محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

رحل في الثالث من أبريل قبل اثني عشر عاماً

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

محمد الماغوط
محمد الماغوط

«دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته بوادر قصيدة النثر، كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. كانت الرياح تهب حارّة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء فوق أعلى الصواري. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر، كما نجت موهبته من التحجر والجمود. وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذا العصر»، بهذه الكلمات المعبرة تنهي الشاعرة سنية صالح، زوجة محمد الماغوط، تقديمها لأعماله الشعرية التي أصدرتها دار العودة في بيروت عام 1973. ولعل الفكرة الأهم في هذا النص تتمثل في الإشارة إلى الجانب البدائي من تلك التجربة النادرة التي لم يحصل صاحبها إلا على النزر القليل من التعليم في مدارس سوريا الزراعية، فيما كانت موادها الخام مستلّة من لهب البراكين المتناثرة حول السلمية، بلدة الماغوط التي نسيها الرومان على التخوم الفاصلة بين ريف حمص وبين الصحراء. وغير بعيد عما قالته صالح سيرد صاحب «العصفور الأحدب» على سؤال يتعلق بقصيدة النثر «الشعر نوع من الحيوانات البرية. الوزن والقافية والتفعيلة تدجنه. وأنا رفضت تدجين الشعر وتركته كما هو حراً». وهو ما يلتقي مع رؤية الكاتبة الفرنسية المعروفة مرغريت دوراس للشعر بوصفه «الصراخ الغامض للحيوانات الليلية».
سيكون من نافل القول بالطبع أن نصف محمد الماغوط بالشاعر المتمرد. لكن تمرده، خلافاً للكثيرين، لم يقتصر على الشعر وحده، بل تعداه إلى مواقفه من قواعد السلوك ونظام القيم السائدة، كما من كل نظام سياسي واجتماعي يقوم على الاستبداد والقهر وإذلال البشر وامتهان كراماتهم. لذلك فهو لم يتورع منذ كان طفلاً عن رمي أحد الإقطاعيين المحليين بالحجر، كرد منه على الطريقة المهينة التي اتبعها هذا الأخير في إلقاء صرر القمح على الفلاحين. أما السياط التي نالها بسبب ذلك فقد روى الشاعر بأن آثارها ظلت مطبوعة على جسمه مدى العمر.
كما بدت علاقة الماغوط غير الودية بأبيه تعبيراً عن رفضه للسلطة البطريركية في حلقاتها المتداخلة. وربما كان خروجه على لغة الشعر المألوفة بمثابة تعبير رمزي عن ثورته على النص الموروث والقواعد الجاهزة والمعلبة للشعر العربي. كان من الصعب تبعاً لذلك تدجين الماغوط وترويضه، حتى من قبل الآيديولوجيا التي انتمى إليها شاباً في الخمسينات، وعانى بسببها من وطأة السجن والفقر والمنفى. فهو حين سئل عن سبب انخراطه في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لا في صفوف حزب البعث، عزا السبب إلى كون الأول قد جهز مقره بمدفأة حديثة تردّ عن محازبيه غائلة البرد، فيما أخفق الثاني في تحقيق ذلك! وخلال إقامته في لبنان كانت حياة الشاعر تسير على خطين متوازيين، خط الحياة البائسة التي فرضت عليه أن يكسب قوته عبر أكثر المهن قسوة وإرهاقاً، وخط الإبداع الذي أتاح له التعرف إلى مؤسسي مجلة «شعر» من أمثال يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس. حتى إذا قرأ هذا الأخير نصاً غُفلاً من الاسم على مسامع المجتمعين في لقاء المجلة الأسبوعي ظن البعض أنه يعود لبودلير، والبعض الآخر أنه لرامبو، قبل أن يفاجئ أدونيس الحضور بأن صاحب النص الذي أصابهم بالذهول هو الماغوط نفسه.
لقد شكلت الحياة القاسية التي عاشها الماغوط في طفولته وشبابه الخلفية الواضحة أو المستترة لكل قصائده وصوره ومناخاته الشعرية. على أن ذلك القدر من المعاناة لم يكن لينتج قامة بحجم قامته لو لم يحظ بموهبة استثنائية، وبقدرة هائلة على تحويل مواد الواقع الأولية إلى صور مدهشة تصعق القارئ بطزاجتها ومفارقاتها وغرابة عناصرها المحيرة. فالماغوط لم يكتب عن العوز والتشرد تأثراً منه بالأدبيات الماركسية التي فرضت على الشعر الالتزام بمعايير عقائدية وأخلاقية محددة للاعتراف بأهميته وجدواه، بل كان ما كتبه انعكاساً لتجربته القاسية وتشرده الحقيقي، وهو الذي قضى ليالي وأياماً كثيرة طريداً بلا مأوى على أرصفة التسكع الباردة. وهو لا يقول: «ما من سنبلة في العالم إلا وعليها قطرة من لعابي» من باب المبالغة والتهويل اللفظيين، بل لأنه عرف معنى الجوع وخبِره عن كثب. وهو إذ يستخدم ضمير المتكلم في الكثير من قصائده لا تنغلق أناه على نفسها كالشرنقة، بل تعكس وجع الإنسان ومعاناته أينما وجد. حتى إذا انتقل إلى ضمير الجماعة بدا شعره شبيهاً بالتعاويذ والأدعية والابتهالات التي أطلقها الشعراء القدامى لحث قوى الطبيعة على إخراجهم من العزلة والكبت والقهر: «أيها القمر المنهوك القوى يقولون إنك في كل مكان على عتبة المبغى وفي صراخ الخيول بين الأنهار الجميلة وتحت ورق الصفصاف الحزين كن معنا في هذه العيون المهشمة والأصابع الجرباء أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر لنسمع رحيل الأظافر وأنين الجبال ما من أمة في التاريخ لها مثل هذه العجيزة الضاحكة والعيون المليئة بالأجراس».
ليس في هذا الشعر استسلام للإنشاء الرخو أو الميلودراما العاطفية الرومانسية، ولا هو مقتطع من حواضر الصور والاستعارات المألوفة، بل هو يخرج من القاع الأخير للألم الإنساني مندفعاً نحو غايته بدينامية بالغة التوتر وبعيدة عن التكلف والتكلس والجمود التعبيري. ثمة في نصوص الماغوط ما يؤجج الإحساس بوحشة الكائن، كما بغياب العدالة وتسليع القيم، وتحوّل الأرض في ظل الجشع الرأسمالي إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء. كما أن الصور عند الماغوط تجانب المجانية والاقتحام المتعسف لمناخ القصيدة، بل هي موظفة في خدمة المعنى والمناخ العام للقصيدة.
إضافة إلى أن الإفادة من فن السرد توفر للنص ذلك الخيط الدرامي الذي يؤالف بين مقاطعه وأجزائه. وإذا كانت قصائده تتجه مباشرة إلى معناها، فالماغوط يعرف كيف ينقذ الوضوح من فخ المباشرة، وكيف يحوله إلى طاقة خلاقة من التفاعل مع القارئ عبر تدافع الجمل وحرارة الأسلوب وقوة الإقناع. ومعانيه محمولة دائماً على الالتباس ومشرعة بفعل الصدق على نقيضها، بحيث يمكن له أن يضع لأحد كتبه عنوان «سأخون وطني» دون أن يساورنا بوطنيته أي شك. إن معظم ما يكتبه الماغوط يُحمل على غير وجه لأنه يستخدم أسلوب التورية الماكرة والسخرية المشبعة بالمرارة، خصوصاً فيما يتصل بواقع وطنه وأمته المزري، حيث تغيب قيم الحرية والعدالة والمساواة ليحل محلها التسلط والقهر والسحق التام للكرامة الإنسانية. وليس ثمة شاعر متعلق بوطنه إلى حد التتيم والوله الصوفي أكثر من ذلك الذي يهتف بمرارة قل نظيرها: «قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر أنني سأرفع سبّابتي كتلميذ طالباً الموت أو الرحيل ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة من أيام الطفولة وأريدها الآن لن أصعد قطاراً ولن أقول وداعاً ما لم يُعِدْها إليَّ حرفاً حرفاً ونقطة نقطة وإذا كان لا يريد أن يراني أو يأنف من مجادلتي أمام المارة ليضعها في صرّة عتيقة أو وراء شجرة ما وأنا أهرع لالتقاطها كالكلب ما دامت كلمة الحرية في لغتي على هيئة كرسي صغير للإعدام».
إن الغريزة الجامحة لا التأليف البارد هي ما يقف وراء شعر الماغوط. والقلب لا العقل هو محرك الكتابة ومحفزها ودليلها الهادي. وهو إذ يلتقي مع نيتشه في انحيازه للخيار الديونيزي المتمثل بالحيوية الشهوانية ضد الخيار الأبولوني المتمثل بالعقلانية والهندسة المنظمة، يفترق عنه في تمجيده الصعلكة والهشاشة الإنسانية مقابل إعلاء صاحب «هكذا تكلم زرادشت» لمبدأ القوة والاستحواذ والسيطرة على الآخرين. هكذا لا يحضر الحب عند الماغوط في ثوبه العذري والرومانسي، بل في إطاره الشبقي الذي يحرر الجسد المغلول من قيوده ورغباته المقموعة، من مثل «المرأة التي أحلم بها لا تأكل ولا تشرب ولا تنام إنها ترتعش فقط ترتمي بين ذراعي وتستقيم كسيف في آخر اهتزازه» أو «آه كم أود أن آكل النساء بالملاعق وأن أقضم أكتافهنّ كالفهد» أو يقول بلسان المرأة الحالمة بالرجل المعشوق من جهة أخرى: «عندما أكون وحيدة يأتي إلى زنِخاً كالقصّاب بطيئاً تحت الأشجار الجرداء يلوّح شهوته كالسلسلة بين إصبعيه». ولعل الميزة الأهم لشعر الماغوط تتمثل في رهانه على الحواس الخمس كوسيلة فضلى لاكتشاف جمال العالم، أو للخوض في أوحال العيش أو لمعاينة جذور الشقاء. فهو شعر روائح وأصوات ومشاهد ومذاقات، لا شعر المعادلات الرياضية التي تتم في غرف العقل الباردة.
لكن الشاعر الذي يكتب نصوصه بجماع أعصابه، ما يلبث أن يجد الهوة عميقة بين غزارة أحلامه وبين تعثر خطاه، فيصرخ بشطره الآخر «اصرخ أيها الأبكم وارفع ذراعيك عالياً حتى ينفجر الإبط، واتبعني أنا السفينة الفارغة والريح المسقوفة بالأجراس أتحسس صدري وحنجرتي النافرة كثمرة التفاح وحول عيني قطيع من الدموع». كما أن نصوصه النثرية وأعماله المسرحية العديدة كانت بدورها مأهولة بحمى اللغة والسخرية السوداء ونزيف الشرايين.
أما ما اصطلح البعض على تسميته بالإيقاع الداخلي، فهو يجد في شعر محمد الماغوط شاهده ونموذجه الأمثل، حيث الجمل والسطور تتناظر وتتوازى وتتدافع نحو خواتيمها دون تعسف أو افتعال، وحيث الصيغ الكلامية تتنوع بين النداء والاستفهام والتعجب والاستنكار، وبين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب، وحيث التكرار يجانب الإملال السقيم ويصادق تقليب الرعشات على وجوهها الكثيرة. وإذا كانت الصورة هي قوام شعر الماغوط الذي يقول في أحد حواراته بأن طفولته برمتها هي شريط من الصور، فإن إنجازه الأهم على هذا الصعيد يتمثل في إعادة الاعتبار للتشبيه الذي طالما وضعه البعض في أدنى سلم البيان العربي.
ذلك أنه يقيم وجوهاً غير مسبوقة للشبه بين العناصر والكائنات والأشياء. ونحن لا نملك أن نستجيب إلا بالشهقات حين نقرأ له تشبيهات شديدة الغرابة، من مثل «كنت أتدفق وأتلوى كحبلٍ من الثريات المضيئة الجائعة» أو «لا شيء سوى الغبار يعلو ويهبط كثدي المصارع» أو «أوروبا القانية تهرول في أحشائي كنسرٍ من الصقيع».
يبقى لي أخيراً أن أشير إلى وحشة الماغوط وغربته، وبخاصة بعد أن أنهكه المرض في سنواته الأخيرة، ووضعه وجهاً لوجه أمام فكرة الموت. إلا أن غربته تلك لم تقتصر على فترة بعينها، بل كانت حياته برمتها منذورة للغربة والتشرد والضياع، وهو القائل «إنني لست ضائعاً فحسب فحتى لو هويت عن أريكتي في المقهى لن أصل إلى سطح الأرض بآلاف السنين».



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».