موسكو ترد على لندن بطرد 23 دبلوماسياً... وإغلاق المجلس البريطاني

مجلس الأمن القومي يجتمع مطلع الأسبوع للتفكير في {الخطوات المقبلة}

رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها بمنتدى الربيع لحزب المحافظين في لندن أمس (غيتي)
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها بمنتدى الربيع لحزب المحافظين في لندن أمس (غيتي)
TT

موسكو ترد على لندن بطرد 23 دبلوماسياً... وإغلاق المجلس البريطاني

رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها بمنتدى الربيع لحزب المحافظين في لندن أمس (غيتي)
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها بمنتدى الربيع لحزب المحافظين في لندن أمس (غيتي)

نفذت موسكو أمس، وعيدها بإعداد «رد مناسب ومتكافئ» ضد التدابير العقابية البريطانية التي جاءت على خلفية قضية تسميم عميل الاستخبارات السابق سيرغي سكريبال. وأعلنت أمس طرد 23 دبلوماسياً بريطانياً، وإغلاق «المجلس البريطاني» الذي سادت حول نشاطه سجالات طويلة في روسيا، ووصفه برلمانيون ومسؤولون أمنيون بأنه يشكل «معقلاً لتنظيم أنشطة التجسس».
واستدعت الخارجية الروسية أمس، السفير البريطاني في موسكو لوري بريستو، وأبلغته بلائحة التدابير الجوابية على الإجراءات التي اتخذتها لندن، وتعمدت موسكو أن تطرد عدداً مساوياً لعدد الدبلوماسيين الروس الذين طردتهم بريطانيا، وأن تمهلهم فترة أسبوع لمغادرة البلاد تماماً مثلما فعلت لندن.
لكن الإجراءات الجوابية الروسية حملت نقطتين إضافيتين؛ أولاهما سحب ترخيص عمل مكتب قنصلي بريطاني في سان بطرسبورغ، ما يعني إغلاق جزء من البعثة الدبلوماسية البريطانية لدى روسيا. والثانية وقف عمل «المجلس الثقافي البريطاني» في روسيا، الذي يعد أكثر المؤسسات الأجنبية نشاطاً في المجالات الثقافية، رغم أن سجالات واسعة أثيرت حوله في السنوات الأخيرة، وكانت تزداد حدة في كل مرة بعد اندلاع أزمة بين البلدين، حيث اتهم المجلس أكثر من مرة بأنه يمارس نشاطاً يتعدى حدود إقامة فعاليات ثقافية. وقد اتهمت موسكو في السابق بعض موظفي المجلس بأنهم عملاء للأجهزة الخاصة البريطانية، وقامت بطرد عدد منهم عام 2006، عندما اشتعلت أزمة بين البلدين في أعقاب اغتيال العميل الروسي المنشق ألكسندر ليتفينينكو، الذي قتل في لندن بمادة سامة مشعة.
وقال إيغور ماروزف، عضو مجلس الفيدرالية (الشيوخ) الروسي، وهو ضابط سابق في جهاز الاستخبارات، إن روسيا «تتذكر أنه قبل عدة سنوات تم ضبط عملاء لـMI - 6 البريطانية، استخدموا المجلس غطاء لنشاطهم، وكانت روسيا على علم بهذه الممارسات»، مضيفاً أن المجلس البريطاني كان يعمل في روسيا «من دون تصريح، مستفيداً فقط من نيات الروس الحسنة، التي حاولنا جاهدين تطويرها إلى علاقات بناءة بين روسيا والمملكة المتحدة، وهو ما لم يحدث للأسف».
وبالإضافة إلى الاشتباه بقيام المجلس بنشاط تجسسي، فإن السلطات الضريبية الروسية كانت أبدت استياءً أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، بسبب قيام المجلس بما وصف بأنه «نشاطات تجارية».
وتعتبر أوساط روسية أن «الوضع القانوني للمجلس البريطاني غامض، إذ إنه يقدم نفسه جزءاً من الخارجية أحياناً، وكمؤسسة غير حكومية في أحيان أخرى»، ما تسبب في نزاعات مع السلطات الروسية منذ سنوات، لأن «فروع المجلس الثقافي البريطاني تمارس أنشطة تجارية كغيرها من الشركات الأجنبية العاملة في روسيا، إلا أنها تمتنع عن دفع الضرائب كما يتوجب على الشركات الأجنبية والمحلية».
في غضون ذلك، واصلت موسكو حملة قوية لتأكيد عدم امتلاكها برنامجاً كيماوياً لتطوير مادة «نوفيتشوك»، التي استخدمت في الاعتداء على سكريبال وابنته. وقالت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إن روسيا، ومن قبلها الاتحاد السوفياتي، لم يطورا أي مادة كيماوية تحت هذا الاسم. وفي الوقت ذاته، وجه ألكسندر شولغين، ممثل روسيا الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، أصابع اتهام إلى واشنطن ولندن، وقال إنهما كانتا قادرتين على الحصول على تقنيات لإنتاج هذه المادة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
وقال شولغين لوكالة أنباء «إنترفاكس» إن ثمة احتمالاً كبيراً بأن تكون المادة المستخدمة ضد ضابط المخابرات، سيرغي سكريبال، أخذت من مختبرات في الولايات المتحدة وبريطانيا.
وأضاف أن «أجهزة استخبارات أوروبية قامت في تسعينات القرن الماضي باستقدام مجموعة من الخبراء الكيماويين من روسيا وبرفقتهم وثائق حول نتائج لتجارب أجريت في الحقبة السوفياتية»، كما أوضح أن «هذه النتائج كانت تقريبية وغير دقيقة، وبدأت بعض الدول الغربية البناء على النتائج المذكورة وواصلت التجارب، ونحن نعلم التجارب التي اهتموا بتطويرها، وفي نهاية المطاف توصلوا إلى نتائج معينة».
كما أشار المسؤول الروسي إلى أن المادة السامة، التي تم العثور عليها في الطعام الذي تناوله سيرغي سكريبال وابنته يوليا، قد صُنعت في أحد مختبرات وزارة الدفاع البريطانية.
وبعد صدور تصريحات المسؤولين الروس، ردت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي على ذلك في منتدى الربيع لحزب المحافظين، وقالت إن «روسيا انتهكت القانون الدولي بشكل سافر»، مضيفة أن بريطانيا «ستفكر في الخطوات التالية خلال الأيام المقبلة».
وأضافت ماي أن «رد روسيا لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً. فقد جرت محاولة اغتيال شخصين على الأراضي البريطانية، وليس لهذه المحاولة تفسير بديل سوى أن الدولة الروسية مسؤولة»، مؤكدة أن بريطانيا «ليست على خلاف مع الشعب الروسي».
من جانبها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها «توقعت» الخطوة الروسية. وذكرت في بيان: «توقعنا رداً من هذا النوع، وسيجتمع مجلس الأمن القومي مطلع الأسبوع المقبل للتفكير في الخطوات المقبلة».
وأضاف بيان الخارجية البريطانية أن «هذه الخطوة (الروسية) تأتي رداً على الخطوة التي اتخذناها، إضافة إلى خطوات أخرى لتفكيك شبكة التجسس الروسية العاملة في بريطانيا، نتيجة محاولة اغتيال شخصين في بريطانيا باستخدام غاز أعصاب».
وتتهم بريطانيا روسيا بالوقوف خلف هذا الهجوم بواسطة غازات سامة للأعصاب من صنع روسي، تستخدم للأغراض العسكرية. ولا يزال الجاسوس السابق وابنته في المستشفى في حالة «حرجة»، في حين زال الخطر منذ أول من أمس عن الشرطي، الذي تسمم أيضاً حين أغاثهما، وفق لندن.
وبخصوص إعلان موسكو وقف أنشطة المركز الثقافي البريطاني في روسيا بسبب «وضعه غير النظامي» بحسب التبرير الرسمي، فقد رد المركز بالقول في بيان، إنه «يشعر بخيبة الأمل الكبيرة لهذه الخطوة».
وأضاف: «نرى أن العلاقات السياسية أو الدبلوماسية أصبحت صعبة، والعلاقات الثقافية والتعليمية مهمة للحفاظ على الحوار المستمر بين الشعب والمؤسسات».
وحذرت وزارة الخارجية الروسية، بريطانيا، من خلال سفيرها بأنه «في حال كانت لندن تعتزم اتخاذ إجراءات إضافية غير ودية حيال روسيا، فإن الجانب الروسي يحتفظ بحق اتخاذ إجراءات رداً على ذلك».
وكانت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قد أعلنت الأربعاء طرد 23 دبلوماسياً روسياً، في إجراء غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، وتجميد الاتصالات الثنائية مع روسيا. ورداً على ذلك، اتهمت أمس المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر قناة «روسيا 24 العامة» رئيسة الوزراء البريطانية باختلاق عملية تسميم بواسطة مادة «نوفيتشوك»، لأن لهذه الكلمة دلالة «على صلة مباشرة بروسيا»، حسب تعبيرها، موضحة أنه لم يسبق أن شهد الاتحاد السوفياتي السابق أو روسيا أبحاثاً حملت اسم «نوفيتشوك».
ورغم أن لندن تصر على أن موسكو متورطة في عملية التسميم، فإن روسيا تنفي منذ وقوع العملية أي ضلوع لها في هذا الهجوم بواسطة مادة «نوفيتشوك»، التي يقول أحد مبتكريها، المقيم الآن في الولايات المتحدة، إن روسيا وحدها قادرة على إنتاجها.



تقرير: إيران تسلّم واشنطن رداً جديداً على مسودة اتفاق لإنهاء الحرب

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إيران تسلّم واشنطن رداً جديداً على مسودة اتفاق لإنهاء الحرب

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، الجمعة، بأن إيران سلّمت ردّها على أحدث التعديلات الأميركية على مسودة خطة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

وأرسل مبعوث ترمب ستيف ويتكوف، الاثنين الماضي، قائمة تعديلات ركّزت على إعادة إدراج الملف النووي ضمن مسودة النص، وفقاً لمصدر مطّلع.

وقال المصدر للموقع إن أحد التعديلات تضمّن مطالبة إيران بالتعهد بعدم محاولة نقل أي يورانيوم مخصّب خارج منشآتها النووية التي تعرّضت للقصف، أو استئناف أي نشاط في تلك المواقع، ما دامت المفاوضات مستمرة.

وبحسب الموقع، فإن الرد الإيراني يشير إلى أن المسار الدبلوماسي لم يتجمّد بالكامل، في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض حصار بحري أميركي ويدرس خيارات عسكرية جديدة ضد إيران.

كما أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن الرد سُلّم إلى الولايات المتحدة، الخميس، عبر وسطاء باكستانيين.

وكانت إيران قدّمت للولايات المتحدة، نهاية الأسبوع الماضي، مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، على أن تؤجَّل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.

وقال ترمب للصحافيين، الخميس: «لا أحد يعرف ما هي هذه المحادثات سوى أنا وعدد قليل من الأشخاص. هم يريدون بشدة التوصل إلى اتفاق. لدينا مشكلة لأن لا أحد يعرف على وجه اليقين من هم القادة. هذه مشكلة إلى حدّ ما».

في المقابل، يقول الإيرانيون إن ترمب هو الطرف الساعي بشدة إلى التوصل لاتفاق.

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران؛ إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.