أعمال فنية أنثوية تتألق في معرض دلهي

ثلاث بحرينيات شاركن فيه للمرة الأولى

جانب من معرض دلهي 2018
جانب من معرض دلهي 2018
TT

أعمال فنية أنثوية تتألق في معرض دلهي

جانب من معرض دلهي 2018
جانب من معرض دلهي 2018

اختتم «معرض دلهي للفنون 2018» فعالياته أخيراً في العاصمة الهندية بعد أن شهد تألق فنانات قدمن للمشاركة من مختلف أنحاء العالم. وتميز هذا الحدث الكبير الذي احتضنته دلهي في نسخته العاشرة، بالروعة والإبهار وكمية المعروضات الفنية التي جاء بعضها من الهند ومن الدول المجاورة ومن مختلف أنحاء العالم، وللمرة الأولى شارك فيه ثلاث فنانات من البحرين، كما شاركت فنانة المالتميديا البنغلاديشية طيبة بيغوم ليبي، المعروفة بأعمالها المعبرة التي تعكس القضايا النسائية وحقوق المرأة، من خلال المنحوتات والنماذج المعدنية، بأعمال استخدمت فيها شفرات الحلاقة في عمل فني عن الحجاب حمل اسم «كشف الأنوثة» الذي ترك انطباعاً قوياً.
وفي تعليقها عن طبيعة أعمالها، قالت ليبي: «ترتكز أعمالي على صنع مجسمات ومنحوتات؛ لأن هذا الاتجاه هو الأقرب إلى حياتي الخاصة».
وأشار خبراء الفن إلى أنه على الرغم من هيمنة الرجال على مجال الفنون في الهند، فقد بدأت الفنانات ببيع أعمالهن بأسعار منافسة. ومن بين الفنانات المشاركات كانت بهراتي خير، المعروفة باستخدامها الـ«بندي»، وهي النقطة الحمراء اللامعة التي تضعها الهنديات على جباههن، وهي العلامة التي تتكرر في الكثير من أعمالها. وقد بيع أحد أعمالها في معرض العام الماضي بسعر تعدى 15 ألف دولار، ليكون بذلك أغلى عمل فني هندي نسائي بيع خلال عام 2017.
في السياق ذاته، أشادت فيروز كوجرال، الفنانة المغرمة بجمع الأعمال الفنية، بتنامي الاهتمام بالنقد الفني للفنانات، مشيرة إلى أن «المعرض يعكس تطور أعمالهن». وعلى الرغم من قلة الأسماء اللامعة بين الفنانات في الهند، فقد تمكنّ من التألق والانتشار عالمياً، وبات بعضهن يترأس المتاحف والمعارض الفنية الكبرى، وظهر بينهن المغرمات بجمع التحف الفنية واقتنائها، وكذلك تمثيل دار المزادات العالمية.
جاء المعرض في نسخته العاشرة العام الحالي بما تضمنه من لوحات وصور فوتوغرافية تجريبية، وأعمال تعبيرية تجريبية ومشروعات ووسائط مختلطة ليرفع سقف المعروضات بمعرض دلهي الفني لآفاق أرحب. فقد ضمن المعرض العام الحالي 78 صالة عرض من 18 دولة، ليجمع بذلك معروضات، وفنانين، وهيئات خاصة وجمعيات خيرية، ومجموعات فنية، ومؤسسات وطنية، ناهيك عن المنتديات الثقافية والمهرجانات الفنية المتنوعة التي جاءت من مختلف بلدان العالم لتلتقي كلها تحت سقف واحد.
ونجح الحدث الفني الرائع في اجتذاب الزوار المهتمين بالفنون، مثل القائمين على المتاحف والمعارض والفنانين، وجامعي المقتنيات الفنية، والصحافيين وأصحاب صالات العرض، وكذلك النقاد ومحبو الفنون. تتباين نوعيات الزوار ما بين مشترين حضروا لاقتناء ما يروق لهم من معروضات، في حين ينظر آخرون إلى الحدث باعتباره صالة عرض يحضرون إليها للاستمتاع بالمشاهدة وقضاء يوم خارج البيت. وأفاد كثير من العارضين بأنهم حقّقوا مبيعات مرتفعة، ومنهم على سبيل المثال، سلسلة معارض «ديفيد زويرنر» في نيويورك ولندن التي تشارك في المعرض للمرة الأولى. وشهد الحدث حضور معارض ذات أسماء براقة، مثل معرض «بلين ساوثرن» في لندن وبرلين، و«صابرينا أرماني» في مدريد، و«أيكون غالاري» في نيويورك.

الفن العربي

من البحرين شاركت الفنانة البحرينية لولوا الخليفة بلوحتين حملتا اسم «انشقاق»، وتتميّز لوحاتها بالجرأة والألوان النابضة بالحياة. وقد سبق لها عرض أعمالها في لندن، ونيويورك، وميامي، وعمان، ونيودلهي، ومومباي، وغيرها من الأماكن. وتعدّ لولوا الخليفة فنانة عصامية علّمت نفسها بنفسها بعد أن انتقلت من مجال الأدب إلى الفنون. وعن بداياتها تقول: «طلبت مني ابنتي ذات مرة أن أرسم لها شرفة. وبالفعل رسمت وأحببت التجربة؛ إذ شعرت بعدها أنّ الرّسم يخرجني من أعماق الحزن، ولم أعد أنظر إلى الخلف بعد ذلك». واستطردت قائلة: «عندما أشعر بأن مشاعري باتت مستهلكة، أحاول أن أخرج ذلك في عمل الكنافا، لكن عندما أقوم بكل ذلك أشعر بأن الفوضى قد عمّت غرفتي، حيث تتناثر فُرش الرسم هنا وهناك. وعندما أنظر إلى الفوضى أشعر بالسكينة».
في حين شاركت الفنانة البحرينية بلقيس فخرو، التي تتمحور أعمالها حول معنى «الانتماء» وذكريات المكان. فقد أعطى استخدامها اللّون الأحادي في لوحاتها بعداً جعلها قريبة الشبه بما نراه في الحلم، إضافة إلى إحساس الغموض. أما الفنانة البحرينية مايسة، فتتميّز لوحاتها بالأناقة والسمو، وهما السمتان الطاغيتان على غالبية أعمالها التي تعكس خبراتها السابقة ككاتبة وفنانة في وسائط إعلامية مختلطة. في هذا الصدد، قالت بلقيس فخرو: إن «الفن موسيقى مرئية»، حيث تعيد أعمالها الحياة إلى المشاعر التي تكتشفها في موسيقى موتزارت وسترافنسكي.
تستوحي بلقيس إحساس البساطة والصفاء الذي يطغى على أعمالها من أحد فنانيها المفضلين وهو ليوناردو دافنشي، الذي قال ذات مرة: إن «البساطة هي قمة الرقي». ولمواجهة الانطباع السلبي عن المرأة العربية، عمدت غالبية الأعمال المعروضة إلى دحض هذا الفكر. وفي هذا الصدد قال مدير المعرض: «الفنانات البحرينيات لبقات، وقد تلقين تعليماً رفيعاً، ولهن آراء سياسية قوية، ناهيك عن الشخصية القوية؛ وهو ما انعكس على أعمالهن».
ومعروف عن الفنانة البحرينية ميساء عشقها لفن الكنافا وعلم الحساب، وتستطيع أن تلحظ ذلك في أسلوبها الذي يتميز بالرقة والجرأة في الوقت نفسه. وهي أيضاً كاتبة وفنانة وسائط إعلامية، ويظهر عملها المعروض تأثرها بروايتها المفضلة «الساعة الخامسة والعشرون» للكاتب ديفيد بينوف. تدور أحداث الرواية عن رجل ألقي به في السجن ظلماً، وتسلط سطورها الضوء على حياته وعزلته العقلية والجسدية وفقدانه هويته. وتعكس لوحتها صفحات تلك الرواية ومعنى السطور التي استهوتها بعد أن وضعت تحتها خطاً أزرق. تتضمن لوحتها كذلك بعض الصور الظلية لسيناريوهات تحدث داخل الزنزانة يطغى عليها اللون البني والأسود والأبيض لتحاكي ألوان السجن الكئيبة.

أفكار هيمنت على المعرض
شاركت الفنانة الهندية الشابة سادبيتا داس بنحو مائتي منحوتة على هيئة أشخاص يتدلون من السقف لترمز إلى المعاناة الجسدية والنفسية للاجئين وإلى إحساسهم بالضياع. استغرق العمل الذي حمل عنوان «التحليق في اللامكان» نحو شهرين كي يكتمل. وقالت داس، إن عملها لا يصور إحساس الهوية والانتماء للمشردين فحسب، بل يصور الألم والمعاناة اليومية التي يعيشونها، وهذا ما نراه في العالم العربي الذي شهد فرار الملايين من أبنائه، مضيفة: «هم يعيشون حياتهم وسط كل هذا الألم».
وقد احتفل معرض الهند الفني بمشاركة أعمال الرسامة المجرية الهندية البوهيمية أمريتا شير غيل التي اشتهرت باسم فريدة كحلو، والتي تعدّ أحد أشهر الفنانات الهنديات في العصر الحديث، والتي توفيت عام 1941 عن عمر 28 سنة. ويستطيع الزائر مشاهدة عدد من الصور الفوتوغرافية النادرة لها التي التقطها والدها. وتُعتبر أعمالها الأغلى سعراً بين أعمال الرسامات الهنديات وهي المفضلة لجامعي اللوحات القيمة.

الإقبال على الفن النسائي

كان من المشجع خلال العقد الماضي ملاحظة ارتفاع شعبية الفن النسائي في المعارض الفنية والمتاحف والمجموعات الفنية المعروضة بمختلف أنحاء العالم.
أفاد أرفين فاجيموهان، مؤسس معرض «أرتري أنديا» الفني، بأن السنوات الثلاث الماضية شهدت زيادة الإقبال على الفن النسائي الذي انعكس على زيادة مبيعات أعمالهن، وقد بدأ هذا الاهتمام عام 2009، وتجلى في الأعمال المهمة للفنانات وتضاعفت أعداد المشترين الذين ابتاعوا أعمالهن بدرجة كبيرة».
نستطيع القول، إن الفنانات الهنديات نجحن في أن يصنعن أسماء كبيرة من خلال مجموعة متنوعة من الموضوعات العامة التي تناولنها. من ضمن الأمثلة البارزة كانت لوحة «شرقي هو غربك» التي عرضت خلال «بينالي فينيس» الدولي عام 2015، حيث يعدّ الحدث أحد أبرز الفعاليات الفنية في العالم، والتي نادراً ما تشارك فيها شبه القارة الهندية. وشهد المعرض حالة من التعاون الفني بين الفنانة الهندية شيلبا غوبتا وفنان باكستاني ليعكسا من خلاله العلاقة المعقدة بين البلدين الجارين.
وفي تصريح خلال المعرض، صرحت الفنانة الهندية المقيمة في مدينة مومباي، برندا ميلر، المديرة السابقة لمعرض «كالا غودا» الفني ذائع الصيت، قائلة: «لا أعتقد أن مشتري الأعمال الفنية يهتمون كثيراً بجنس الفنان، فهم يشترون ما يروق لهم وما يعجبهم. ولذلك؛ أتعجب من قلّة عدد الفنانات مقارنة بالفنانين، لكن هذا هو الحال في جميع المجالات». وتؤيد الفنانة المعروفة ريكا راو، ابنة الفنان الشهير كي كي هيبر، هذا الرأي، حيث تقول: «المشتري المستنير يبحث عن المحتوى ذي المعنى والذي يمسّ وتراً حساساً في داخله. فحب الإنسان ونفوره من العمل الفني هو ما يحدد استجابته».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».