مبنى تراثي نادر، تزينه الألوان الزاهية، والنقوش الفنية، والقوائم النحاسية الفريدة، يقع في زاوية متسعة من شارع الصليبة (جنوبي القاهرة الفاطمية)، بالقرب من المسجد الأثري أحمد بن طولون.
«سبيل أم عباس» الذي شيدته الأميرة «بمبا قادن»، زوجة الأمير أحمد طوسون، ابن محمد علي باشا، ووالدة الخديو عباس حلمي الأول، عامـ 1867م، والتي خصصته لتوزيع مياه الشرب النقية على المارة؛ طلباً لـ«الثواب»، و«استجلاباً للدعاء».
المبنى الذي يرجع تاريخه لأكثر من 150 عاماً، وكان مصدراً للإكراميات والهبات في زمن فات، يضربه الإهمال منذ سنوات عدة، كما أغلق أبوابه الحديدية في وجه السائحين والزوار، بعد تراكم أكوام القمامة حوله، وأُغلقت أبوابه بسلاسل حديدية، فضلاً عن بعض الشروخ التي ظهرت بجدرانه.
في أحد المحال المواجهة لـ«سبيل أم عباس» المُغلق، التقت «الشرق الأوسط» الرجل السبعيني سيد إبراهيم، أحد سكان المنطقة، الذي بدأ بالحديث عن قيمة هذا السبيل التاريخية. مشيراً إلى أن السبيل أغلق أبوابه منذ سنوات، وأهملته وزارة الآثار، حتى أصبح ملجأ للكلاب الضالة والقوارض والقطط.
يقول إبراهيم: «يأتي إلى السبيل بين حين وآخر، مجموعة من رجال وزارة الآثار، ويفرضون طوقاً أمنياً حوله، ويبدأون في تنظيفه من الداخل، دون الاهتمام بمظهره الخارجي، أو التفكير حتى في ترميمه أو الاعتناء به بصفته أثراً إسلامياً قديماً، والاستفادة منه مزاراً سياحياً للوافدين من الخارج».
بينما التقط منه أطراف الحديث جاره، رفعت محمد، قائلاً: «إن السبيل حتى وقت قريب، كان ورشة لتعليم النساء صناعة السجاد والتطريز، كما استخدم أيضاً فصولاً لتعليم محو الأمية، إلا أنه سرعان ما أغلقت أبوابه، وبقي على هذا المنوال منذ سنوات، دون معرفة الأسباب».
السبيل الذي خصصته «أم عباس» لتوزيع مياه الشرب النقية على المارة، ألحقت به كتّاباً عيّنت به معلمين لتعليم الأطفال العلوم الحديثة، كما في المدارس الحكومية على عهد الخديو إسماعيل، وهو أمر يستلفت الانتباه في ظل ما عرف عن ابنها «عباس الأول» من ميل نحو وقف تيار التحديث في البلاد حتى وصف عهده بالرجعية.
من جهته، قال الدكتور جمال مصطفى، مدير عام آثار جنوب القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «سبيل أم عباس مغلق منذ فترة طويلة»، ولفت إلى أنه «كان تابعاً لوزارة الثقافة المصرية، إلا أنها أخفقت في عملية ترميمه وإعادة هيكلته مرة أخرى، وصدر قرار من اللجنة الدائمة للآثار المصرية والإسلامية بإسناده إلى وزارة الآثار قبل أسابيع قليلة.
وأضاف مصطفى: إنه «بعد صدور القرار، تسلمنا المبنى من وزارة الثقافة، وتم وضع خطة لترميمه وإعادة توظيفه سياحياً من خلال وزارة الآثار، وبدأنا بالفعل في عمل دراسة جدوى لصيانة وترميم المبنى»، موضحاً أن «الوزارة تعكف حالياً على تنفيذ خطة الترميم، وتحديد موعد البدء وعملية الانتهاء».
يشار إلى أن «سبيل أم عباس» امتزج بالفن المعماري العثماني والأوروبي في آن واحد، حيث استعانت «بمبا قادن» بمهندس تركي؛ لوضع التصميم الخاص به، مستخدمة الرخام الأبيض المزخرف بنقوش نباتية من الطراز الأوروبي كساءً للسبيل، كما زُين السبيل بعدد من الكتابات ذات خط نسخي، بالإضافة إلى كتابة سورة الفتح كاملة بطريقة إطارية عليا على الأضلاع الثمانية، والتي كتبها الخطاط التركي عبد الله بك زهدي، أما بقية النقوش على واجهة السبيل، فتحتوى على آيات من القرآن الكريم ذات صلة بوظيفة السبيل.
وفقاً لأثريين بقطاع الآثار الإسلامية، بوزارة الآثار المصرية، فإن السبيل يتكون من مستويين، الأول: تحت الأرض وتوجد فيه الصهاريج التي كانت تستخدم في تخزين المياه، وكانت تلك الصهاريج تملأ بمعرفة سقاءين عن طريق نقلها في قرب جلدية، من أعماق النيل حتى تكون خالية من الشوائب، وكانت تلك المرحلة تتم في شهر أغسطس (آب) من كل عام في موسم الفيضان، حيث تكون الشوائب في أقل معدلاتها.
إلى ذلك، فإن منسوب الشارع الرئيسي يعد المستوى الآخر للسبيل، وهو عبارة عن حجرة ذات ثلاثة شبابيك، ويوجد في صدر هذا السبيل لوحة من رخام «الشاذروان» وهو ذات فائدة مزدوجة، الأولى تبريد مياه الشرب، والثانية تنقيتها من الشوائب إن وجدت.
وفيما يخص المياه، فقد عرف أن المياه المقدمة في الأسبلة وقتئذ مخلوطة بمواد عطرية، مثل العنبر والورد أو الزهر؛ وذلك للقضاء على أي عطن، قد يلحق بالماء جراء التخزين السنوي، كما أنها تضفي على المياه حلاوة العطر فتنعش الشاربين.
8:32 دقيقه
«الإهمال» ينقل «سبيل أم عباس» من «الثقافة» إلى «الآثار» في مصر
https://aawsat.com/home/article/1234731/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%87%D9%85%D8%A7%D9%84%C2%BB-%D9%8A%D9%86%D9%82%D9%84-%C2%AB%D8%B3%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A3%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%C2%BB-%D9%85%D9%86-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9%C2%BB-%D8%A5%D9%84%D9%89-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1
«الإهمال» ينقل «سبيل أم عباس» من «الثقافة» إلى «الآثار» في مصر
مدير آثار جنوب القاهرة: وضعنا خطة لترميمه وإعادة توظيفه سياحياً
- القاهرة: محمود جروين
- القاهرة: محمود جروين
«الإهمال» ينقل «سبيل أم عباس» من «الثقافة» إلى «الآثار» في مصر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

