حرب ساخنة «بلا قواعد» أخطر مما كانت عليه الحرب الباردة

خيارات روسيا في السياسة الخارجية محدودة إذا فشل الرهان على ترمب

مشاركون في مؤتمر الأمن الدولي في موسكو يشاهدون على شاشة ضخمة مقاتلة حربية روسية تسقط صواريخها على أهداف سورية (أ.ب)
مشاركون في مؤتمر الأمن الدولي في موسكو يشاهدون على شاشة ضخمة مقاتلة حربية روسية تسقط صواريخها على أهداف سورية (أ.ب)
TT

حرب ساخنة «بلا قواعد» أخطر مما كانت عليه الحرب الباردة

مشاركون في مؤتمر الأمن الدولي في موسكو يشاهدون على شاشة ضخمة مقاتلة حربية روسية تسقط صواريخها على أهداف سورية (أ.ب)
مشاركون في مؤتمر الأمن الدولي في موسكو يشاهدون على شاشة ضخمة مقاتلة حربية روسية تسقط صواريخها على أهداف سورية (أ.ب)

ظل شبح الحرب النووية مخيما على العالم حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991؛ لكن تلك المواجهة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ظلت محكومة بمعاهدات الحد من التسلح والقمم بين قادة القوتين العظميين، وقواعد الاشتباك غير الرسمية. أما المواجهة الجديدة التي يصعب التنبؤ بتحولاتها، فقد شبهها كونستانتين كوساتشيف رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الاتحاد الروسي، بأنها «حرب بلا قواعد». ويقول كوساتشيف إن خطر حدوث خطأ في الاتصالات أو الحسابات أو تصاعد الموقف فجأة إلى حرب ساخنة، أكبر مما كانت عليه خلال الحرب الباردة الأصلية.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، إن الوضع الحالي أسوأ منه خلال الحرب الباردة بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وأضاف: «آنذاك تم الحفاظ على بعض القواعد والمظاهر. أما الآن فشركاؤنا الغربيون كما أرى الأمر... ضربوا بكل الأصول عرض الحائط».
وفي الأمس كرر لافروف تأكيده على خطورة الوضع بين الشرق والغرب، وذلك خلال اجتماع في موسكو مع الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا توماس جريمنجر في إطار اجتماع مقرر لمناقشة العلاقات الأوروبية الروسية. وسارع جريمنجر هو الآخر إلى التأكيد على «الوضع الخطير» الذي تعيشه العلاقات بين الشرق والغرب. وقال إن العلاقات تزداد سوءا يوميا. ورد لافروف قائلا إن روسيا تظل منفتحة على تحسين أهداف اتفاقية هلسنكي الصادرة عام 1975، الهادفة إلى تحسين العلاقات بين الشرق والغرب.
وقال فيودور لوكيانوف خبير السياسة الخارجية المقرب من الكرملين، في صحيفة «روسيسكايا غازيتا» بعد قرارات طرد الدبلوماسيين الأميركيين الأسبوع الماضي، في التحليل الإخباري لـ«رويترز»: «واشنطن هي من يرفع لواء حرب باردة جديدة». وأضاف لوكيانوف، الذي نبه النخبة الروسية إلى ضرورة التأهب لعقوبات مالية شاملة على غرار العقوبات على إيران: «لا طائل من وراء الأمل في تحسن العلاقات، أو حدوث أي تقدم في أي مجال في المستقبل المنظور».

استراتيجية بوتين الجديدة الاعتماد بدرجة أقل على ترمب
ظلت روسيا لفترة طويلة تعتبر دونالد ترمب الورقة الرابحة في استراتيجيتها لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. إلا أن موسكو أصبحت توشك على اعتباره جذوة انطفأت نارها بعد مرور 14 شهرا على توليه منصب الرئيس الأميركي، وذلك لعجزه عن تحقيق ما وعد به من تحسين العلاقات. كان ترمب قد اعتمد على مضض عقوبات جديدة على موسكو في الصيف الماضي، بسبب اتهامات لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وفي الأسبوع الماضي أيد طرد 60 دبلوماسيا روسيا وإغلاق القنصلية الروسية في سياتل، بسبب تسميم جاسوس روسي سابق في بريطانيا.
وبعد الرهان على ترمب، هوت العلاقات بين روسيا والغرب إلى أدنى مستوياتها، حتى أن الحديث بدأ يتردد عن حرب باردة جديدة. وأصبحت الخيارات أمام الرئيس فلاديمير بوتين لتغيير استراتيجيته والاعتماد بدرجة أقل على ترمب وقدرته على التأثير في آراء من حوله إزاء روسيا محدودة للغاية، وهو يستعد لبدء فترة ولاية جديدة.
ومن هذه الخيارات القليلة موضع الاستكشاف، محاولة توسيع الانقسامات في صفوف الغرب باستمالة فرنسا وألمانيا أو التقارب مع الصين والهند. غير أن موسكو لا تزال ترى العلاقة مع واشنطن محورية للسياسة الخارجية الروسية.
وقال سيرغي نارشكين رئيس المخابرات الخارجية الروسية، يوم الأربعاء، إن «واشنطن أصبحت تركز فقط على محاربة خطر روسي مزعوم لا وجود له». وأضاف: «وبلغ ذلك أبعادا واكتسب خواص منافية للعقل، حتى أصبح من الممكن الحديث عن عودة أيام الحرب الباردة السوداء».

صقور ترمب
يقول محللون وأفراد على صلة وثيقة بأصحاب القرار في روسيا، إن قرار ترمب تعيين مايك بومبيو وجون بولتون، اللذين تعتبرهما موسكو من أكثر الصقور تشددا تجاه روسيا، في منصبين رفيعين في رسم السياسة الخارجية الشهر الماضي، أثار الاستياء في موسكو.
وتقول هذه المصادر إنه فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن موسكو غير مستعدة لتغيير مسارها أو تقديم تنازلات أو إطلاق مبادرات جديدة. ويقول المقربون من أصحاب القرار، كما نقلت عنهم «رويترز» في تحليلها الإخباري، إن روسيا ستستمر في التواصل إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لذلك؛ لكنها سترد بالمثل إذا واجهت مزيداً من التصرفات العدائية، مثل طرد مزيد من الدبلوماسيين.
وقال أندريه كورتونوف الذي يرأس مركز أبحاث تربطه صلة وثيقة بوزارة الخارجية الروسية: «كل ما بوسعنا أن نفعله هو إبقاء الأبواب مفتوحة أمام التفاوض، والتريث لنرى ما سيحدث. هذه هي وجهة النظر السائدة».
وبصفة خاصة تبقي موسكو الباب مفتوحا أمام قمة محتملة بين ترمب وبوتين، كان ترمب قد اقترحها، كما أنها تحرص على إجراء محادثات أميركية روسية حول تحقيق الاستقرار الاستراتيجي النووي، لتفادي سباق تسلح باهظ الكلفة؛ لكن أسوأ السيناريوهات يتمثل في سقوط العلاقات في دوامة لا قرار لها.
التطلع شرقاً والمحور الفرنسي الألماني
قال كورتونوف إنه رغم أن تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة يعتبر احتمالا بعيدا، فإن تحسين العلاقات مع فرنسا وألمانيا يعتبر محققا «لفرص أهم للاستثمار السياسي». وقد أشاد ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين «بالموقف البناء» الذي أخذته فرنسا، بعد أن أكدت باريس أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيزور روسيا في مايو (أيار) رغم التوترات. وأثنى أليكسي بوشكوف عضو مجلس الاتحاد المتخصص في السياسة الخارجية على قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعم خط أنابيب الغاز الروسي المقترح «نورد ستريم 2». وسيربط هذا الخط بين ألمانيا وروسيا، رغم المخاوف من دول أخرى من أعضاء الاتحاد الأوروبي، تخشى أن يضر بأمن الطاقة في الاتحاد. وقال لوكيانوف إن على موسكو أن تعمد إلى تدعيم علاقاتها مع بكين ودلهي؛ لأن لهما «حرية المناورة» على المسرح العالمي، وليستا عرضة للتأثر بالضغوط الغربية على روسيا. وتعتقد موسكو بأن الورقة الرابحة الوحيدة التي تملكها إزاء واشنطن هي ترمب الذي بدا في عيون الروس أنه يمارس لعبة تقسيم الأدوار، فيطلق لروسيا بصيصا من الأمل في الوقت الذي يتشدد فيه الكونغرس وإدارته مع موسكو. وترى روسيا أن ترمب رهينة المؤسسة السياسية الأميركية التي تتهمها بتقليص المساحة التي يمكنه المناورة فيها بالتركيز على التحقيق الخاص في إمكانية تواطؤ مستشاريه مع موسكو، وما تقول روسيا إنها اتهامات زائفة بشأن تدخلها في السياسة الأميركية.
وقد تكشف شعور روسيا بخيبة الأمل في ترمب على مراحل. فقد استقبلت موسكو بالاستياء قرار ترمب شن هجوم صاروخي على قاعدة جوية سورية، وإسقاط قنبلة ضخمة في أفغانستان، والتمسك بسياسات ترجع إلى عهد الرئيس باراك أوباما، بسبب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وتشدد التصريحات حتى وقت قريب فيما يتعلق بكوريا الشمالية.
وبدأت الفرحة الأولية بفوزه في الانتخابات تتبدد، ليحل محلها شعور الحيرة، حين قرر الرجل الذي يأمل الروس في أن يضع نهاية للعقوبات الأميركية إعادة فرض العقوبات مرغما. وكان قراره تأييد طرد 60 دبلوماسيا روسيا بسبب قضية تسميم الجاسوس الروسي نقطة متدنية جديدة.
وقال ديمتري ترينين الضابط السابق برتبة كولونيل في الجيش الروسي، ومدير مركز «كارنيغي موسكو» عن هذا القرار: «على نحو متزايد تقل أهمية الدبلوماسية في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة». وأضاف: «يبدو أن الوقت هو وقت الضرب والرد والإعداد لمعركة». واعتبرت صحيفة إلكترونية روسية تعد مقربة من إدارة الرئاسة الروسية، موافقة ترمب على قرارات الطرد فألا سيئا لعلاقته مع بوتين. وقالت صحيفة «فزغلياد»: «إذا لم تكن 14 شهرا بعد تولي ترمب منصبه قد أتاحت له حرية المناورة، فمن الصعب للغاية التعويل على حصوله عليها فيما تبقى من فترته الرئاسية».
وقد تلقت موسكو بصيصا من الأمل من مكالمة ترمب الهاتفية التي هنأ فيها بوتين بإعادة انتخابه، وما ردده عن قمة بين الجانبين في المكالمة ذاتها، وبيانه الذي قال فيه إنه سيكون «شيئا عظيما» إذا ربطته «علاقة جيدة جدا» ببوتين. وقال كورتونوف: «من الناحية النظرية يمكن للمرء أن يتخيل أنه إذا استطاع الرئيس ترمب بطريقة ما أن يخلص نفسه من مزاعم التواطؤ مع روسيا، فربما يخرج من القفص ويمارس القليل من الحكم الذاتي، في إعادة بناء تلك العلاقة». وأضاف: «لكن هذه الآمال في غاية الضآلة».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».