مهجرو الغوطة تركوا ذكرياتهم... وذهبوا إلى المجهول في إدلب

{الشرق الأوسط} تستطلع أوضاع معارضين نزحوا إلى شمال سوريا

مدنيون ومقاتلون معارضون في قلعة المضيق قبل انتقالهم إلى إدلب أول من أمس (أ.ف.ب)
مدنيون ومقاتلون معارضون في قلعة المضيق قبل انتقالهم إلى إدلب أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

مهجرو الغوطة تركوا ذكرياتهم... وذهبوا إلى المجهول في إدلب

مدنيون ومقاتلون معارضون في قلعة المضيق قبل انتقالهم إلى إدلب أول من أمس (أ.ف.ب)
مدنيون ومقاتلون معارضون في قلعة المضيق قبل انتقالهم إلى إدلب أول من أمس (أ.ف.ب)

لم يتوقع عدد من آلاف المهجرين الذين تركوا في الأيام الماضية بيوتهم في الغوطة الشرقية التي حاصرتها قوات النظام السوري لسنوات أن يخرجوا على قيد الحياة إلى ريف محافظة إدلب شمال غربي البلاد.
وكان ريف إدلب المحطة الرئيسية لمعظم من تم تهجيرهم خلال الأشهر الماضية ضمن إطار اتفاقات بين مجموعات المعارضة من طرف والنظام وإيران وروسيا من طرف آخر، بحسب نشطاء معارضين.
لكن هؤلاء لم يفكروا لوهلة في أن يحنوا لذلك الحصار القاتل ذلك نظرا لما آلت إليه أوضاعهم من تشريد وخيبة مع تراجع اهتمام المنظمات الدولية، حيث لم تستطع أن تقدم لهم أكثر من خيمة أو غرفة صغيرة في مركز إيواء ليس أصلاً إلا مدرسة تحولت صفوفها إلى قاعات يحتمي فيها آلاف المهجرين.
ورغم التهجير القسري الذي حمل الأهالي إلى الشمال السوري فضل بعض أهالي الغوطة الشرقية الذهاب إلى مناطق سيطرة قوات النظام السوري داخل العاصمة دمشق، حيث أفادت موسكو بأن عدد الذين نزحوا إلى مناطق النظام بلغ 114 ألف مدني.
في المقابل، تقدر أعداد الذين خرجوا باتجاه إدلب بحوالي 15 ألف شخص، بينهم مقاتلون ومدنيون من الغوطة الشرقية وصلوا إلى الشمال عبر ترحيلهم بالباصات الخضراء. رامي طه عضو المجلس المحلي في حرستا يقول لـ«الشرق الأوسط» في ريف إدلب: «تعرضت غوطة دمشق الشرقية منذ مطلع فبراير (شباط) لهجوم عنيف جداً فيما يبدو محاولة من النظام وحلفائه لاقتحامها والسيطرة عليها عبر الاستهداف الناري الكثيف للحاضنة الشعبية من أجل الضغط على الفصائل المعارضة حتى تقبل بالخروج منها، وقد أدى القصف الجوي والمدفعي إلى سقوط أكثر من 1000 قتيل أكثرهم من الأطفال والنساء».
منذ نحو ست سنوات يعاني أبو وائل وعائلته من ويلات الحرب في سوريا مرغمين على الترحال الدائم وبسبب المعارك المستمرة والحصار لم تجد هذه الأسرة إلا مكاناً داخل الغوطة الشرقية. ويقول الرجل ذو السبعين عاماً لـ«الشرق الأوسط»: «كلما استقررنا في منطقة لا تمر سنة إلا وتأتينا البراميل والقصف فنتوجه إلى مكان ثاني في المرة الرابعة اضطررنا للخروج من دير العصافير باتجاه عربين في الغوطة الشرقية». ويضيف: «هذه المرة اتجهنا في رحلة نزوح وتهجير ربما تكون طويلة وطويلة جداً إلى أين لا نعرف ليس أمامنا سوى المجهول».
أبو وائل بين 400 ألف مدني وفق الأمم المتحدة كانوا في الغوطة الشرقية حيث شنت قوات النظام بدعم روسي هجوماً مكنها من السيطرة على عشرات القرى والبلدات.
من جهتها، تقول لينا الأبجر لـ«الشرق الأوسط»: «تركنا كل شيء خلفنا راح منزل عائلتي وأشجاري وعمري كله لم أحمل سوى الثياب التي أرتديها لكن رغم ذلك سنعود إليها مجدداً ولن يثنينا التهجير عن العودة إلى بيتي وأرضي».

اكتظاظ في إدلب
وبحسب تقديرات عدة، تضم محافظة إدلب 3.6 مليون نسمة بينهم 1.1 مليون نازح من مناطق أخرى. وهناك من يقدر عدد السكان في إدلب بحوالي 2.5 مليون. وشكلت المحافظة خلال السنوات القليلة الماضية وجهة أساسية لمقاتلين معارضين ومدنيين تم إخلاؤهم من مناطقهم بموجب اتفاقات مع قوات النظام.
أما أبو محمد فيقول: «هذا اليوم كأنه تاريخ ميلاد لكنه تاريخ بكاء ودم... أثناء جلوسك في الحافلة تفقد التركيز لا تستطيع الكلام وأنت ترى بلدك خلفك ولا تعرف أين ستعيش». ويوضح الرجل المعاق على كرسيه المتحرك: «في الفترة الأخيرة بدأت المعارك والقصف وتقدم الجيش على الثوار وبدأت الناس تخرج نساءها وأطفالها من ملجأ لآخر لكن لا مكان آمناً في الغوطة، فقد سقط صاروخان وبراميل قربنا أكثر من مرة... خفت على الأولاد كثيراً إلا أننا والحمد لله لم نصب بأي أذى».
قبل ثلاثة أسابيع من بدء الحملة على الغوطة الشرقية تزوج وسيم وجلنار اللذان كانا يقيمان في مدينة عربين وخرجا مع الآلاف من سكانها بموجب اتفاق إجلاء بين الحكومة والفصائل المقاتلة. وخلال أقل من شهر وجد الزوجان نفسيهما مضطرين للنزوح خمس مرات من منزل إلى آخر داخل الغوطة الشرقية إلى أن استقرا أخيراً في ريف إدلب.
لم يبق لدى جلنار الكثير من الذكريات من مدينتهما عربين سوى قبعة حاكتها وبعض الكتب.
وتتذكر أنه قبل خروجهما من الغوطة ذهبت في آخر الأمر في جولة مع زوجها وسيم وتقول: «سرنا بين أرجاء مدينتنا المهدمة وكانت كلها على الأرض والتقطنا بعض الصور». وتضيف جلنار: «تركنا خلفنا ذكرى كتبناها على الجدار وإذا عدنا أتمنى أن نجدها».
أبو سعيد من حرستا يقول: «لم يستوعب حتى الساعة ما ستكون عليه حياته الجديدة التي فرضت عليه فرضاً لاضطراره إلى مغادرة مدينته خوفاً من ملاحقته من قبل قوات النظام بعد دخولها»، قبل أن يتحدث عن «خيبة وأوضاع صعبة للغاية يرزح تحتها كما كل أهالي حرستا الذين وصلوا إلى مدينة إدلب وريفها»، حيث يعيش حالياً وعائلته لدى أحد أصدقائه القدامى. ولفت إلى تضخم سكاني في المنطقة إلى حد أنه لم يعد هناك حتى منازل للإيجار. ويضيف: «حتى لو أردنا أن ندفع إيجار منزل ما فذلك غير متوفر والأسعار مرتفعة للغاية».
وانتقد أبو سعيد عمل الجمعيات الإنسانية التي لا تقوم إلا بتسجيل آلاف الأسماء لتعطي بالنهاية مساعدات لـ20 شخصاً وترحل. وتطرق لأحوال المهجرين الذين وصلوا إلى محافظة إدلب، قائلا إن القسم الأكبر منهم يعيش حالياً في خيم تم نصبها على الحدود السورية - التركية أو في مدارس حولت إلى مراكز إيواء في مدينة إدلب ومناطق ريفها. ويتابع: «هناك نحو مليون مهجر تستضيفهم محافظة إدلب التي ضاقت بهم وبأبنائها».
يقيم مروان مع عائلته في الغوطة منذ أن خرج من حمص وكانت الغوطة ليست محاصرة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن حواراً دار بينه وزوجته عندما وقفا أمام حافلات نقل المهجرين من حرستا. ويضيف: «شاركنا أهالي الغوطة الألم والجوع والموت وقليلاً من الفرح لكن الألم في الخروج كان أكبر».
وليد ناشط من أهالي الغوطة من حرستا خرج إلى الشمال السوري و«السبب يعود لأنه يعيش وحيداً لم يبق أحد من عائلتي وأقاربي ولا سبب لبقائي بعد هدر المقدرات والأنفس في الاقتتال المتكرر بين الفصائل التي كانت سبباً رئيسياً لسقوط الجبهات».

منع الطعام
أما المقاتل محمود وهو أب لأربعة أطفال، فيقول إنهم يقيمون في تركيا وأخرجهم قبل حصار الغوطة بفترة وجيزة مع أهله لكن «فضل الخروج إلى إدلب واللحاق بعائلته وإعالتهم»، معتبراً أن ذلك «أوجب من بقائي في أرض الفسطاط التي دمرها قادة دون إنكار دور المقاتلين الأبطال على الجبهات».
من جهته، يقول الناشط حسام الجندي إن النظام السوري «كان خلال السنوات الماضية يقتل أطفال الغوطة المحاصرة بالصواريخ والقذائف وما زال والآن يقتلهم عبر منع الطعام عنهم»، مشيراً إلى أن النظام «أغلق كل المعابر باتجاه الغوطة». ويضيف أن الأسعار «ارتفعت بشكل خيالي، حيث بلغ سعر الكيلوغرام من السكر على سبيل المثال 5 آلاف و700 ليرةـ أي ما يعادل 11 دولاراً أميركياً». ويشير إلى أن استهداف النظام لمستودعات الأدوية ومنع دخول أدوية جديدة للمنطقة أسهما في نفاد شبه كامل للأدوية فيها.
تقع الغوطة الشرقية كما يدل اسمها على ذلك في شرق مدينة دمشق، وسميت بهذا الاسم لأنها عبارة عن بساتين غناء من أشجار مثمرة تحيط بمدينة دمشق، وقد كانت تشكل تاريخياً جزءاً من حزامها الأخضر إلى جانب الغوطة الغربية وسلة غذائها الرئيسية وتبلغ مساحتها نحو 110 كيلومترات مربعة وتضم مجموعة من المدن والبلدات أكبرها دوما التي تعد عاصمة إدارية للمنطقة وحرستا وغيرها من المدن والبلدات التي يصل عددها إلى عشرين مدينة أو بلدة. ويعمل معظم أهلها وقد كان يبلغ عددهم قبل الثورة أكثر من مليوني نسمة في الزراعة.
اشتهرت غوطة دمشق بمقاومتها الشديدة للاحتلال الفرنسي، وبالنظر إلى كونها غطاء أخضر متصلاً بالبادية مثلت ملجأ آمناً للثوار على مر العصور، كانت غوطة دمشق من أوائل المناطق التي ثارت على النظام في مارس (آذار) 2011 بسبب الظلم الذي لحق بها من سياساته الزراعية وتمليك الأراضي لمشاريع رجالات النظام واتباع سياسة الاستيراد لبضائع تنتج فيها مثل الأثاث وغيرها. وبحسب معارضين، سيطرت عليها المعارضة بداية عام 2013، وهي تخضع منذ ذلك الوقت لحصار شديد من طرف قوات النظام لقد حاول النظام اقتحامها من محاور مختلفة أكثر من مرة خلال السنوات الخمس الماضية لكن كل محاولاته باءت بالفشل، يعيش في الغوطة بحسب أكثر التقديرات نحو 400 ألف نسمة رفضوا الخروج من أراضيهم وبيوتهم على الرغم من إجراءات الحصار التي أوصلتهم في بعض الأوقات إلى حافة الجوع.
كانت الغوطة الشرقية تمثل إحدى مناطق خفض التصعيد الأربع الرئيسة إلى جانب إدلب وريف حمص الشمالي ومنطقة جنوب سوريا الغربي (درعا والقنيطرة) التي نشأت نتيجة اتفاق روسي - تركي فتح الباب أمام ظهور مسار أستانة بعد سقوط الجزء الشرقي من مدينة حلب بيد روسيا وحلفائها في ديسمبر (كانون الأول) 2016، وقد تم التوصل إلى تفاصيل شمول الغوطة بنظام الهدنة في اتفاق وقعته روسيا بوساطة مصرية في القاهرة في يوليو (تموز) 2017 مع «جيش الإسلام» أحد فصيلي المعارضة الكبيرين اللذين يسيطران على الغوطة الشرقية ثم انضم إليه «فيلق الرحمن» في الشهر التالي.
وإذ وقع «فيلق الرحمن» اتفاقا مع روسيا للخروج من القطاع الأوسط من الغوطة بعد توقيع «أحرار الشام» اتفاقا للخروج من حرستا، تجري حالياً مفاوضات مباشرة بين الجيش الروسي و«جيش الإسلام» لتقرير مستقبل دوما شمال الغوطة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.