انطلاقة عربية لشبكات الجيل الخامس العام الحالي

بدء اختبارات واسعة النطاق في السعودية

قطاعات كثيرة ستستفيد من السرعات العالية لشبكات الجيل الخامس
قطاعات كثيرة ستستفيد من السرعات العالية لشبكات الجيل الخامس
TT

انطلاقة عربية لشبكات الجيل الخامس العام الحالي

قطاعات كثيرة ستستفيد من السرعات العالية لشبكات الجيل الخامس
قطاعات كثيرة ستستفيد من السرعات العالية لشبكات الجيل الخامس

يحضر العالم نفسه لاستقبال شبكات الجيل الخامس (5G)، في وقت لاحق من العام الحالي وبدايات العام المقبل، التي تعد بسرعات تحميل فائقة تسمح للمستخدمين مثلاً بتحميل أفلام كاملة في ثوانٍ قليلة، وخفض زمن الرد، وتطوير جودة الصوت. وتفتح السرعات الكبيرة المقبلة آفاقاً واسعة أمام الصناعات وقطاعي التجارة الإلكترونية والتجزئة والتعاملات الحكومية والطاقة والمرافق والسلامة العامة والرعاية الصحية والنقل العام ووسائل الإعلام والترفيه والسيارات والخدمات المالية والزراعة، وغيرها. كما سيساهم هذا الجيل الجديد في خفض استخدام طاقة أبراج الاتصالات بنحو 90 في المائة، مقارنة بشبكات الجيل الرابع الحالية.
ويُتوقع أنه بحلول عام 2020، سيكون هناك مليار جهاز متصل بالإنترنت، ومليار ونصف المليار سيارة متصلة، وأكثر من مليار عداد ذكي متصل، وأن معدل الاتصال بالإنترنت سيكون مليون اتصال في كل كيلومتر مربع، وبفارق نقل زمني يبلغ 1 مللي ثانية، أي أنه يفسح المجال للانتقال من عالم عروض الدقة العالية إلى عالم الواقع الافتراضي في كل شيء. وستقاس سرعات الاتصال بالغيغابت، بدلاً من الميغابت (الغيغابايت الواحد يعادل 1024 ميغابت)، ولتكون سرعة 10 غيغابت في الثانية (1.25 غيغابايت في الثانية) هي السائدة، التي من شأنها تجهيز البنية التحتية لتقنية إنترنت الأشياء Internet of Things (IoT) (تقنية تسمح لأي جهاز أو ملابس الاتصال بالإنترنت بسهولة وبطاقة منخفضة، وذلك لتوسيع قدراته ووظائف)، ونقل البيانات الضخمة للمؤسسات والحكومات بسرعات فورية دون التأثير سلباً على سرعة تحميل البيانات الشخصية.

شبكات المستقبل
وستقدم هذه الشبكات القدرة على نقل عروض الفيديو بدقتي 4K و8K، وستدعم نقل البيانات للواقعين الافتراضي والمعزز، ويتوقع أن تنخفض تكلفة البيانات بنحو 10 أضعاف لكل غيغابايت، مقارنة بشبكات الجيل الرابع الحالية. كما ستسهم هذه الشبكات بتوفير كم هائل من تقنيات وخدمات الاتصال، وفتح أسواق جديدة لتقنية إنترنت الأشياء، ووسائل النقل الذكية والسيارات والأجهزة المتصلة، وخدمات الرعاية الصحية عن بعد، والتحكم بالآلات الصناعية عن بعد.
ومن الأمثلة والتطبيقات التي ستنجم عن توفير السرعات العالية للاتصال والزمن المنخفض للاستجابة قدرة الجراحين على إجراء العمليات الجراحية عن بعد دون الحاجة لدفع مبالغ طائلة لقاء توفير اتصال ثابت وسريع، كما هو الحال عليه الآن، مع قدرتهم على إجرائها لأي مريض حتى لو كان في قرية نائية، بالإضافة إلى قدرة الشركات التجارية على متابعة حالات شحناتها في الموانئ الذكية، ومعرفة مكان وجودها بدقة عالية جداً، وبأي وقت، وذلك بسبب ربط كل شحنة بشريحة تحديد الموقع، وتحتوي على بيانات إضافية مهمة للشركة. والأمر نفسه ينطبق على قطاع رعاية المواشي والدواجن، حيث سيستطيع أصحاب المزارع الحيوانية تتبع أماكن وجود القطيع بدقة عالية، وتحديد الأوقات المناسبة لحلب الأبقار وجمع البيض وأوقات التغذية وغيرها، لينضم الريف إلى قائمة الأماكن الذكية في البلدان المختلفة، عوضاً عن حصرها بالمدن.
وبالنسبة للفوائد على قطاع السيارات، فستوفر تقنية اتصال السيارات بكل شيء من حولها عبر شبكات الجيل الخامس قدرة أفضل على فهم المركبة لما يدور حولها، وذلك بسبب السرعات العالية لنقل البيانات، وخفض زمن الاستجابة، الأمر الذي سيؤدي إلى خفض عدد الحوادث المرورية بشكل كبير، وتطوير تجربة القيادة الذاتية والمستقلة بالكامل. ويمكن للمركبات مثلاً التعاون لتفادي حوادث التصادم، حيث قد تؤدي التصرفات الفردية للمركبة بهدف تجنب الاصطدامات إلى ظروف قيادة خطرة للمركبات الأخرى، ولكن إن استطاعت هذه المركبة التحدث مع المركبات المحيطة بها، وإخبارها بما ستفعله، فلن تتفاجأ تلك المركبات بالحركة السريعة للمركبة، لتقوم جميع المركبات بتنسيق تصرفاتها لتجنب الاصطدامات المشتركة.
كما يمكن للمركبات السير بكثافة في الطرقات لتوفير المزيد من المساحة للسيارات الأخرى، ذلك أنها ستعلم متى ستتوقف المركبة الموجودة أمامها، ومتى ستزيد أو تخفض من سرعتها، الأمر الذي سينجم عنه تطوير كفاءة المرور وتوفير الوقود. وسيستطيع السائقون الرؤية من خلال المركبات لمسافات طويلة، إن أرادوا معرفة ما الذي يحدث في الطريق أمامهم، بحيث ستصور المركبة الكبيرة الموجودة في المقدمة مرور المشاة من أمامها، وستخبر السيارات الصغيرة الموجودة خلفها بما يجري، وذلك لأن السائق في السيارة الصغيرة لن يستطيع مشاهدة مرور المشاة بسبب وجود مركبة كبيرة أمامه، الأمر الذي قد يجعله يتجاوز المركبة، ويسير بسرعة دون إدراك مرور المشاة. وستستطيع السيارات الذكية عرض بث لمرور المشاة مباشرة على الزجاج الأمامي للسيارات الموجودة خلفها، وبشكل آلي.

انطلاقة في المنطقة
وتتوقع شركة «إريكسون» Ericsson السويدية، المتخصصة في خدمات وتقنيات شبكات الاتصالات، بأن تبدأ الاختبارات المتعلقة بتقنية الجيل الخامس خلال العام الحالي، لتتزايد بعد ذلك الأنشطة بسرعة مع أكثر من 70 في المائة من الشركات الهادفة إلى استخدام هذه التقنية في عمليات الإنتاج بحلول عام 2021. وتعتبر قطاعات التصنيع والطاقة والمرافق العامة والنقل والخدمات المالية الأكثر احتمالاً لاستخدام هذه التقنية بحلول عام 2020. وتعتبر الأتمتة الآلية المباشرة المجموعة الأكثر استفادة من شبكات الجيل الخامس، حيث ستبلغ عائداتها 101 مليار دولار أميركي بحلول عام 2026. أما خدمات الفيديو المطورة، فستبلغ عائداتها 96 مليار دولار أميركي في العام نفسه. كما أكدت الشركة أن معداتها مجهزة لتوفير شبكات اتصال في القطارات السريعة داخل وبين المدن، التي تفوق سرعاتها 300 كيلومتر في الساعة، الأمر الذي عادة ما يشكل عقبة للشبكات العادية التي تنقل اتصال الجوال من خلية (أو برج) اتصال إلى أخرى في أثناء التنقل.
كانت شركة الاتصالات السعودية «STC» قد وقعت مع «إريكسون» مذكرة تفاهم للتعاون الاستراتيجي في مجال تقنيات الجيل الخامس والخدمات الرقمية للمستخدمين والشركات، وذلك لإجراء اختبارات ميدانية واسعة النطاق لتقنيات الجيل الخامس في المملكة العربية السعودية، والوصول إلى مستوى جديد من السرعات العالية، ومستويات زمن الرد المنخفضة جداً في الشبكة.
ولن تطلق بعض شركات الاتصالات شبكات الجيل الخامس فوراً، بل ستطور شبكات الجيل الرابع لتقدم سرعات اتصال أعلى، مطلقة عليها اسم «LTE+» أو «LTE Advanced» أو شبكات الجيل الرابع والنصف (4.5G)، وليس (5G). وتستطيع شركات الاتصالات تقديم سرعات تحمل فائقة السرعة من أجهزتها الخادمة، وليس من الإنترنت، وذلك بإطلاق ما يعرف بشبكة توصيل المحتوى الموحدة United Delivery Network، التي تقوم بتخزين المحتوى المطلوب محلياً، ومن ثم توزعه بسرعات فائقة على الأجهزة الأخرى التي تطلبه، عوضاً عن تحميل عرض الفيديو نفسه من الإنترنت لكل جهاز يرغب بمشاهدته.
وتعمل «إريكسون» حالياً مع أكثر من 80 شركة مزودة لخدمات النطاق العريض للإنترنت في 22 موقعاً عالمياً على تطوير سرعات وجودة هذه التقنية. ويمكن من خلال هذه التقنية نقل البرامج التلفزيونية المحلية عبر شبكات شركات الاتصالات، الأمر الذي قد يحول القطاع إلى هجين ما بين الاتصالات والبث التلفزيوني.



بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».