الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

مخاوف من تحوّل الاقتتال بين أولاد سليمان والتبو في سبها إلى فتنة

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته
TT

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

فتحت رصاصات عدة استقرت في أجساد ثلاثة من أبناء قبيلتي التبو وأولاد سليمان في مدينة سبها، عاصمة جنوب ليبيا، «أبواب جهنم» على المدينة. وأدى هذا الحادث إلى انهيار اتفاق مصالحة بين الطرفين، وحوّل عموم المنطقة إلى ساحة مفتوحة لصراعات مسلحة استخدمت فيها «قوات مرتزقة»، وذلك في ظل وجود أحاديث عن «مؤامرة وأطماع خارجية»، ومحاولات «انتهاز الفرصة» من بعض الأطراف السياسية في شرق ليبيا وغربها، لإعادة ترتيب المنطقة على قاعدة «ما لم تحسمه السياسة، يأتي بفوهة البندقية».
شهدت مدينة سبها، الواقعة على بعد 660 كيلومتراً، جنوب العاصمة الليبية طرابلس، اقتتالاً واسعاً، منذ مطلع فبراير (شباط) الماضي، على أكثر من مستوى، بين قبيلتي أولاد سليمان العربية والتبو غير العربية، التي «تساندها قوات من المعارضة الأفريقية»، قبل أن تدخل على خط المواجهة قوات من الجيش الوطني الليبي، وأخرى تابعة للمجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، في اشتباكات دامية خلّفت قتلى وجرحى، ونزوحاً جماعياً قسرياً لعشرات الأسر.
تعود جذور الأزمة إلى ما قبل سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، إلا أنها طفت على السطح عقب اندلاع الثورة الليبية عام 2011، حين تحوّلت مناطق جنوب ليبيا إلى ساحة مفتوحة يُحتكم فيها إلى قانون القوة والنفوذ القبلي. وعلى مدار السنوات السبع الماضية، ظل سكان تلك المنطقة، المتاخمة لحدود 3 دول أفريقية يشكون الإقصاء والتهميش، والغياب التام للدولة، مع حرص غالبية قبائلها على الاحتفاظ بـ«سلاح ردع» لحماية مكتسبات ما بعد القذافي، و«مواجهة الآخر» إذا استدعت الظروف ذلك.
واليوم، تواجه بعض قبائل الجنوب اتهامات بالاستفادة من الفوضى التي ضربت البلاد، والتربّح من تهريب البشر والسلاح والمخدرات والوقود. وبعد أكثر من سبع سنوات من انهيار النظام السابق، لا تزال مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود الليبية البالغ طولها 4300 كلم، من نواحٍ عدة، غير مضبوطة، بل ربما غير قابلة للضبط من دون حكومة موحّدة.

خلفية المواجهات القبلية
والحقيقة، أنه لم يكد يمضي عام واحد على الثورة الليبية، حتى اندلعت مواجهات ثأرية وعرقية دامية بين قبيلتي أولاد سليمان والتبو – الذين يمتدّون في تشاد والنيجر وشمال غربي السودان – في نهاية مارس (آذار) 2012، على أثر حادث قُتل فيه أفراد عدة من الجانبين، وعُرف وقتها بـ«قاعة الشعب»، مقر اجتماعات المجلس العسكري بمدينة سبها.
بعد ذلك تدخلت أطراف المصالحة، ورضي الجانبان بالتوقيع على الاتفاق - الذي حصلت «الشرق الأوسط» على صورة منه - لكن هذا الاتفاق لم يصمد أمام تجدد الاشتباكات التي أرجعها متابعون من الجانبين إلى خلافات بعضها «عرقي»، وبعضها الآخر يتعلق برغبة أولاد سليمان في «فرض سيطرتها على الأرض» مقابل إصرار التبو على الاستعانة بقوات من «المعارضة الأفريقية».
وما بين الماضي والحاضر، أرجع الدكتور علي قلمة مرصدي، وزير العمل والتأهيل السابق في حكومة «الوفاق الوطني»، أسباب تعقّد المشهد إلى «تعمد بعض الأطراف الخارجية والميليشيات المؤدلجة، المدعومة من الحكومات المتعاقبة، إشعال الفتنة بين القبيلتين منذ عام 2012». وقال مرصدي، الذي ينتمي إلى التبو، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: إن «أولاد سليمان والتبو ضحيتان لصراع تغذيه جهات خارجية وأطراف داخلية، لتحقيق مصالح لبعض الدول، ومجموعة من مُتصدري المشهد السياسي»، مستدركاً «أولاد سليمان تتلقى دعماً بالمال والسلاح، ومساندة إعلامية ضد التبو». وفي مواجهة ذلك، قال السنوسي مسعود، رئيس مجلس حكماء قبيلة أولاد سليمان، إن قبيلته «لا تبتغي إلاّ الدفاع عن الأراضي الليبية»، نافياً أن تكون الاشتباكات التي شهدتها سبها «تستهدف الاستحواذ على السلطة في المنطقة، كما يتردد».

مقهى الناصرية والتدخلات الخارجية
لكن، وبعد أكثر من ست سنوات على حادث «قاعة الشعب» في مدينة سبها، مرّت العلاقات بين القبيلتين بتوترات شديدة، إلى أن جاءت اشتباكات «مقهى الناصرية» في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، لتنسف آخر اتفاق للمصالحة وُقّع في العاصمة الإيطالية روما في مارس 2017. وترجع تفاصيل هذه الواقعة، التي قتل فيها ثلاثة أشخاص في سبها، جراء أعمال انتقامية بين القبيلتين عندما أطلق مسلحون مجهولون النار على المقهى الذي يرتاده التبو؛ ما دفعهم إلى نصب نقطة تفتيش في المنطقة، ولدى مرور القائد العسكري مادي عمر، الذي تنحدر أصوله من قبيلة أولاد سليمان، أُطلق عليه النار وقتل على الفور، وهكذا دارت عجلة الانتقامات الثأرية. ورغم كل الجهود التي سارعت إلى احتواء التوتر بين القبيلتين، وصف المتابعون للأزمة في حديثهم مع «الشرق الأوسط» واقعة «المقهى» بأنها «الكاشفة لما يحدث في الجنوب من غليان، ونتيجة حتمية لتفاقم أزماته، وسقوطه من ذاكرة كل الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد». ويشير هؤلاء إلى أن الجنوب الليبي بات «بالفعل ملاذاً آمناً لفلول جماعات المعارضة التشادية والسودانية».

وجهتا نظر متناقضتان
إسماعيل بازنكة، أحد نشطاء قبيلة التبو، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه:: إن «المجموعات المعارضة موجودة على الأراضي الليبية منذ زمن بعيد، وكان القذافي يأويها لأهداف تتعلق بزعزعة استقرار بعض الدول والضغط عليها، ثم استعان بهم لقمع المتظاهرين في الثورة الليبية». وأضاف: «بعد الانقسام السياسي في 2014، كل الأطراف بدأت تستعين بالمرتزقة لتقوية موقفها العسكري وحسم الصراع لصالحها. وعندما قرّر المجتمع الدولي ودول جوار ليبيا ملاحقة مَن يأوي المرتزقة، تنصلت تلك الأطراف منها وألصقتها بالتبو».
غير أن مفتاح أبو خليل، عميد بلدية الكفرة، رأى أن «التدخلات الخارجية من بعض الدول الأوروبية تسعى لفصل الجنوب عن ليبيا»، وتابع في شرحه أسباب اندلاع مواجهات سبها الجارية: إن «الأزمة الكبرى تتعلّق بوجود عدد كبير من المسلحين غير الليبيين الذين دخلوا إلى أراضي ليبيا في أعقاب ثورة 17 فبراير، وهؤلاء هم أبناء عمومة قبيلة التبو في الجنوب، ولقد كونوا مجموعات مسلحة كبيرة تسعى إلى اقتطاع المنطقة تحت المسمّى العرقي الذي يضم القبائل الموجودة في دول الجوار».
وللعلم، انضم التبو مبكراً إلى الثورة ضد القذافي، في حين حافظت على ولائها للقذافي القبائل العربية في الجنوب التي كانت تتمتع بمكانة خاصة عنده، وعلى رأسها الزوي وأولاد سليمان... والقذاذفة طبعاً. ومن ثم، نتيجة لسرعة التحاق التبو بالثورة على القذافي، فإنها عملت منذ البداية على تأمين ما يكفي من التنازلات والتسويات لحماية مصالحها تحسباً لما تخبئه الأيام المقبلة.

المشهد الليبي الأوسع
من ناحية أخرى، لتفجير العلاقات بين أولاد سليمان والتبو، أبعاد أخرى تتعلق بالعنصرية والإقصاء، والتحكم في مقاليد الأمور، وهو ما يقول التبو – ذوو البشرة الداكنة – إنهم يعانون منه. إذ يتهم إبراهيم عثمان، المتحدث باسم حكماء التبو، «بعضاً من أبناء أولاد سليمان، بالسعي لبسط سيطرتهم على الأرض، وحكم سبها، والمنطقة الجنوبية بالكامل في محاولة للتخلص من التبو». وأوضح، أن بداية التوتر كانت «جنائية الطابع باعتداء أحد أفراد اللواء السادس (تابع لأولاد سليمان) على مقهى يرتاده شباب التبو في منطقة الناصرية، ثم توالت ردود الأفعال». و«ردود الأفعال» هذه بدت ظاهرة للمتابعين عند لجوء أفراد القبيلتين إلى «سلاح الردع» المُدخر لمثل هذه اليوم منذ رحيل نظام القذافي، والاحتكام إلى «قانون خاص» يعتمد على المدفع، والميليشيا، وقوات المرتزقة العابرة للحدود.
في هذه اللحظة، رأت القوتان المختلفتان سياسياً في شرق ليبيا وغربها، المتمثلتان في المشير الركن خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني، وفائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، ضرورة التدخل لوقف تغول القوى المتناحرة، وحجز مساحة على الأرض بعيداً عن مناكفات طاولات الحوار. وهكذا بدأ سباق محموم بينهما (الجيش الوطني والمجلس الرئاسي) بهدف السيطرة على الجنوب أولاً، وضم كل من الجانبين الكتائب المتقاتلة إلى صف قواته. وعليه؛ سعيا إلى توسيع نفوذهما هناك بضم اللواء السادس التابع لقبلية أولاد سليمان، الذي كان يطلق عليه في السابق «كتيبة فارس الصحراء»!
في العشرين من فبراير الماضي، بينما كانت الاشتباكات مستعرة بين أولاد سليمان والتبو، اتخذ حفتر قراراً بضم اللواء السادس مشاة وكل أفراده وعتاده وذمته المالية للقيادة العامة للجيش، وتعيين العميد أحميد العطايبي آمراً له. وشمل القرار إنشاء ثلاث كتائب، هي: كتيبة 205 دبابات بإمرة النقيب سعد عبد الوهاب علي بوعوينة، ومكان تمركزها سبها. وكتيبة 311 مدفعية بإمرة مقدم عبد السلام زيدان المهدي ومركزها أيضاً سبها، وكتيبة 183 مشاة بإمرة نقيب أمحمد عثمان عيسى. غير أن المفاجأة التي غيّرت موازين الطرفين، أن العطايبي رفض تكليف حفتر، وقال: إنه يتبع حكومة «الوفاق الوطني» في طرابلس. فأضطر حفتر إلى إصدار قرار آخر يقضى بإعفاء العطايبي من منصبه وتكليف العميد خليفة عبد الحفيظ خليفة آمراً للواء؛ الأمر الذي أحدث انشقاقاً في «كتيبة فارس الصحراء» (مقرها سبها)، فبات بعضها يقاتل مع الجيش الوطني وبعضها الآخر اصطف مع المجلس الرئاسي.
وكان سبق للعطايبي - قبل أن يُصدر قرار بشأنه - أن وصف ما يحدث في سبها بأنه «معركة بين قوات حفتر والقوات التابعة لحكومة الوفاق» دعمها انقسام المؤسسة العسكرية. وأردف في تصريحات لفضائية «التناصح» التابعة للمفتي السابق الصادق الغرياني، إن «اللواء السادس يمثل حكومة الوفاق الوطني». وقال: «إننا نقاتل من أجل ليبيا، وبهدف توحيد الليبيين، ونطالب حكومة المجلس الرئاسي بإدانة الهجوم على اللواء السادس التابع لها، وندعو جميع الثوار والأحرار بالتحرك والدفع باتجاه اللواء... فنحن في محرقة». وذهب العطايبي أبعد، متهماً في كلام تناقلته وسائل إعلام محلية حفتر، بـ«الوقوف وراء المعارك» و«جلبه مقاتلين مرتزقة من دول تشاد والنيجر والسودان»، واصفاً المعركة بأنها «معركة بين الشرق والغرب». الوزير السابق (في حكومة «الوفاق الوطني») علي قلمة قرصدي، اتهم في حديثه إلى «الشرق الأوسط» حكومة «الوفاق الوطني» بالانحياز بشكل واضح في دعم (أولاد سليمان) من خلال «شرعنة اللواء السادس التابع للقبيلة»، معبراً عن غضبه لـ«وصف المجلس الرئاسي لأفراد قبائل التبو المقاتلين بالمرتزقة»، حسب قوله. وتجدر الإشارة إلى أنه جرى تغيير اسم كتيبة «فارس الصحراء» إلى اللواء السادس، وكانت تضم «التوجيه الثوري» و«الحرس الثوري» و«مشروع النخيل» و«استراحة القائد» و«المسرح العسكري» و«صقور بومنيار» و«الحانوت العسكري». وأمام هذا الانقسام بين ولاءات «كتيبة فارس الصحراء» ساد الغموض معالم الاشتباكات في سبها؛ وهو ما دعا إبراهيم عثمان، إلى المطالبة «بسرعة إخلاء المدينة من كل التشكيلات المسلحة، وتشكيل منطقة عسكرية يكون آمرها محايداً، ومن خارج المنطقة الجنوبية، بجانب ضم العسكريين تحت لواء جيش منظم وبأرقام عسكرية». ويتابع المتحدث باسم حكماء التبو: إن «الميليشيات هي السبب الرئيسي، وكل ما يقع في منطقة نفوذ أولاد سليمان هم المسؤولون عنه»، مطالباً حكومة الوفاق بتحمل مسؤولياتها و«تجريم الميليشيات».
بجانب ما سبق، حذرت منظمة «الأمان» الليبية لمناهضة التمييز العنصري، المجلس الرئاسي من مغبة ما أسمته «شرعنته لأطراف الصراع» في سبها. واعتبرت أن ما يحدث هناك «ينذر بشبح وقوع كارثة إنسانية ضد المدنيين في الأحياء السكنية... الحروب الأهلية دائماً تبدأ بدعم الحكومات لأطراف الصراع». كذلك، انتقدت المنظمة موقف المجلس الرئاسي المؤيد لتحركات «الميليشيات المتمركزة بمقر كتيبة فارس الصحراء»، ورأت أن هذا يصب في مرتبة «التحيز لطرف دون الآخر وتأجيج للمشكلة». ومما يذكر، أن كتب التاريخ التي وُضعت في عهد القذافي تعترف بالأصول الأمازيغية للطوارق والليبيين الأمازيغ، بينما تتجاهل التبو كلياً. لكن بعد الثورة أدت التغيرات في حظوظ التبو لزيادة عداء العرب الليبيين الجنوبيين لهم، الذين كانوا ينظرون إلى التبو على أنهم غير ليبيين.

الوافدون الأفارقة
مع تفاقم الوضع في الجنوب، بدا أن القوتين العسكريتين في الشرق والغرب عازمتان على كسب المعركة. إذ بينما أعلن اللواء السابع مشاة التابع للمجلس الرئاسي، حالة النفير العام، وأرسل قوات إلى هناك تتألف من كتيبة دبابات ومدفعية ومشاة، وفرقة استطلاع، وأطلق عملية عسكرية حملت عنوان «بشائر الأمان» لردع «القوات الغازية»، أطلقت القيادة العامة للجيش الوطني عمليات مماثلة باسم «فرض القانون» في سبها تضمنت إرسال غرفة عمليات إلى قاعدة براك الشاطئ الجوية، بتجهيزات عسكرية ضخمة بينها مقاتلات. لكن أمام تعثر السيطرة على الأوضاع في الجنوب، ودخول أطراف خارجية على خط المواجهة، دعا الجيش الوطني الليبي «الوافدين الأفارقة» إلى «عدم الانجرار وراء الميليشيات الخارجة عن القانون، أو استغلالهم زعزعة أمن واستقرار الجنوب»، وطالبهم بـ«مغادرة ليبيا والعودة إلى بلدانهم الأصلية»، ومنحهم مهلة 9 أيام تنتهي في السابع عشر من الشهر الحالي، «قبل أن يستخدم القوة لإخراجهم بكل الوسائل العسكرية المتاحة جواً وبراً». كذلك، دعا الجيش أعيان ومشايخ مناطق الجنوب للاتصال بالغرفة الأمنية في المناطق العسكرية سبها، وأيضاً في أوباري وغات ومرزُق، ورفع الغطاء الاجتماعي عن كل من يساهم في حماية أو إيواء أو مساعدة الوافدين الأفارقة بأي شكل من الأشكال. وأمام تحذير حفتر للأفارقة، رأى الوزير السابق مرصدي، أن «القوات الأجنبية المتمثلة في المعارضة التشادية والسودانية، جرى استغلالها واستخدامها من قبل الحكومات الحالية والسابقة، وباتت تنتشر قي معظم مناطق الليبية بآلياتها وأسلحتها، وتصرف لها مبالغ مالية مقابل ذلك... إنهم يتحركون بحرية داخل ليبيا»!

مخاطر التهميش والتمييز
وتابع مرصدي، مذكراً بمشكلات وأزمات الجنوب، وما تمثله من مخاطر مستقبلية، كلامه لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «نعم الحكومات المتعاقبة مارست أنواعاً مختلفة من التهميش والتميز ضد الجنوبيين من خلال استخدام أدوات وأساليب وطرق مختلفة من بينها الإقصاء السياسي والإداري في تولي المناصب السياسية والإدارية العليا في الدولة». وأردف «مؤسسات الدولة تدار الآن بـ98 في المائة من كوادر من شرق البلاد وغربها، سواء كان ذاك في الحقائب السياسية أو التمثيل الدبلوماسي أو في المؤسسات الاستثمارية الخارجية والداخلية. أضف إلى ذلك غياب العدالة في توزيع الخدمات وفرص العمل والعلاج والدراسة في الخارج على الرغم مما يمتلكه الجنوب من الموارد الاقتصادية من النفط والغاز والمعادن والمياه الجوفية». ومن ثم، حذّر من أنه في حال عدم استدراك الأوضاع في الجنوب، فإن المنطقة، بشكل خاص، والبلاد عموماً، ستدخل مرحلة خطرة، قائلاً: «نعم، أخشى أن يتحول هذا الاقتتال إلى صراع عرقي بسبب انحياز بعض الحكومات في البلاد، وبعض وسائل الإعلام المحلية لطرف من طرفي الصراع؛ مما قد يسهم في تدويل ملف الجنوب».

حول واقع التبو في ليبيا
> يوصف التبو في ليبيا، بأنهم أكثر قرباً من حكومة طبرق (شرق البلاد)، في حين يعتبر خصومهم العرب والطوارق في فزان والكفرة أكثر قرباً من حكومة طرابلس، ويتهم الطوارق الفرنسيين بأنهم يفضلون التبو عليهم، وبأنهم يتساهلون أكثر مع حركة التهريب لدى التبو منه لدى الطوارق. وللعلم، على مقربة من الحدود الليبية توجد قاعدة عسكرية فرنسية في منطقة مداما النيجرية، وتبعد 70 كيلومتراً فقط عن أول نقطة حدود ليبية. وسبق لعميد بلدية سبها حامد الخيالي، اتهام المسؤولين عن هذه القاعدة بالتواطؤ مع مهرّبي البشر. هذا، ولا توجد في ليبيا بيانات إحصاء وافية عن الأعداد الإجمالية للتبو، لكنها تقدّر بـ350 ألفاً، وفق تقدير مركز كارنيغي لـ«الشرق الأوسط» عام 2012. وهم ينتشرون حالياً في جنوب شرقي ليبيا، بالإضافة إلى انتشارهم في شمال تشاد والنيجر، والواقع أن هذه القبيلة تسيطر بشكل فاعل على جزء كبير من المناطق الحدودية في الجنوب، التي تمتد من واحة الكفرة في أقصى الشرق إلى القطرون والويغ جنوبي سبها.
ووفق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لا تزال مسألة الجماعات المسلحة الأجنبية في ليبيا تشكل عاملاً مزعزعاً للاستقرار، في الجنوب الغربي والجنوب الشرقي، وضرب مثلاً بوقوع اشتباكات سابقة في بلدة أم الأرانب، (100 كيلومتر جنوب سبها)، بين أفراد من التبو ومتمردين من تشاد (قبيلة الزغاوة) ودارفور.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.