسط. ثم يأتي برئيس بوليس سابق كان اعتزل، ويتم اختياره للتفاوض مع هذا الموسيقي الثائر استناداً لخبرته.
الممثل الذي يلعب دور رئيس البوليس المتقاعد والمُستعان به من جديد هو ممثل كان تقاعد واستعين به ليقود الفيلم وهو جيمس كاغني، الذي كان آخر فيلم مثله كوميديا عابرة أخرجها بيلي وايلدر بعنوان «واحد، اثنان، ثلاثة» سنة 1961. أي قبل عشرين سنة من هذا الفيلم.
عودته خدمت الإعلام حول الفيلم أكثر مما خدم الفيلم نفسه. إدارة فورمان للعمل بقيت منضبطة وملاحظاته حول التوزيع الاجتماعي للشخصيات ناجحة. ومع أن عدداً من نقاد ذلك الحين أعاب اختصار عالم دوكتوروف بهذا الشكل، إلا أنّه لم يكن اختصاراً اعتباطياً و - لمن قرأ الرواية - جاء مبرراً ومنطقياً.
«أماديوس»
الذروة المماثلة لـ«واحد طار فوق عش الوقواق» تجسدت في فيلم فورمان اللاحق «أماديوس» عن مسرحية وضعها كاتباً ومخرجاً بيتر شافر، وشاهدها فورمن على الخشبة البريطانية وبهرته. صرّح لاحقاً أنه تعَّود، من أيام حياته المبكرة في براغ، على الشعور بالتثاؤب كلما فرض عليه مشاهدة مسرحية أو فيلم يدور حول عازف موسيقي. في العام 1990 التقيت به في فندق «ذا فور سيزنز» في منطقة بيفرلي هيلز، وأخبرني ما حدث حين شاهد مسرحية شافر تلك:
«دخلتها من دون أي توقعات وخرجت منها وقد اكتشفت أن العمل الفني لحياة موسيقار ما قد تصلح كثيراً لفيلم يختلف عما كنت تعودت عليه. أعتقد أنّ ذلك كان قصوراً مني. أقصد أنّني لم أكن أثق بمثل هذه البيوغرافيات لكن لا بأس، قلت لنفسي وأنا أقرر أن مشروعي المقبل هو تحويل هذه المسرحية إلى فيلم سينمائي».
«أماديوس» (من ثلاث ساعات) هو أكمل فيلم أنجزه في حياته. عمل فني رائع عن شخصيتين فنيتين رائعتين كذلك: وولفغانغ أماديوس موزارت (توم هولسي) وغريمه أنطونيو سالييري (فريد موراي أبراهام).‬
يحيط الفيلم بالسنوات العشر الأخيرة من حياة موزارت (الممتدة ما بين 1781 و1791) التي شهدت قيام سالييري بمحاولات النيل من قيمة موزارت في المحافل كافة بسبب غيرته من نجاحه. فورمان يصوّر موزارت (وبفضل ملامح هولسي الصبيانية) منفتحاً ومبتسماً ومتفانياً في موهبته، ويمنح سالييري (وبسبب من تقاسيم وجه الممثل أبراهام المناسبة) صورة تشي بالنوايا السيئة التي يضمرها صوب غريمه. لكن فورمان يمنح المشاهد فرصة التعاطف مع سالييري من ناحية، وتقدير موهبة موزارت الفنية من ناحية معاكسة. الناتج هو أنّ التعاطف مع سالييري ارتفع بين المشاهدين أكثر من درجة التعاطف مع موزارت على الرغم من أن الأخير هو الضحية.
هذا ناتج بدوره عن أنّه من السهل فهم منطلقات ومشاعر سالييري، ومن الصعب مواكبة التكوين الشخصي والفني للعبقرية المتمثلة بموزارت. هذا إلى حين يعترف سالييري بأنه وقف وراء وفاة موزارت المبكرة والمفاجئة (في سن الخامسة والثلاثين).
إنه وضع مزعزع ذلك المرتسم على الشاشة من زاوية هذا الصراع واستدلالاته، لكن معالجة فورمان للفيلم بأسرها نجحت في احتواء سلبيات هذا الوضع، كما في منح العمل ميزته الأساسية، وهي أنّه لا يتوجه فقط إلى هواة موزارت، ولا حتى إلى هواة فن الموسيقى عموماً، بل، أساساً، إلى الراغبين في مشاهدة دراما تراجيدية حول النجاح وما تجلبه من غيرة الآخرين المفتقرين إلى المستوى ذاته من القدرات الفنية. هذه الناحية تجعل الفيلم مستساغاً من الجمهور العام أكثر وأكثر في الوقت الذي يقدر الناحية الفنية العامّة، وقدرة الفيلم على جذب غير المهتم بالموسيقى عموماً ليشاهد فيلماً موسيقياً من هذا النوع.
في حين لا غبن في ذلك من ناحية مبدئية، إلا أن صلب العمل يبقى، بمزيجه المؤلف من 70 في المائة خيال، و30 في المائة واقع، يشبه العسل المغشوش بالسكر أو الماء. على ذلك، وفي حين فشل «راغتايم» في ثمانية ترشيحات «أوسكار»، نجح «أماديوس» في قطف ثماني أوسكارات، من بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل (ف. موراي أبراهام).
بعده بقي فورمان في التاريخ، واتجه سنة 1989 إلى تحقيق فيلمه «فالمونت» عن رواية الكاتب الفرنسي كودرلوس دي لالكوس «علاقات خطرة» (Les Liaisons Dangereuses). هنا مرّة أخرى يحيد المخرج عن الشخصية الرئيسية بعض الشيء. فالمونت (كولين فيرث)، الأرستقراطي الذي يخطط للإيقاع بفتاة بريئة (فيروزا بوولك) فقط ليربح الرهان الذي عقده مع عشيقته (أنيت بانينغ)، يبقى المحور، لكن الكثير من المشاهد تُصرف على شخصية الفتاة ومرجعيتها الاجتماعية. لا خطأ في ذلك خصوصاً أن الحياكة ماهرة تسمح للمخرج ولممثليه باستيعاب شخصيات بأقنعة متعددة ومثيرة عموماً.
لكن في هذا الإطار واجه الفيلم مشكلة أثرت على متلقيه وعلى إنتاجه أيضاً، فقبل عام واحد من إطلاق «فالمونت» قدم البريطاني فيلمه (الأفضل) «علاقات خطرة» عن مسرحية كريستوفر هامبتون المقتبسة عن الرواية ذاتها. هذا ما جعل «فالمونت» يصل متأخراً ليقتطف ما تبقى من مشاهدين مهتمين. لكن، من ناحية أخرى، يكشف الفيلم عن أن الرغبة في التحدي الذي صاحب أعمال المخرج فورمان الأولى شحت. الفيلم يقبل أن يلعب دور الراوي بأقل قدر من تفعيل الدراما مع إبقاء المشاعر غالباً محبوسة في صدور أصحابها.
في كل الأحوال أثار فورمان الإعجاب العام من جديد عندما انبرى لإخراج «الشعب ضد لاري فلينت» (1996).
مع هذا الفيلم نرى فورمان وقد عاد إلى الموضوع الآثر لديه: الفرد ضد المجتمع والنظام. لاري فلينت، في الأصل، لم يكن سوى ناشر مجلة خلاعية (قام به وودي هارلسون) أقيمت ضد عدة قضايا قضائية (في السبعينات) نجحت في منع صدور مجلته من حين لآخر وهددت بسجنه مرات. كما في «راغتايم» و«أماديوس»، مزج المخرج الحقيقة بالخيال كما يشاء. بالتالي لا يمكن التأكد من أي شيء نراه سوى الأساسيات. وفي فيلم يأخذ موقفاً مؤيداً لشخصية فلينت، على أساس أنّه الفرد الذي يتحدّى النظام، فإن المبدأ الأخلاقي يأتي في أسفل اهتمامات المخرج وفيلمه.
في كل الأحوال، وعلى الرغم من براعة مؤكدة لوودي هارلسون في تأدية الدور، إلا أنّ الفيلم الذي أريد له الاحتفاء بانتصار الإرادة الفردية تلك يتلاعب بالحقائق كما يرغب ثم ينتهي إلى عمل يثير الضجة وحب المتابعة كونه دراما خفيفة إلى حد أنها تصلح للترفيه أكثر من النظر إليه كعمل فني.
فيلمه التالي «رجل على القمر» (2006)، ثم فيلمه الأخير «مسيرة مستأهلة» (A Walk Worthwhile) عملان دون مستوى أي من الأفلام السابقة الأولى. كون «مسيرة مستأهلة» تم تحقيقه قبل تسع سنوات، وحقيقة أن ميلوش فورمان حينها كان بلغ السابعة والسبعين من العمر، يكشفان عن أنّه لم يكترث ليواصل العمل بالجهد ذاته الذي قام به مخرجون لم تمنعهم سنوات الحياة المتقدمة من ممارسة ما يحبون أمثال كلينت إيستوود (87 سنة) والبرتغالي مانويل دي أوليفييرا الذي مات سنة 2015، عن 107 أعوام وهو ما زال يكتب ويخرج.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».