رحيل أوبير دو جيفنشي... أرستقراطي الموضة الفرنسية

مسيرة غنية بالأناقة الراقية وصداقة ربطته بأودري هيبورن إلى آخر العمر

أوبير دو جيفنشي في مشغله عام 1995 (أ.ف.ب)
أوبير دو جيفنشي في مشغله عام 1995 (أ.ف.ب)
TT

رحيل أوبير دو جيفنشي... أرستقراطي الموضة الفرنسية

أوبير دو جيفنشي في مشغله عام 1995 (أ.ف.ب)
أوبير دو جيفنشي في مشغله عام 1995 (أ.ف.ب)

توفي، يوم الاثنين الماضي، المصمم أوبير دو جيفنشي عن عمر يناهز الـ91 عاماً. ورغم أن الموضة ستتذكره دائماً لأسلوبه الراقي، وذلك الفستان الأسود الناعم الشهير الذي لا يزال يُلهب الخيال، ويُلهم المصممين، إلا أن علاقته بالنجمة الراحلة أودري هيبورن هي التي ستبقى راسخة في الذهن. فكما ارتبطت غرايس كيلي بكريستيان ديور، ارتبطت هي به، فيما يراه البعض نعمة والبعض الآخر نقمة. فالعلاقة كانت قوية إلى حد أنه لم يستطع أن يمحي صورتها الأرستقراطية من الأذهان، وكانت سبباً في تراجعه في الثمانينات إلى حد ما. لكن هذا لا يمنع من القول: إنه كون معها ثنائياً ناجحاً لعدة عقود.
في الكثير من المقابلات الصحافية التي أجراها في حياته لم يُخف أن الصُدفة لعبت دوراً كبيراً في حياته. ففي عام 1953 لم يكن سوى مجرد مصمم شاب يجتهد لحفر اسمه بين أقرانه من أمثال كريستيان ديور وكريستوبال بالنسياجا وغيرهما. في هذا العام تلقى مكالمة من المخرج بيلي وايلدر يطلب منه فيها أن يستقبل ممثلة اسمها هيبورن كانت تحضر لتصوير فيلم «سابرينا» تصميم مجموعة أزياء خاصة بها. في بادئ الأمر، اعتقد جيفنشي أن المعنية بالأمر هي كاثارين هيبورن التي كانت مشهورة آنذاك. رغم هذا الاعتقاد، لم يكن مرحباً بالطلب لأنه كان يحضر تشكيلته في الوقت ذلك، كما كان يعرف أن متطلبات استوديوهات هوليوود كثيرة، ويمكن أن تضعه تحت عدة ضغوط. كل هذا تغير عندما قابلها. لم يتعرف عليها بادئ الأمر، لكنها شدته بعيونها الواسعة ونحافتها الشديدة وأناقتها البسيطة، حسب اعترافه فيما بعد. ما إن ابتسمت له حتى فقد مقاومته، ودعاها للعشاء. بعد ذلك أصبح رهن إشارتها ومصممها الخاص تقريباً. منحها أجمل الفساتين، وفي المقابل كانت أكبر مروج له على المستوى العالمي لـ40 عاماً تقريباً.
في عام 1961 وعندما ظهرت في أول لقطة من فيلم «إفطار في تيفاني» بفستان أسود ناعم يزينه عقد من اللؤلؤ، أصبح بين ليلة وضحاها من التصاميم الأيقونية. وكان من البديهي أن يصعد نجم أوبير دو جيفنشي أيضاً ليصبح واحداً من أهم مصممي القرن العشرين. مجلة «لاكسبريس» الفرنسية كتبت عنه بأنه «يُمثل في الموضة الفرنسية ما تمثله فرنسواز ساغان في الأدب، وبرنار بوفيه في الرسم... مُبدع في مجال الأناقة وفرنسي حتى العظم».
سرعان ما أصبح اسمه مرادفاً لأسلوب باريسي راق وهادئ في الوقت ذاته. وربما يكون من القلائل الذين برهنوا أن البساطة يمكن أن تكون في غاية الجمال. ولأن سفيرته كانت هي أودري هيبورن فإنها رشت عليها قليلاً من الشقاوة التي أخرجتها من الروتينية، وجعلت المرأة تستحليها، بغض النظر عن العمر والزمن. أكبر دليل على هذا أنَّ الفستان الأسود الناعم لا يزال يظهر في الكثير من العروض، ولم يصب المرأة بالتخمة أو الملل منه. بل العكس، فهي تلجأ له كلما شعرت بالحيرة، أو أرادت أن تبرز الجانب الراقي والأنثوي من شخصيتها. تجدر الإشارة إلى أن الفستان الذي ظهرت به هيبورن في فيلم «إفطار في تيفاني» بيع في مزاد كريستيز في عام 2006 بـ467.200 جنيه إسترليني.
بيد أن أجمل ما في علاقته مع النجمة الراحلة أنها لم تكن مبنية على المصلحة، بل تحولت إلى صداقة عمر. فعندما أطلق أول عطر خاص به «لانتيردي» (الممنوع) لم يجد أفضل منها لتكون الوجه المروج له. ومن جهتها كانت أودري تعتبره وتتعامل معه كـ«أخ كبير»، حسبما صرحت في عدة مقابلات، مضيفة أن تصاميمه منحتها الثقة وساعدتها على مواجهة العالم، لأنها كانت خجولة بطبعها، ولم تكن تفهم في الموضة العالمية من قبل. «لكن وكأنني خُلقت لكي ألبس تصاميمه». عندما فازت إديث هيد بجائزة الأوسكار عن أحسن مصممة ملابس عن فيلم «سابرينا» لم تُشر إلى جيفنشي، ولم تشكره، الأمر الذي أثار حفيظة النجمة، وجعلها تنتقم بأن فرضت على استوديوهات هوليوود أن ترتدي تصاميمه في كل أفلامها.
غني عن القول: إنها هي من فتحت له الباب لاختراق السوق الأميركي الذي كان يحتكره كل من كريستوبال بالنسياجا وكريستيان ديور آنذاك، وخصوصاً النخبة. أول واحدة انجذبت إليه كانت جاكي كينيدي التي صمم لها مجموعة كاملة لا تقل عن 15 قطعة في عام 1961 بمناسبة زيارة رسمية كانت تقوم بها مع زوجها إلى فرنسا. لكنها طلبت منه أن يُبقي الأمر سرياً بينهما خوفاً من ردة فعل المصممين الأميركيين. في عام 1963 وفي جنازة زوجها ارتدت تايوراً أسود من تصميمه، لم تستطع إخفاء مصدره لأن كل الجرائد والمجلات تداولته.
محطات في تاريخه:
- ولد عام 1927 في مدينة بوفيه لأسرة أرستقراطية. فوالده كان مركيزاً. مات والده وأوبير دو في الثانية من العمر ليتولى جده وجدته تربيته. جده كان تلميذاً سابقاً للرسام الواقعي جون باتيست كاميل كورو، ومديراً لقسم التنجيد والرسم على الأنسجة في مدينة بوفيه. وبالنتيجة كانت جدته تخزن الكثير من هذه الأنسجة في بيت العائلة، ولأنه كان يعشقها، كان جده يستعملها لمكافأته، كلما حصل على نتائج دراسية جيدة. كان يشعر بسعادة قصوى وهو يلمس هذه الأقمشة «فإغراء رائحة الحرير وملمس المخمل وصوت الساتان كانت تجعلني أحلق في عالم آخر» حسب قوله.
- درس القانون لفترة قصيرة قبل أن يتدرب كمصمم. في عام 1945 انخرط في معهد الفنون الجميلة لتعلم الرسم، وفي الوقت ذاته كان يعمل مع المصمم جاك فاث، أشهر مصمم في باريس في الوقت ذلك، وأول مصمم فرنسي اخترق السوق الأميركية على الإطلاق.
- في عام 1947 التحق للعمل مع المصممة إلسا سكاباريللي، وفي مشغلها الواقع بـ«بلاس فاندوم» قابل دوقة ويندسور أول مرة.
- في عام 1972 اتصلت به الدوقة لتطلب منه أن يصمم لها المعطف الشهير الذي ظهرت به في جنازة زوجها إدوارد. كانت تعرف بحسها أنه ليس هناك أفضل منه يجعل اللون الأسود في قمة الأناقة والجمال.
- بعد خمس سنوات مع إلسا سكاباريللي، قرر جيفنشي أن يفتتح مشغلاً ويطلق داره الخاصة. لم تكن المصممة سعيدة بخطوته ولم تتوقع نجاحه، لكنه خيب ظنها. فقد استغل التغيرات التي شهدتها الموضة بعد الحرب العالمية الثانية لصالحه. تغييرات تمثلت في ظهور أسلوب متحرر واستعمال أقمشة ليست بالضرورة مترفة أو غالية مثل تلك التي كان كريستيان ديور يستعملها. والسبب أنه كان ببساطة لا يمتلك القدرة المالية لاستعمالها، فاستعاض عنها بأقمشة أرخص، لكنه عوضها بتفصيل أنيق وتصميم راق خاطب من خلاله النخبة والمرأة التي كانت تتوق إلى التحرر من مبالغات الموضة.
- أشهر تشكيلة قدمها كانت بعنوان «بيتينا» واستلهمها من العارضة بيتينا غرازياني. كانت مصنوعة من القطن الأبيض الذي كان يستعمل في صنع القمصان الرجالية. كانت ضربة معلم لأنه قدمها في تصاميم أنثوية بخطوط بسيطة ورشيقة مع تفاصيل في الأكمام تجسدت في كشاكش وتطريزات فرنسية. حققت التشكيلة نجاحاً باهراً إلى حد أنه طولب بعرضها في نيويورك. هناك قابل مصممه المفضل كريستوبال بالنسياجا وجهاً لوجه لأول مرة، لتبدأ صداقة وطيدة بينهما. شعر بالنسياجا بأن الشاب الفرنسي لم يستغل كل مواهبه، فساعده على تشذيب طريقته في التفصيل واستعمال الألوان والأحجام، بتشجيعه على تبني خطوط واسعة بعض الشيء من دون أي مبالغات. بذكائه وحسه الفني، التقط أوبير دو النصائح وطبقها بطريقته من خلال قطع منفصلة كانت بداية انتقاله إلى تصميم الأزياء الجاهزة. كان يحرص أن تكون التنورة مستقيمة مثلاً إذا كان القميص واسعاً، أو بأكمام منفوخة في صورة مُنعشة في ذلك الزمن.
- تدرب على يد كريستوبال بالنسياجا وعاصر كريستيان ديور، لكنه لم يتبن أسلوبهما المتمثل في الأحجام الهندسية أو التنورات المستديرة بشكل واضح. كان يعرف أنه كان أسلوباً رائجاً في الأسواق العالمية، خصوصاً في الولايات المتحدة التي كانت تعتبر أهم سوق آنذاك. في المقابل فضل أن يبقى وفياً لنظرته الفنية التي تعتمد على سلاح الرشاقة.
- في عام 1968 توسع وافتتح «ميزون جيفنشي» في أفينو جورج V على بعد خطوات من مشغل ودار مثله الأعلى كريستوبال بالنسياجا.
- في عام 1973 أطلق خطاً رجالياً.
- في الثمانينات بدأت الدار تشهد بعض المشاكل. صحيح أن عطوره كانت تحقق الربح التجاري المطلوب، إلا أن أسلوبه لم يواكب التغيرات الاجتماعية، وظل يخاطب امرأة راقية وأرستقراطية إلى حد ما، بينما كانت الموضة السائدة تعتمد على البريق والبهرجة والألوان الصارخة.
- في عام 1988 بيع خط الـ«هوت كوتير» لمجموعة «إل.في.آم.آش».
- في عام 1995 وبعد 43 على تأسيسه الدار، غادرها بحجة أنه يريد التقاعد. وفي مزرعته في تورين بدأ يمارس هواية البستنة، وابتعد عن الموضة غير متحسر أو آسف عليها لأنه كان يعرف أن الزمن غير الزمن، وأنه لن يستطيع أن يجاري الموجة الجديدة.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.