الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

مخاوف من تحوّل الاقتتال بين أولاد سليمان والتبو في سبها إلى فتنة

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته
TT

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

فتحت رصاصات عدة استقرت في أجساد ثلاثة من أبناء قبيلتي التبو وأولاد سليمان في مدينة سبها، عاصمة جنوب ليبيا، «أبواب جهنم» على المدينة. وأدى هذا الحادث إلى انهيار اتفاق مصالحة بين الطرفين، وحوّل عموم المنطقة إلى ساحة مفتوحة لصراعات مسلحة استخدمت فيها «قوات مرتزقة»، وذلك في ظل وجود أحاديث عن «مؤامرة وأطماع خارجية»، ومحاولات «انتهاز الفرصة» من بعض الأطراف السياسية في شرق ليبيا وغربها، لإعادة ترتيب المنطقة على قاعدة «ما لم تحسمه السياسة، يأتي بفوهة البندقية».
شهدت مدينة سبها، الواقعة على بعد 660 كيلومتراً، جنوب العاصمة الليبية طرابلس، اقتتالاً واسعاً، منذ مطلع فبراير (شباط) الماضي، على أكثر من مستوى، بين قبيلتي أولاد سليمان العربية والتبو غير العربية، التي «تساندها قوات من المعارضة الأفريقية»، قبل أن تدخل على خط المواجهة قوات من الجيش الوطني الليبي، وأخرى تابعة للمجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، في اشتباكات دامية خلّفت قتلى وجرحى، ونزوحاً جماعياً قسرياً لعشرات الأسر.
تعود جذور الأزمة إلى ما قبل سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، إلا أنها طفت على السطح عقب اندلاع الثورة الليبية عام 2011، حين تحوّلت مناطق جنوب ليبيا إلى ساحة مفتوحة يُحتكم فيها إلى قانون القوة والنفوذ القبلي. وعلى مدار السنوات السبع الماضية، ظل سكان تلك المنطقة، المتاخمة لحدود 3 دول أفريقية يشكون الإقصاء والتهميش، والغياب التام للدولة، مع حرص غالبية قبائلها على الاحتفاظ بـ«سلاح ردع» لحماية مكتسبات ما بعد القذافي، و«مواجهة الآخر» إذا استدعت الظروف ذلك.
واليوم، تواجه بعض قبائل الجنوب اتهامات بالاستفادة من الفوضى التي ضربت البلاد، والتربّح من تهريب البشر والسلاح والمخدرات والوقود. وبعد أكثر من سبع سنوات من انهيار النظام السابق، لا تزال مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود الليبية البالغ طولها 4300 كلم، من نواحٍ عدة، غير مضبوطة، بل ربما غير قابلة للضبط من دون حكومة موحّدة.

خلفية المواجهات القبلية
والحقيقة، أنه لم يكد يمضي عام واحد على الثورة الليبية، حتى اندلعت مواجهات ثأرية وعرقية دامية بين قبيلتي أولاد سليمان والتبو – الذين يمتدّون في تشاد والنيجر وشمال غربي السودان – في نهاية مارس (آذار) 2012، على أثر حادث قُتل فيه أفراد عدة من الجانبين، وعُرف وقتها بـ«قاعة الشعب»، مقر اجتماعات المجلس العسكري بمدينة سبها.
بعد ذلك تدخلت أطراف المصالحة، ورضي الجانبان بالتوقيع على الاتفاق - الذي حصلت «الشرق الأوسط» على صورة منه - لكن هذا الاتفاق لم يصمد أمام تجدد الاشتباكات التي أرجعها متابعون من الجانبين إلى خلافات بعضها «عرقي»، وبعضها الآخر يتعلق برغبة أولاد سليمان في «فرض سيطرتها على الأرض» مقابل إصرار التبو على الاستعانة بقوات من «المعارضة الأفريقية».
وما بين الماضي والحاضر، أرجع الدكتور علي قلمة مرصدي، وزير العمل والتأهيل السابق في حكومة «الوفاق الوطني»، أسباب تعقّد المشهد إلى «تعمد بعض الأطراف الخارجية والميليشيات المؤدلجة، المدعومة من الحكومات المتعاقبة، إشعال الفتنة بين القبيلتين منذ عام 2012». وقال مرصدي، الذي ينتمي إلى التبو، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: إن «أولاد سليمان والتبو ضحيتان لصراع تغذيه جهات خارجية وأطراف داخلية، لتحقيق مصالح لبعض الدول، ومجموعة من مُتصدري المشهد السياسي»، مستدركاً «أولاد سليمان تتلقى دعماً بالمال والسلاح، ومساندة إعلامية ضد التبو». وفي مواجهة ذلك، قال السنوسي مسعود، رئيس مجلس حكماء قبيلة أولاد سليمان، إن قبيلته «لا تبتغي إلاّ الدفاع عن الأراضي الليبية»، نافياً أن تكون الاشتباكات التي شهدتها سبها «تستهدف الاستحواذ على السلطة في المنطقة، كما يتردد».

مقهى الناصرية والتدخلات الخارجية
لكن، وبعد أكثر من ست سنوات على حادث «قاعة الشعب» في مدينة سبها، مرّت العلاقات بين القبيلتين بتوترات شديدة، إلى أن جاءت اشتباكات «مقهى الناصرية» في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، لتنسف آخر اتفاق للمصالحة وُقّع في العاصمة الإيطالية روما في مارس 2017. وترجع تفاصيل هذه الواقعة، التي قتل فيها ثلاثة أشخاص في سبها، جراء أعمال انتقامية بين القبيلتين عندما أطلق مسلحون مجهولون النار على المقهى الذي يرتاده التبو؛ ما دفعهم إلى نصب نقطة تفتيش في المنطقة، ولدى مرور القائد العسكري مادي عمر، الذي تنحدر أصوله من قبيلة أولاد سليمان، أُطلق عليه النار وقتل على الفور، وهكذا دارت عجلة الانتقامات الثأرية. ورغم كل الجهود التي سارعت إلى احتواء التوتر بين القبيلتين، وصف المتابعون للأزمة في حديثهم مع «الشرق الأوسط» واقعة «المقهى» بأنها «الكاشفة لما يحدث في الجنوب من غليان، ونتيجة حتمية لتفاقم أزماته، وسقوطه من ذاكرة كل الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد». ويشير هؤلاء إلى أن الجنوب الليبي بات «بالفعل ملاذاً آمناً لفلول جماعات المعارضة التشادية والسودانية».

وجهتا نظر متناقضتان
إسماعيل بازنكة، أحد نشطاء قبيلة التبو، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه:: إن «المجموعات المعارضة موجودة على الأراضي الليبية منذ زمن بعيد، وكان القذافي يأويها لأهداف تتعلق بزعزعة استقرار بعض الدول والضغط عليها، ثم استعان بهم لقمع المتظاهرين في الثورة الليبية». وأضاف: «بعد الانقسام السياسي في 2014، كل الأطراف بدأت تستعين بالمرتزقة لتقوية موقفها العسكري وحسم الصراع لصالحها. وعندما قرّر المجتمع الدولي ودول جوار ليبيا ملاحقة مَن يأوي المرتزقة، تنصلت تلك الأطراف منها وألصقتها بالتبو».
غير أن مفتاح أبو خليل، عميد بلدية الكفرة، رأى أن «التدخلات الخارجية من بعض الدول الأوروبية تسعى لفصل الجنوب عن ليبيا»، وتابع في شرحه أسباب اندلاع مواجهات سبها الجارية: إن «الأزمة الكبرى تتعلّق بوجود عدد كبير من المسلحين غير الليبيين الذين دخلوا إلى أراضي ليبيا في أعقاب ثورة 17 فبراير، وهؤلاء هم أبناء عمومة قبيلة التبو في الجنوب، ولقد كونوا مجموعات مسلحة كبيرة تسعى إلى اقتطاع المنطقة تحت المسمّى العرقي الذي يضم القبائل الموجودة في دول الجوار».
وللعلم، انضم التبو مبكراً إلى الثورة ضد القذافي، في حين حافظت على ولائها للقذافي القبائل العربية في الجنوب التي كانت تتمتع بمكانة خاصة عنده، وعلى رأسها الزوي وأولاد سليمان... والقذاذفة طبعاً. ومن ثم، نتيجة لسرعة التحاق التبو بالثورة على القذافي، فإنها عملت منذ البداية على تأمين ما يكفي من التنازلات والتسويات لحماية مصالحها تحسباً لما تخبئه الأيام المقبلة.

المشهد الليبي الأوسع
من ناحية أخرى، لتفجير العلاقات بين أولاد سليمان والتبو، أبعاد أخرى تتعلق بالعنصرية والإقصاء، والتحكم في مقاليد الأمور، وهو ما يقول التبو – ذوو البشرة الداكنة – إنهم يعانون منه. إذ يتهم إبراهيم عثمان، المتحدث باسم حكماء التبو، «بعضاً من أبناء أولاد سليمان، بالسعي لبسط سيطرتهم على الأرض، وحكم سبها، والمنطقة الجنوبية بالكامل في محاولة للتخلص من التبو». وأوضح، أن بداية التوتر كانت «جنائية الطابع باعتداء أحد أفراد اللواء السادس (تابع لأولاد سليمان) على مقهى يرتاده شباب التبو في منطقة الناصرية، ثم توالت ردود الأفعال». و«ردود الأفعال» هذه بدت ظاهرة للمتابعين عند لجوء أفراد القبيلتين إلى «سلاح الردع» المُدخر لمثل هذه اليوم منذ رحيل نظام القذافي، والاحتكام إلى «قانون خاص» يعتمد على المدفع، والميليشيا، وقوات المرتزقة العابرة للحدود.
في هذه اللحظة، رأت القوتان المختلفتان سياسياً في شرق ليبيا وغربها، المتمثلتان في المشير الركن خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني، وفائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، ضرورة التدخل لوقف تغول القوى المتناحرة، وحجز مساحة على الأرض بعيداً عن مناكفات طاولات الحوار. وهكذا بدأ سباق محموم بينهما (الجيش الوطني والمجلس الرئاسي) بهدف السيطرة على الجنوب أولاً، وضم كل من الجانبين الكتائب المتقاتلة إلى صف قواته. وعليه؛ سعيا إلى توسيع نفوذهما هناك بضم اللواء السادس التابع لقبلية أولاد سليمان، الذي كان يطلق عليه في السابق «كتيبة فارس الصحراء»!
في العشرين من فبراير الماضي، بينما كانت الاشتباكات مستعرة بين أولاد سليمان والتبو، اتخذ حفتر قراراً بضم اللواء السادس مشاة وكل أفراده وعتاده وذمته المالية للقيادة العامة للجيش، وتعيين العميد أحميد العطايبي آمراً له. وشمل القرار إنشاء ثلاث كتائب، هي: كتيبة 205 دبابات بإمرة النقيب سعد عبد الوهاب علي بوعوينة، ومكان تمركزها سبها. وكتيبة 311 مدفعية بإمرة مقدم عبد السلام زيدان المهدي ومركزها أيضاً سبها، وكتيبة 183 مشاة بإمرة نقيب أمحمد عثمان عيسى. غير أن المفاجأة التي غيّرت موازين الطرفين، أن العطايبي رفض تكليف حفتر، وقال: إنه يتبع حكومة «الوفاق الوطني» في طرابلس. فأضطر حفتر إلى إصدار قرار آخر يقضى بإعفاء العطايبي من منصبه وتكليف العميد خليفة عبد الحفيظ خليفة آمراً للواء؛ الأمر الذي أحدث انشقاقاً في «كتيبة فارس الصحراء» (مقرها سبها)، فبات بعضها يقاتل مع الجيش الوطني وبعضها الآخر اصطف مع المجلس الرئاسي.
وكان سبق للعطايبي - قبل أن يُصدر قرار بشأنه - أن وصف ما يحدث في سبها بأنه «معركة بين قوات حفتر والقوات التابعة لحكومة الوفاق» دعمها انقسام المؤسسة العسكرية. وأردف في تصريحات لفضائية «التناصح» التابعة للمفتي السابق الصادق الغرياني، إن «اللواء السادس يمثل حكومة الوفاق الوطني». وقال: «إننا نقاتل من أجل ليبيا، وبهدف توحيد الليبيين، ونطالب حكومة المجلس الرئاسي بإدانة الهجوم على اللواء السادس التابع لها، وندعو جميع الثوار والأحرار بالتحرك والدفع باتجاه اللواء... فنحن في محرقة». وذهب العطايبي أبعد، متهماً في كلام تناقلته وسائل إعلام محلية حفتر، بـ«الوقوف وراء المعارك» و«جلبه مقاتلين مرتزقة من دول تشاد والنيجر والسودان»، واصفاً المعركة بأنها «معركة بين الشرق والغرب». الوزير السابق (في حكومة «الوفاق الوطني») علي قلمة قرصدي، اتهم في حديثه إلى «الشرق الأوسط» حكومة «الوفاق الوطني» بالانحياز بشكل واضح في دعم (أولاد سليمان) من خلال «شرعنة اللواء السادس التابع للقبيلة»، معبراً عن غضبه لـ«وصف المجلس الرئاسي لأفراد قبائل التبو المقاتلين بالمرتزقة»، حسب قوله. وتجدر الإشارة إلى أنه جرى تغيير اسم كتيبة «فارس الصحراء» إلى اللواء السادس، وكانت تضم «التوجيه الثوري» و«الحرس الثوري» و«مشروع النخيل» و«استراحة القائد» و«المسرح العسكري» و«صقور بومنيار» و«الحانوت العسكري». وأمام هذا الانقسام بين ولاءات «كتيبة فارس الصحراء» ساد الغموض معالم الاشتباكات في سبها؛ وهو ما دعا إبراهيم عثمان، إلى المطالبة «بسرعة إخلاء المدينة من كل التشكيلات المسلحة، وتشكيل منطقة عسكرية يكون آمرها محايداً، ومن خارج المنطقة الجنوبية، بجانب ضم العسكريين تحت لواء جيش منظم وبأرقام عسكرية». ويتابع المتحدث باسم حكماء التبو: إن «الميليشيات هي السبب الرئيسي، وكل ما يقع في منطقة نفوذ أولاد سليمان هم المسؤولون عنه»، مطالباً حكومة الوفاق بتحمل مسؤولياتها و«تجريم الميليشيات».
بجانب ما سبق، حذرت منظمة «الأمان» الليبية لمناهضة التمييز العنصري، المجلس الرئاسي من مغبة ما أسمته «شرعنته لأطراف الصراع» في سبها. واعتبرت أن ما يحدث هناك «ينذر بشبح وقوع كارثة إنسانية ضد المدنيين في الأحياء السكنية... الحروب الأهلية دائماً تبدأ بدعم الحكومات لأطراف الصراع». كذلك، انتقدت المنظمة موقف المجلس الرئاسي المؤيد لتحركات «الميليشيات المتمركزة بمقر كتيبة فارس الصحراء»، ورأت أن هذا يصب في مرتبة «التحيز لطرف دون الآخر وتأجيج للمشكلة». ومما يذكر، أن كتب التاريخ التي وُضعت في عهد القذافي تعترف بالأصول الأمازيغية للطوارق والليبيين الأمازيغ، بينما تتجاهل التبو كلياً. لكن بعد الثورة أدت التغيرات في حظوظ التبو لزيادة عداء العرب الليبيين الجنوبيين لهم، الذين كانوا ينظرون إلى التبو على أنهم غير ليبيين.

الوافدون الأفارقة
مع تفاقم الوضع في الجنوب، بدا أن القوتين العسكريتين في الشرق والغرب عازمتان على كسب المعركة. إذ بينما أعلن اللواء السابع مشاة التابع للمجلس الرئاسي، حالة النفير العام، وأرسل قوات إلى هناك تتألف من كتيبة دبابات ومدفعية ومشاة، وفرقة استطلاع، وأطلق عملية عسكرية حملت عنوان «بشائر الأمان» لردع «القوات الغازية»، أطلقت القيادة العامة للجيش الوطني عمليات مماثلة باسم «فرض القانون» في سبها تضمنت إرسال غرفة عمليات إلى قاعدة براك الشاطئ الجوية، بتجهيزات عسكرية ضخمة بينها مقاتلات. لكن أمام تعثر السيطرة على الأوضاع في الجنوب، ودخول أطراف خارجية على خط المواجهة، دعا الجيش الوطني الليبي «الوافدين الأفارقة» إلى «عدم الانجرار وراء الميليشيات الخارجة عن القانون، أو استغلالهم زعزعة أمن واستقرار الجنوب»، وطالبهم بـ«مغادرة ليبيا والعودة إلى بلدانهم الأصلية»، ومنحهم مهلة 9 أيام تنتهي في السابع عشر من الشهر الحالي، «قبل أن يستخدم القوة لإخراجهم بكل الوسائل العسكرية المتاحة جواً وبراً». كذلك، دعا الجيش أعيان ومشايخ مناطق الجنوب للاتصال بالغرفة الأمنية في المناطق العسكرية سبها، وأيضاً في أوباري وغات ومرزُق، ورفع الغطاء الاجتماعي عن كل من يساهم في حماية أو إيواء أو مساعدة الوافدين الأفارقة بأي شكل من الأشكال. وأمام تحذير حفتر للأفارقة، رأى الوزير السابق مرصدي، أن «القوات الأجنبية المتمثلة في المعارضة التشادية والسودانية، جرى استغلالها واستخدامها من قبل الحكومات الحالية والسابقة، وباتت تنتشر قي معظم مناطق الليبية بآلياتها وأسلحتها، وتصرف لها مبالغ مالية مقابل ذلك... إنهم يتحركون بحرية داخل ليبيا»!

مخاطر التهميش والتمييز
وتابع مرصدي، مذكراً بمشكلات وأزمات الجنوب، وما تمثله من مخاطر مستقبلية، كلامه لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «نعم الحكومات المتعاقبة مارست أنواعاً مختلفة من التهميش والتميز ضد الجنوبيين من خلال استخدام أدوات وأساليب وطرق مختلفة من بينها الإقصاء السياسي والإداري في تولي المناصب السياسية والإدارية العليا في الدولة». وأردف «مؤسسات الدولة تدار الآن بـ98 في المائة من كوادر من شرق البلاد وغربها، سواء كان ذاك في الحقائب السياسية أو التمثيل الدبلوماسي أو في المؤسسات الاستثمارية الخارجية والداخلية. أضف إلى ذلك غياب العدالة في توزيع الخدمات وفرص العمل والعلاج والدراسة في الخارج على الرغم مما يمتلكه الجنوب من الموارد الاقتصادية من النفط والغاز والمعادن والمياه الجوفية». ومن ثم، حذّر من أنه في حال عدم استدراك الأوضاع في الجنوب، فإن المنطقة، بشكل خاص، والبلاد عموماً، ستدخل مرحلة خطرة، قائلاً: «نعم، أخشى أن يتحول هذا الاقتتال إلى صراع عرقي بسبب انحياز بعض الحكومات في البلاد، وبعض وسائل الإعلام المحلية لطرف من طرفي الصراع؛ مما قد يسهم في تدويل ملف الجنوب».

حول واقع التبو في ليبيا
> يوصف التبو في ليبيا، بأنهم أكثر قرباً من حكومة طبرق (شرق البلاد)، في حين يعتبر خصومهم العرب والطوارق في فزان والكفرة أكثر قرباً من حكومة طرابلس، ويتهم الطوارق الفرنسيين بأنهم يفضلون التبو عليهم، وبأنهم يتساهلون أكثر مع حركة التهريب لدى التبو منه لدى الطوارق. وللعلم، على مقربة من الحدود الليبية توجد قاعدة عسكرية فرنسية في منطقة مداما النيجرية، وتبعد 70 كيلومتراً فقط عن أول نقطة حدود ليبية. وسبق لعميد بلدية سبها حامد الخيالي، اتهام المسؤولين عن هذه القاعدة بالتواطؤ مع مهرّبي البشر. هذا، ولا توجد في ليبيا بيانات إحصاء وافية عن الأعداد الإجمالية للتبو، لكنها تقدّر بـ350 ألفاً، وفق تقدير مركز كارنيغي لـ«الشرق الأوسط» عام 2012. وهم ينتشرون حالياً في جنوب شرقي ليبيا، بالإضافة إلى انتشارهم في شمال تشاد والنيجر، والواقع أن هذه القبيلة تسيطر بشكل فاعل على جزء كبير من المناطق الحدودية في الجنوب، التي تمتد من واحة الكفرة في أقصى الشرق إلى القطرون والويغ جنوبي سبها.
ووفق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لا تزال مسألة الجماعات المسلحة الأجنبية في ليبيا تشكل عاملاً مزعزعاً للاستقرار، في الجنوب الغربي والجنوب الشرقي، وضرب مثلاً بوقوع اشتباكات سابقة في بلدة أم الأرانب، (100 كيلومتر جنوب سبها)، بين أفراد من التبو ومتمردين من تشاد (قبيلة الزغاوة) ودارفور.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.